التعلّق… امتلاء كياني

eagle and sunset

د. ناتالي الخوري غريب 

في التعلّق سمّ بنكهة السكّر، وعمى بوهم البصر، وحدس بلغة الحسّ العقيم.

في التعلّق سِوارٌ مذهّبٌ بانتظار، وانكسار مغلّف بوفاء، وعقدٌ على مقاس رقابنا، وإعلان إعدام حريتنا تحت راية الحبّ الكياني العظيم.

في التعلّق كلّ الانغلاق الذي يقصينا عن رياح تنبض بإمكانات عطر مغاير في مواسم غير منتظرة.

وفي التعلّق أيضًا انتماء وتجذّر وهويّة، يجعلنا نمتلئ بأرضنا وحبّنا لها، بسمائنا وحنيننا إليها، بمنازلنا وأمّهاتنا وآبائنا وأبنائنا وأصدقائنا وأعمالنا وخربشاتنا وأشيائنا المهمّة منها والتافهة والسخيفة .

في التعلّق دافعٌ نحو الربح الكثير، والاستزادة من الكثير، والخوف الكبير من خسارة ما سبق، وضياعه، وما يتبعه من حزن عميق على ما فات.

نتعلّق بأبنائنا فنخنقهم، نتعلّق بأرضنا فنقتلها، نتعلّق بالسماء فنهمل الأرض، نتعلّق بأشيائنا فنكثر منها ونستطيب صدأها… نتعلّق بأزاهيرنا فنغرقها. نتعلّق بالتاريخ فنزوّر الجغرافيا، نتعلّق بالجغرافيا فنساوم على التاريخ. نتعلّق بقديمنا فنخسر إمكانات تجدّدنا، نتعلّق بجديدنا فنخسر أصالتنا…

نتعلّق بالأزمنة حين تكون مناسباتها ملائمة لانتصاراتنا، ونلغيها من ذاكرتها حين تقدم معاثرنا على مآثرنا كذلك الأمكنة.

فالتعلّق هو العيش بوجدان كامل نهديه للآخرين، لنعيش في وجدانهم، لكنّه امتلاء كياني قد يجعلنا أقرب إلى رهائن أو قل موتى على رجاء لا نعرفه، ما يستدعي حالات وعي جديدة.

تنادينا أعماقنا لضرورة الخلوة والعزلة بعد شعور الخواء في الخارج، ربّما لنبحث عن سعادة تتغيّر معاييرها في كلّ مرحلة من مراحل العمر. نبحث عن سعادة ضاقت بها شدّة التعلّق ولا تنفع مداواة الإدمان إلا بإدمان جديد.

أمّا اللاتعلّق، فهو الحريّة في كامل إطلاقها، كعصفور لم يشأ يومًا التحليق مع عشيرته، يهاجر في الربيع، ويستوطن في موسم الهجرة.

في اللاتعلّق حصنٌ من الخيبات على قاعدة لا أمل يساوي لا خيبة، ولا سيّد ولا عبد…

في اللاتعلّق يصبح الإفلاس ضرورة البدايات، فالأجنحة أيضًا تستثقل كثافة ريشها حين يعيق طموحَ علوّها.

في اللاتعلّق، طعم الموائد العامرة بالصعتر البريّ و”ورق العريش” المتدلّي من السماء وقد حُشِيَ بقيم الأحرار وطهته الشمس بحرارة الكشف.

في التعلّق نحن نبحث عن السعادة، وفي اللاتعلّق نحن نبحث عن الراحة، يتلاقيان حينًا ويفترقان أحيانًا.

في كليهما تغرّب عن الذات، في التعلّق أنت متغرّب عن ذاتك التي تروم الانعزال عن عالم العلائق الترابي، وفي اللاتعلّق أنت متغرّب عن جبلة الطين فيك، عن حبّك الكياني الذي صار ذاتًا، وأنت تعرف أنّ التغرّب موت ما عاد لك فيه قرار…

هي الحياة، أجمل ما فيها، وَعْيُنَا متناقضاتها على شفير الصراع الدائم بين حلوها ومرّها، وَعْيُنَا تجاوزَ مِحَنِها على جسورٍ غير معلّقة بمكان وزمان محدّدين، وَعْيُنَا أنّ الأمام والمدى ثنائيّة مؤامرة السيرورة…

 

 

Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: