أحمد بزّون:

“للقهوة وقت نركنه في الزاوية”

 أحمد بزّون
أحمد بزّون
د. علي نسر

كعوّادٍ يحاول دوزنة أوتاره، فتتفلّت من بين أصابعه، هكذا يبدو الشاعر أحمد بزون في مجموعته الشعريّة الجديدة “للقهوة وقت نركنه في الزاوية” (مؤسسة الانتشار العربي) وهو يواجه الوجود بعواصفه العصيّة على الالتقاط، نظرًا إلى تأهبها المستمر. . .  ما يجعله سابحًا في أمواج صاخبة، لا يعرف بوصلة الهداية إلا من خلال الجسد: “فأنا شريد أحلامي الطائشة/لا أستفيق إلا على جسد”.  (ص13).

د. علي نسر
د. علي نسر

أربع قصائدَ، شغلت حيّزًا في الصفحات الأولى من الديوان، تشير إلى التزام صاحبها قضايا وجودية وحياتية تفرض نفسها بالقوّة والفعل. قصائد، كانت كافية لتوضيح التخبّط والقلق الوجديين عند الشاعر، إذ تكشف عن أزمة في الزمن والفكر، ما يجعله شلوًا متهافتًا، وكأنّه يسير على فرس من القلق خوفًا من تفلّت العمر الذي انعكس شيبًا وخفوت صوت بارد، تتلاعب الريح بضعفه وخفّته، فيحسد أخاه الشهيدَ على سرمدية شبابه، وينعى وقته ويرثيه، “أفرح لأنّك ما زلت شابا في الصورة/ وقد نأى بي الشيب عنك”. (ص6). وقد استحال لهيب الصوت رمادًا متناثرًا لا يقيه فتاته من التبعثر والفناء كهواء منثور “صوتي رماد/ورمادي ينتظر ريحًا تنتحر به على تخوم الصحراء”. (ص7). وبطريقة متدرّجة، ينقلنا الشاعر إلى أوحال الواقع، التي ينغمس فيها بعض البشر، مشوّهين الصورة الحقيقية لإله كان في الماضي مبتسمًا جميلا، يخرج من ثياب صلاة الأم: “فلماذا يتربّع في رأس كل قاتل إله/ يصلّي له/ ويسنّ بذكره السكّين/ أو يحشو ببغضه الرصاص/. . . يا أبي أمس رأيتهم يضربون الرأس فيتشظّى/ إلهه في رؤوس سواه/ فالآلهة لا تموت. . . لكن وحده الاله الذي تصلّي له أمّي يبتسم لي. (ص14-15).

الاحباط والاحساس بالعجز

"للقهوة وقت نركنه في الزاوية"
“للقهوة وقت نركنه في الزاوية”

هذه الأجواء وغيرها، تسقط الشاعر في سراديب من الاحباط والاحساس بالعجز، وكأنّ سدًّا يمنع العقل والفكر من التبحّر في أحاجي الكون لفكّ ألغازه وايجاد مفاتيحه التي احتكرها بعض المسيطرين على العقول، يتوحّشون في ممارساتهم، والقوي يفتك بالضعيف “أرى كوكبًا يموت فتأكله الكواكب الأخرى” (ص17). فينسحب الشاعر شبه مهزوم وكأنه يشعر بالدونية، معتمدًا شعارًا يشبه أحد شعارات المتنبي حين قال:”ومن تفكّر في الدنيا ومهجته/ أقامه الفكر بين العجز والتعب”، فيحذو (بزون) حذوه قائلًا: “خفت/ سحبت مخيلتي قبل أن تلتهمها حيتان الفضاء/ انزلقت تحت غطاء سميك/ وحاولت أن أخبّئ عقلي تحت المخدّة وأنام”. (ص17).

وفي سواد ليل كهذا، يبني الشاعر جسور خلاصه عبر المرأة، فيتّخذها خلاصًا ومنفى، ويحوّل السرير إلى مسرح يفرغ فيه أوعية أزماته مسقطًا بعض عصابيته على المرأة نفسها عبر تعظيمها أحيانًا، وبطريقة لافتة، يستعين بالجسد ليخرجه من بعض الكمائن النفسية التي تكشف عن أزمات يتخبّط الشاعر في شباكها. فيحاول عبر التمني، التغلّب على العمر والزمن والوقت المركون في الزوايا، عبر تجاوزه المألوف والمعتاد للوصول إلى الأبعد ورفع راية النصر وتحقيق المراد عبر تغلّبه على الوقت والمسافات، وكأنّ النشوة هدفه ومرمى سهامه بغض النظر عن الطريق اليها: “لو أستطيع لشربت الثمالة قبل الكأس”. (ص122).

حصون المرأة

يدخل الشاعر حصون المرأة، متجاوزًا حدود الماديات والمحسوسات، مطلقًا بعض الرؤى التحررية طالبًا منها ألّا تقيّده بأقفال ومفاتيح، محفّزًا إيّاها على العودة الى الأصل الوجودي للمخلوقات ورمي ما أسقطه الانسان على جسده وعقله وتحركاته من قيود اضطرته الحاجة الوجودية اليها في مرحلة ما، وآن الأوان لاسقاطها والتخلّص من ثقلها، بعد أن صارت قوانين وأعرافًا يُعدّ شبهة مجرّد التفكير في الخروج منها وعليها: “لماذا تقفلين الدنيا عليّ بمفتاح؟/ فالخطايا يا صديقتي لا يغسلها هواء غرفة/ والنطفة الأولى ولدت في العراء/لماذا لا نردّ أجسادنا إلى الشواطئ؟/ لا نجرّب ظلال غابة؟”. (ص43). لكنّ استنكار هذا التضييق والاقفال، سرعان ما يقلّل الشاعر من خطورته والسخط عليه إذ تدفعه حالاته التأزمية في الوجود والحب إلى تقبّله، واتخاذه ملجأ وملاذًا، ما يشير إلى تناقض يسقط الشاعر في آتونه، ما يدلّ على مدى اضطرابه وتلاعب عواصف الحياة به. متخوّفًا من فضيحة أمره، نراه يقفل ترباس القصيدة لتكون كهفه من جديد: “وأقفلت القصيدة حتى لا يرانا أحد”. (ص22). وإذا كانت قوقعته مموّهة عبر اقفال القصيدة، نراه يعلن عنها صراحة معترفًا باختبائه واستسلامه متواريًا خلف ستارات، مخفيًا ملامح الخجل عن محياه: “خبأت خجلي وأقفلت السحاب عليه”. (ص115).

أنوثة الحبيبة

وعلى الرغم من محاولاته الحثيثة لانتشال الجسد والمرأة من بئريهما العميقتين، إلا أن الشاعر أعلن عن غيرته التي تكرّس أنوثة الحبيبة وتعطي لذكوريته شأنًا فتغدو الندّيّة بينهما بنّاءة، وكأنّ في هذا ردّ فعل على شعوره بأنّ العمر ينزلق من يديه، فيعمل على اثبات الوجود، مؤكّدًا حضوره وقدرته على الحب ومناورة الحسناء: “اقتربي فزندي لمّا يزل عطشًا/ وغابتي لم تنطفئ بعد”. (ص66).

ولم يكتف بهذا، إنما يقوده الخوف من اللاحضور إلى الذوبان في المرأة والحبيبة حبًّا وخوفًا من تسرّبها من زوايا امكنته، فيغرقها والقصائد بوابل من أفعال الامر الرقيقة أحيانًا، مسوّغًا لنفسه عشقه الماضي وعلاقاته المنصرمة: “يا حبيبتي. . ليست القبلُ الماضية غبارًا أنفضه بريشة/ ولا الأحضان مياهًا تجفّفها نسائم الصبح/ ولا أستطيع أن أغسل أذني من صرير الأسرّة/ أو أحرق شريط صور يغسل عينيّ. . أنا معك الآن/فلا تشرّعي النوافذ للذباب/ ولا جراح جسدك لملح الذكرى”. (ص10-11). وهذا التسويغ يقابله عتاب على الحبيبة وغيرة من تذكّرها والتعايش مع أطياف الماضي: “ليتني أستطيع أن أسأل شيطانك/ لماذا تعتكر بحيراتك/ كلما قابلتِ صديقًا قديمًا؟/ . . . تقولين يا قمري وتربكك ظلالٌ أخرى!/ أزرع حدائقي حولك فيقفز حنينك إلى الصحراء!”. (ص32-33).

النرجسية الخلّاقة

هذه المخاوف والغيرة، تجعل من الشاعر قريبًا من عمر بن ابي ربيعة في غزله وعلاقاته بالنساء، تصل إلى حدّ النرجسية الخلّاقة وليست الهدّامة. فنراه يعظم من شأن المرأة، لكنّه لم يجعل منها غاية للتعظيم فحسب، إنما يساعده تعظيمها في تحصين نفسه والصعود بذكورته التي لا تلغي انوثتها: “ليتك حديقة منزلي/. . . أشربك ماءً/ أحضنك معطفًا”.  ص68). وفي هذا خوف من شيء، ربما يشعر الشاعر بدنوّ افتقاده، وانتهاء دفء الرحم المفقودة. . . فيعمل على اسقاط هذا على المرأة نفسها فيجعلها هي الخائفة والمحتاجة إلى حمايته والتمترس خلف قلاعه، لكن السياق يوضح مدى خوفه من غياب المرأة والحب: “خمسة أيام وأنا أربط جنوني على عتبة دارك/ . . . وأتيتِ فذاب جليد الطرقات/ . . . كم قلت لك: لا يطفئ نارك سوى ناري”. (ص61). وتصل الأمور إلى عدم قدرته على تحمّل من ينافسه في التغزّل بها ومشاركته في الارتواء بعينيها: “لماذا لا توصدي النوافذ كلّها/ امسكي أذيالك كي تأخذها ريح/ وأنفاسك كيلا تخالطها عيون الرجال”. (ص83). فيفضّل التخلّي عن الخلود كبرياء وعدم استسلام أو هزيمة: “…وإذا تذكرتِ هناك عشاق الأرض/ ارفعي انفك قليلا/ كي أرمي نفسي في أول نهر يحمل المطرودين من الجنة”. (ص82).  ثمّ يعلن عن سادية لطيفة حين يعلن عن تلذّذه باغاظة المنافسين، مفضّلًا أن يسخر من هزيمتهم على أن يقتلهم، بل ليتسابقوا على رفع هودجه في شارع الحمراء (ص78) .

***

كلّ هذا، لم يكن عصابًا سلبيًّا، إنّما كان سببًا في ولادة القصيدة، واعلان الخوف من الوحدة القاتلة. وقد استطاع الشاعر التحدث بألسن الكثيرين ممن يشعرون بالقلق الوجودي، فاتّخذ الجسد والمرأة محطة للحلول والتوحّد، مقدّمًا ما يريد في قالب من المضامين الشعرية متجاوزًا المعاني الشعرية التي نجدها في زوايا الحياة اينما توجّهنا، موظّفًا قدرة لافتة في استخدام اللغة فطوّعها كما يشاء، لتكون سهلة غير معقّدة، حاشدًا حقولًا من صور أكّدت أنّ للمضمون الشعري برهانًا وحيدًا هو الصورة. .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s