لامع الحر

“عشقٌ عرضُه السماوات والأرض”

"عشقٌ عرضُه السماوات والأرض" ... ولامع الحر
“عشقٌ عرضُه السماوات والأرض” … ولامع الحر

د.  لطيفة الحاج قديح

يظهر ان الموت هو غياب افتراضي وليس حقيقي، على الأقل بالنسبة للمحبين الذين لا يستطيعون تقبل الأمر الواقع، أو نسيان الحبيب.  فالحبيب ولو غاب يبقى في الوجدان والأعماق إلى أجل غير مسمى.  هذا ما تشير إليه قصائد الشاعر لامع الحر في ديوانه الجديد الموسوم بعنوان : “عشقٌ عرضُه السماوات والأرض” والصادر حديثاً عن “دار الفارابي” في 164 صفحة، من القطع المتوسط.

د.  لطيفة الحاج قديح
د. لطيفة الحاج قديح

ولامع، سليل عائلة عاملية معروفة،  أرضعته  الشعر مع الحليب، وربته على روائع والده الشيخ عارف، مؤسس رابطة الأدب العاملي.  وشاعرنا  أحد أهم الأصوات الشعرية اللبنانية، وله حكايات مع الحرف، كمامع الحبّ، حبّ الشعر الذي يولد بالفطرة، وقد أصدر العديد من الأعمال نذكر منها: “مهاجر الى أنصار”، ومسرحية ” بين حانا ومانا”، “واجهت نارك كلها”، “فتى الظل يبحث عن يديها”، “عشق كألف مما تعدون”، وغيرها من الكتب النثرية والشعرية الجيدة. وهو ليس بشاعر فحسب وإنما مناضل ذاق مرارة الأسر، فقد  كان في بداية شبابه، أحد معتقلي سجن انصار،فجمع بين تجربة الإعتقالوتجربة الكتابة الصحافية، والشعرية.

والكتاب، يضم بين ضفتيه 22 قصيدة، جُمعت في قالب سكب فيه شاعرنا عواطف حبيب نكب برحيل حبيبته.  وما أروعها من قصائد، يقدمها الشاعر في عروض انسيابية رائعة، كأنها حركات راقصة بالية متمرسة، تدور حول نفسها على نغمات موسيقى عذبة، في لوحة سيريالية حزينة. تنطلق الراقصة من نقطة محددة، ثم تبدأ بالدوران، ولا تلبث أن تعود إلى النقطة التي انطلقت منها، فتبدو أشبه ما تكون بدورة الحياة، حيث البداية هي النهاية، والنهاية رجع صدى!

هكذا بدت لي قصائد الديوان الذي خطت سطوره أنامل مبدعة، صاغتها بعناية  فائقة  فاذا بها عجينة لينة مدعوكة  بدموع العين، وحشائش القلب، مجبولة بحميمية تأملية قل نظيرها، فخرجت سيمفونية شعرية نثرية، أشبه بموسيقى الموت الرحيم.. قصائد طويلة هي، كجدائل الشعر الملفوف على نفسه بأشرطة حريرية، وكما قال عنها صاحبها: “هي نظم كأنه نثر، ونثر كأنه نظم”، فهي متعددة الأوزان والقوافي، تلتزم أحياناً الوزن الواحد،والقافية الواحدة، وأحياناً أخرى تطير وتتفلت من قيد الوزن والقافية ثم تلفّ وتدور لتعود إليها بطريقة مغايرة.

 بوح وألم وحنين

ويكاد الشعر هنا يلامس الرواية، رواية من روايات  الحبّ الحزين في الزمن المجدب العقيم.  فهو حكاية  بوح، وألم، وحنين ومرارة،  تركت  انعكاساتها السلبية واضحة  على نفس الشاعر وروحه وأعصابه.  فإذا الحزن والحنين يتحديان الحياة ويعلنان عن نفسيهما بكل جرأة وصراحة.

يستهل الشاعر ديوانه بقصيدة حزينة وسمها بعنوان ” قصيدة الحنين” وهي مهداة إلى حبيبته الأبدية  ورفيقة عمره، زوجه التي فجع بغيابها عنه ( منذ أكثر من عشر سنوات). وتحتوي القصيدة معان عميقة تبوح بأنها أكثر من مجرد حنين، انها عشقلا يُفهم كنهه،  لا  يبارح ولا يزول، وهوكحد السكين المشحوذ،المسلط على رقبة صاحبه. يقول الشاعر ص 14: “أحبك حباً يفوق التصور.  حباً يفوق الخيال…   كنصل رهيف بعنقي وفكي”. انه القدر الذي غيب الحبيبة،واستبد بمصير الشاعر فجعله يعيش في الوحدة الموحشة، وفراغ الروح القاتل.  لقد أشعل هذا القدر حرباً مستعرة في نفس الشاعر، الذييقودنا عبر ديوانه الى مرتع ارهاصاته ومخيلته الخصبة، ويقذف بنا الى عالم من الحرمان، بكل ما فيه من ألم وشقاء. ولكن هذا الفراق يبدو غدراًعند الشاعر، حتى ولو كان فراق الموت.  ما يدفعه لسؤال حبيبته: “لماذا غدرت؟ تريدين حباً يراوغ مثل الشتاء الحزين؟.   تريدين شمعاً لعتمك هذا؟ لماذا؟ وهل كنت عندك غير ذُكاء تبدّد هذا الظلام المهين ؟( ص _12 -13).

ويحق للقارىء أن يتساءل : “أية حكاية للشاعر مع الأحزان؟ وهل الحزن هو الوجه الآخر للحب؟  فالشاعرالذي أضاع وجهَ حبيبته في الحياة الدنيا، وجده في أعماق ذاته، يقول:” وتبقين أغلى النساء، وأحلى النساء، كأن الذي صاغك امرأة لم يصغ مثلها منذ بدء الخليقة حين تكون ضوء برحم وكان لرحمك هذا الجنين.  أحبك حباً يفوق التصور.  يفوق الخيال.  فهل أنت أنت؟… (ص 13_14).

“ضياع الصهيل”

وفي قصيدة “ضياع الصهيل” يلبس العشق ثوب الغيرة خائفاً من الغدر : يقول ص 20_23 : أغار عليك كأني أضاجع وهماً/وأصغي لنبض الجمال اليتيم/ هل نلتقي بعد هذا الفراق الطويل”. على عجل أو على ذروة لا تجافي ارتيابي من الغدر يمهر هذا البعاد ويصغي لمن خان  قبل حلول الربيع علي؟.

يعيش الشاعر على أمل  وعد وشوق،  وتسرّ روحه باللقاء مجدّداً.  و لكنه لا يلبث أن يفقد الأمل باللقاء، ومع ذلك فهو يظل مخلصاً للحبيبة، حتى يضنيه هذا الحب .  يقول ص 48:

” واقفاً قرب نفسي أواجه معنى الوجود وحيداًولا شيء/ ينحل فيّ.  ولا شيء ينفض عني/ولا حضن يسأل حضني”… وتسمعه يحاور ذاته المتشظية ويقول: “أراك ضعيفاً، فمن أين هذي الهشاشة يا صاحبي؟… /كأني هنا في الفلاة وحيداً…/ ولا شيء يرعى خرافة حبي”.  (49)

ولكن الشاعر ينتقل من النقيض الى النقيض، وكأنه يهذي، فها هو بعد أن بلغ منه الضعف والهشاشة مبلغا، يرى: “هواك استحال حياة، تقوي ملاذي/فهل صرت انت ملاذي الأخير؟… (ص 55).  ثم يعود ليناقض نفسه في الصفحة اللاحقة ليقول:”هواك انكساري المريع. أشوقي إليك هراء تعرى أمام فؤاد تصحر حتى تناهى صقيعاً يؤجج نار الجحيم ونار الفراق المقيم..(57). ويعاهد الشاعر نفسه انه سيبقى على الحب والوفاء بالوعد، يقول: وأبقى احبك حتى يمل الغرام عذابي/ويمسي لجرحي دواء وأبقى أحبك”… (ص 59).

إن هذه الحبيبة تقبض على روح الشاعر، وتنساب في دمه كما النسغ في عروق الشجرة، وهي تخضعه لإرادتها، بل  وتكيد له وتنزع عنه حرية  قراره.   يقول: “أريدك؟ لا.  لا أريدك.. لكن أريد الحياة/حياتي شموع تذوب أما مزاج الحبيبة/  وهي تعاقر زيفاً يشوش سر اندفاعي/كأني إذا ما سعدت… تكيدُ لكي يتلاشى بهائي/وضوء شراعي”(66 ). وأخيرا يقرر الشاعرأن يغادر حب الحبيبة: يقول: “أعلن أني سحاب يغادر أفق هواك/ويمضي الى سحر أفق تناهى/وقرر ألا يعود”… (71). ولكن هل يتسنى له ذلك؟. يقول: “أحبك قبل الفراق وبعد الفراق كأني  أداوي/الفراق بنفحة شعر.  تظلّل ضعفي وحسّي/دعي ذلك الغصن يمضي إلى وردة لا تداني شذاك”( ص 109). وكأنه لا يلبث أن يتأكد،أنه لن يستطيع أن يمضي عنها، فحبّها مزروع فيه لا يبارحه،  فينشد(في الصفحة اللاحقة): “لتبقي الأميرة في كل حال/  وأجعل منك قصيدة عمري وعرسي/وأبقى أحبك حتى وإن لامس الموت روحي”.  بل هو إن لامع عارف الحر، كما قرأته،وكما عرفته ليس رجلاً عاديا.

ذلك المصدوم، الرهيف الحس،  الممتلىء باحساس الظلم المتشعب، الذي خيّم بظله وظلاميته على كل شيء.  ولا عجب في ذلك، فهو إنسان حباه الله بجميل الصفات، فهو الإنسان المحبّ، الوفي، المخلص، الحنون،  ولكنه صدم بالواقع الأليم، الذي خطف منه أعز ما يملك، حبّ الحبيبة،  وضغط بكل ثقله على صدره، فكان  من الطبيعي أن يستخدم طاقته الداخلية المتعانقة مع أحاسيسه الشفافة، لتعبر عن واقع حال من سحقتهالمصيبة، فبات ليس فقط رديف القهر، والحزن والقنوط، بل أكثر من ذلك.  فإن كانت المصيبة كما يشاع تبدأ كبيرة ثم  تصغر تدريجاً، فإن حزن الشاعر لا ينقض ولا يضمحل، بل  يتجدّد عاماً بعد عام، ويكبر حتى يمتلىء مداه حزناً. يتساءل: “أصار الحنين شقائي الوحيد/ فتهت إلى غابة العمر حتى ارتوى الدمع مني وصار المدى كربلاء؟( ص 11).

“سيدة الحب والضوء”

تدخل قصائد الشاعر”لامع الحر” أعماق قلوبنا دون استئذان، فتهزّها، وتُحدث فيها تلك الومضات الكهربائية الخاطفة التي تثير فينا القشعريرة والخوف والحزن ثم الحزن ثم الحزن.. ! الخوف من طغيان الحرمان العاطفي الذي يرمي بالانسان في آتون الاحتراق، والجنوح، والخواءـ العتمة الموحش، واستعباد الكوابيس  المخيفة.. !

كالنحات البارع وبكل تؤدة وشفافية وعمق، وعفوية صادقة، وبكل دقة وواقعية، ينحت “لامع” كلماته مصوراً واقع حاله.  وأكثر ما يتجلى ذلك في قصيدته النثرية المعنونة: “سيدة الحب والضوء” ص 28. يقول: “أحبك اكثر من فتنة لا تشيخ/  ولا تعرف الموت/  يا موت لا تتقدم/ فإكسير هذي الحياة تمدّد فوق مرابع/  روحي الندي واصبح  قبض يدي/كأني أسابق عمري إلى خمرة من بهاء المدى الأنثوي.. “.أوليست هذه النظرة للأنثى هي نظرة المتصوفين؟

ويا له من  صوفي مهادن، صابر طاهر عفيف. يقول: “هواك استحال حياة تعلمني الصبر/

يا صبر خفف عذاب فتاك الوديع” (56).  ويقرأ في الوجه حزناً يمزق بعضي… (50)لأبصر نفسي إلى الطهر تسبق نفسي”.  (51). ولكن! لما كل هذا ؟ و أي فراق هذا الذي يترك تلك اللوعة في نفس الشاعر؟.  فكم من رجال و نساءقد ذاقوا طعم الفقد؟!كثيرونهم، حتى أصبح الفقد هو القاعدة  في هذا العالم المادي المحض،حيث  يسيطر الجشع، والكذب والتزوير، والخيانة، والغدر والخوف من الغد، وحيث الشعور بالأمان بات حاجة مفقودة، مع كل ما يخلّفه ذلك من ألم، وقلق، وتيه، وتخبط، وارتجاج، وهلوسات قد تدفع أحياناً الى اشتهاء الموت.. !

ولعل الشاعر وهويختار عبادته للحب بديلا عن الحياة  الطبيعية التي وهبها الله له، يعبّر عن شعور أي عربي بات لا يفهم لماذا يموت الناس ؟!

يبدو لامع الحر، في هذا الديوان، كأغصان شجرة مشلّعة، تحت تأثير عاصفة هوجاء، فهو  يتشظى، ويتكسر، بينما تتكثف بنية القصيدة  بين يديه، لتصبح: سوطاً يلسع، ولهيبا يحرق، وأحلاماً تتهاوى.

هكذا هو! فنان أصيل،  يلعب  ببنية الكلمات والمعاني، مستخدماً أحدث الادوات التكنولوجيه، من عدسات فوتوغرافية، الى ديكورات مسرحية، ولقطات سينمائية حية،تنطلق منتلقاء ذاتها بفضل زخم هذه العاطفة ووهجها.. !

لا شك أنه يجيد ما يفعل، فهو لا يمثل، ولا يفتعل الأحداث بل هذه هي حقيقته.

***

وفي الختام، لابد من كلمة أوجهها للشاعر الصديق:  ان حبيبتك كما وصفتها أيها الشاعر حورية من حوريات الجنة، وهي عندك أيها الأب الحاني،   ذكرى جميلة خالده في حناياك، تلهمك الصبر، وتغذي فيك الإيمان لتقبل مصيبة الفقد، وهي في الوقت عينه تسدد خطاك نحو الحق والخير والجمال، وتجعلك أقرب إلى الله تعالى، وبالتالي تعزز لديك اليقين بان اللقاء آت، وإن طال الزمن، وهذا اللقاء الذي سيكون بإذنه تعالى في جنة الخلد، ونحن نرجو من الله ان تطول مدة الفراق، وتطول وتطول لتتحفنا بالمزيد من الأعمال الأدبية الراقية..

اعانك الله على انتظار موعد اللقاء..

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s