رواية “طابق 99”

غلاف رواية "طابق 99"
غلاف رواية “طابق 99”
د. علي نسر

تستدعي رواية “طابق 99” للكاتبة جنى الحسن، الصادرة عندار ضفاف والاختلاف، شملة أسئلة رغم الكم الهائل من المقالات التي تناولت هذه الرواية منذ صدورها..لكن الأسئلة التي لا بد منها: هل تعدّ الحرب عنصرًا بنّاءً في الروايات رغم هويتها التدميرية؟ وهل نفتقر الى حقل المجتمع المعرفي ذي الخيال العلمي الأكثر حضورًا على الساحة الكونية ما يدفعنا الى الاتكاء على كتف الماضي والحروب لاخراج أعمال فنية جميلة؟ وهل الموضوعات ما زال يتوالد بعضها من بعضها الآخر إذ ما برحت مطروحة في الطرقات ومشتركة بين الجميع منذ الجاحظ؟

جنى الحسن
جنى الحسن

لقد اثبتت الحرب عمومًا، واللبنانية خصوصًا، أنها الخزّان الذي لا ينضب، يستمد الأدباء منه معارفَ شتّى، فتستحيل الحرب قاسمًا مشتركًا بين معظم الكتّاب اللبنانيين والعرب، خصوصًا في الآونة الأخيرة حيث أثبتت الأعمال الفنية التي كانت متهمة بالتشاؤم أنها ذات رؤية شبه تنبؤية إذ لم تكفّ عن التحذير من اعادة شبح الحرب رغم اعتقاد الكثيرين بايقافها مع آخر رصاصة أطلقت لحظة اعلان وقف اطلاق النار..لكنهم سرعان ما سقطوا في آتون الخوف الذي طالما حذّر منه الكتّاب والروائيون إذ إن الحرب ما زالت جاثمة في الصدور والنفوس طالما أنّ مموّليها والمشاركين فيها موجودون الى اليوم. وهذا ما تؤكّده رواية (طابق 99)، إذ شكّلت الحرب المستعادة عبر مدى استرجاعي يعود الى حوالى العشرين عاما وصولا الى العام 2000، ركيزة أساسية في عمود الرواية الفقري، ما يجعلنا مقتنعين أن الحرب رغم آلتها التهديمية، هي عنصرٌ بنّاء على الصعيد الفني الروائي إذ تشكّل ثورة معرفية لا بدّ منها للكتابة حسب رأي (باختين).

 الحسن توقّع روايتها
الحسن توقّع روايتها

وما الأزمات الفكرية والسياسية التي تنعكس اليوم حروبًا ضمن أزقة الوطن الواحد سوى جواب عن أسئلة راودت العديد من الروايات..ولم تستدعِ (الحسن) صورة الحرب الأهلية اللبنانية لاستعراضها فحسب، فقد استعرضها الكثيرون شعرًا ونثرًا وعبر فنون أخرى، بل نبشتها لتشير إلى أنّ التشابه كبير بين ما حصل سابقًا وما يحدق في أفق وطننا حاليًا، مستندة إلى قصة حبّ بين شخصين يرمزان الى طرفي النزاع، وهما: مجد الفلسطيني المصاب، وهيلدا المسيحية ابنة أحد مسؤولي الحرب، وكأنّ في خلق هذه العلاقة صوتًا مدوّيًا من الكاتبة الى ضرورة تخليص النفوس من ذيول الأحقاد التي لم تأت الا بالويلات. لكنّ هذا لم يتوّج بالنجاح فوق أديم أرض الوطن، لأنه لمّا يزل يغلي بالحقد المعتّق والمستشري بين أطراف النزاع. فحملت الروائية طرفي العلاقة الى أرض محايدة أو أرض الخلاص ليُكتب لهذا الحب النجاح والنهايات السعيدة رغم ما ينتابه من عراقيل لأن الحبيبين ما زالا متأثرين بحروب الكبار..

يحمل البطل تشويهًا في وجهه وقدمه، ما يجعله عصابيًّا تضطرب علاقاته بنفسه وبالآخرين وبالله “يا أبي لا استطيع في لحظان يأسي إلا أن ألوم الدنيا على مصيبتنا. أن ألوم الله وأن أفقد إيماني به.ص105”. ، فيعمل على جلد ذاته متلذّذًا بجروحه على طريقة المازوشيين، “اصرار هيلدا على مواجهتي، بكل ما لا أريد، هو ما دفعني بعيدًا عنها. كنت في سلام مع حزني وجاءت لتعكّره.ص151″. هذه المازوشية التي يرفضها وينفيها، وما النفي بدون سؤال سوى اثبات،”كان لا بدّ أن أبقى على هذا الألم ليس كنوع من المازوشية..ص173). تستحيل شعورًا بالدونية يصل إلى درجة عدم الثقة بالنفس، فيطلب من الحبيبة في اكثر الأماكن حبًّا ان تنظر في المرآة لترى جسدها، وكأن هذا طريقٌ ملتوٍ لالهائها وعدم تمكينها من رؤية جسده الناقص. وقد حاول ان يحارب عوامل الشفقة منذ صغره لأنها تزيده ضعفًا، وتعشش هذا الاحساس في كبره، حتى بدا طفلا كبيرًا، أسقط أزمته وكرهه لحالته وطموحه في النسيان والخروج من صورة المخيم الضيق، على الحبيبة، وكأنه في سعيه الى تملّكها حتى درجة الاسترقاق، يحاول الحصول على صك براءة لشعبه ودفع الاتهامات المتنوعة عنه، فما أصابه من تشوّه في المخيم حاول تعويضه في حب من كان أهلها في الطرف الثاني، وكأننا أمام (مصطفى سعيد)منتقم جديد في رواية موسم الهجرة الى الشمال.”ربما كنت أرى في هيلدا أيضًا محاولة للانتقام من التهجير، ومحاولة للاثبات للعدو القديم، عائلتها، أنني أنا الفلسطيني الذي تواطأوا للقضاء عليه، قد عاد الآن من قلب ابنتهم، من قلب منزلهم….أن تحبني هيلدا كان دليلا على جدارتنا نحن الفلسطينيين بالحب وليس بالمجازر..ص93″.

وكذلك، حملت هيلدا على اكتافها وزر حرب لم يكن لها فيها جمل او ناقة، بل حاولت التخلص منها، لنكون أمام جيل يحتاج الى نفض أتربة الاهل والماضي عن طريقه ليستأنف حياته حبًّا وفرحًا وفنونًا…تحمل عقدة أهلها وعمّها القتيل وأختها التي وقعت في فخ المخدرات التي كان أبوها يوزعها على المقاتلين لتنفيذ مهامهم..وحين وصل السكين الى رقبته نفى ابنته معنويًّا لتسقط في سراديب العقد النفسية التي ستنعكس على المحيط عمومًا…

ولم تكن الحرب اللبنانية أو العربية، محطّة تبئير الكاتبة الوحيدة، إنّما وصلت صرختها الى الحروب عمومًا، الحروب التي لا يدفع ثمنها الا الضعفاء ليستفيد منها من أرسلهم الى الحرب…فلم تكن ماريان الأميركية أقل عذابًا من أبطال الرواية الخارجين من حرب لبنان، بل تعاني من نتائج حرب بلادها في الخليج عبر خسارة زوجها..فالحرب حرب مهما كان نوعها.”الحروب كلها متشابهة. لا تحتاج الى مسيحي أو مسلم أو درزي، لا تحتاج الى ياباني أو هندي أو أميركي أو فلسطيني..هذه التسميات كلها واجهة.ص123″.

هذه القضية اعتمدت الترميز في بعض الحالات، كاعاقة مجد الفلسطيني، ومن خلال اسمه الذي يرمز الى النصر لكنه انهزم، وكأنه اختزال لشعب يتعثّر في مشيه نحو بلاده منذ ان ارتضى بالخيمة والغرفة بديلا.”كان أبي يخبرني أنه عندما بنى أوّل غرفة في لبنان شعر كأنه هدم حجرًا في بلاده المنكوبة.ص172”.

ولأنّ معالجة القضايا، تحتاج الى الاطلالة عليها من الخارج بعد أن اثبتت المعالجة الداخلية فشلها، نرى الكاتبة تحمل أبطالها الى البعيد لرؤية المشهد بطريقة أوضح، وكأن مراقب لعبة كرة قدم يكون أكثر حكما من اللاعب المحكوم بعوامل نفسية ومسؤوليات على عاتقه…فقد قدّمت الكاتبة رؤيتها عبر تعدد الرواة وكانت موفقة جدّا، ما يشير الى ضرورة تعدد وجهات النظر والحوارات واستماع المتحاربين بعضهم الى بعض..فكان السرد والتبئير يتمّان عبر اصوات سردية لشخوص مشاركة وأحيانا لراوٍ عليم غير مشارك..وهذا ما أسقط الكاتبة أحيانًا في منزلقات الراوي المشارك إذ جعلته يروي أحداثًا من المفترض ان يكون على علم بها من وسائط أخرى ولكن لم تُشر الى ذلك..بالاضافة الى بعض التخلخل الزمني عبر اعلان احداث لا تتناسب مع الزمن السردي او الاسترجاعي الذي يلف الحدث، هذا بالاضافة الى تحليل بعض الامور واستنتاجها حارمة المتلقي من لذّة هذا الاكتشاف كتحليلها النفسي لـ(إيفا) في تعويضها عن خسارة مايك..وكذلك تحليل عقدة جورجيو المجنون..بالاضافة الى بعض الهنات اللغوية التي تربك القارئ والقراءة أحيانًا..

كما تؤكّد الكاتبة أن الموضوعات مطروحة في الطرق لكن المزية لطريقة التعبير كما كان يقول الجاحظ..إذ إن الموضوع المعالج ليس بكرًا، وهذا طبيعي، بل هو مسبوق تطرّق اليه الكثيرون عبر قصص ومقالات وروايات…فهناك تقاطع واضح بين موضوع النص وهو الحرب والخروج الى البعيد لحماية الحب المنشود والرؤية من الخارج، وموضوع قصصي او مقالي نُشر قبل الرواية بسنوات..ولكن هذا لا يعني الاختلاس بل يؤكّد اشكالية التناص أو ما يعرف في النقد القديم بسرقة الموضوعات المشروعة شريطة ان يتميز اللاحق بها عن السابق، وهذا واضح في طريقة الكاتبة الفنية اللافتة…

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s