“قمر على بيت الفرزدق”

محمود عثمان

يستحضر القمر مرتين!

"قمر على بيت الفرزدق"
“قمر على بيت الفرزدق”
د. مصطفى الحلوة

ولع الدكتور محمود عثمان بالقمر فبعد “قمر أريحا” 1999،  ديوانه اﻷول، ها هو يستحضر القمر ثانية فيكون “قمر على بيت الفرزدق”…

 د. محمود عثمان خلال توقيعه الديوان في قاعة مركز "الصفدي الثقافي"
د. محمود عثمان خلال توقيعه الديوان في قاعة مركز “الصفدي الثقافي”

عبر الخالة فطوم، وهي من امتدادات اﻷم وبعض من حضورها يطلق محمود صرخة مدوية ضد الظلم بل ضد المجتمع الذكوري الآثم. فهذه الخالة البيضاء الجميلة ظلمت ثلاث مرات: ظلمت حين تزوجت، بل زوجت من رجل دميم الخلقة، وظلمت ثانية عندما عاجلها القدر إثر مرض وهي في ميعة الصبا، وظلمت ثالثة وقت لم يعر أهل الضيعة باﻻ لموتها فمضى كل واحد في سبيله، ولكن كان للطبيعة أن تعوضها عن ذلك اللؤم الإنسي، فإذا بغابة اللزاب تأتزر السواد حزنا. فأكرم بالطبيعة حزينة تأسى للخالة، وكأننا بشاعرنا ينفح الطبيعة روحا فينتابها الحزن معلنة الحداد.

ومما يسجل لمحمود أنه من خلال هذه القصيدة، وهي مفتتح ديوانه، يدين الظلم بمختلف وجوهه وأغراضه، معلنا بهذا الموقف عن هويته من أول الطريق: “أنا نصير خالتي فطوم، فطوم هي العنوان الذي يأخذ بيدي إلى مواجهة الظلم والظالمين”:

“…والناس في ضيعتنا/قد أسفوا لموتها/لكنهم لم ينصفوا / شبابها الخضيب/فانتشروا كالنمل في حقولهم / وفوجئوا/بغابة اللزاب في طريقهم/تأتزر السواد (قصيدة”فطوم”ص 7-8).

وإلى الطبيعة عبر الجدة يعود محمود فينصبها شاهدا عدﻻ على ما حل بالقرية وما آلت إليه من تبدل أحوال: “مات الشتاء، وكان للجفاء أن يرخي على الناس سدوله”، يستذكر الثلج أيام الطفولة وقد كسا الدرب فغابت معالمه وعن القمر المتلصص يطرق باب العائلة بتؤدة.

ويستعيد شاعرنا صوت الجدة صارخة في اﻷحفاد أن قوموا إلى العمات للمساعدة..

وكم هي جميلة لوحة الثلج التي وطئتها أقدام الصغار موقعة عليها براءة اﻷقدام:

“لم يبق منك جدتي سوى ذلك المعطف المعلق في زاوية البيت المهجور: وتساءلوا أين التي حضنت فؤادا مدنفا/وجدوا بزاوية من البيت المهجر معطفا/رفعوا عصاك ليطردوا وحشا قديما أجوفا!”. (قصيدة”يا جدتي”ص74-75).

وﻻ تتكامل مشهدية شخوص القرية ورموز عتاقتها من دون الجد،من هنا راح الشاعر يستعيده إلى ضوء الذاكرة، يستذكره بحمرة وجنتيه وكأن التفاح ساكنهما:

“ما زلت أذكره وفوق فراشه / قطط تنام وأنجم وطيور/ولحمرة التفاح فوق خدوده/ عطر يفوح طهارة ويفور”.

لكن محمود يضعنا هنا بإزاء الضيعة وقد أضحت أرضا يبابا!

فالجد ارتحل وما عادت نار وجاقه تشع وتدفئ المكان، وهمد تنور الجدة، وكان يطيب الخبز من بين يديها. لقد تبدد شمل المسامرين ولتغدو القرية مهجورة ينعق فيها الصمت المخيف.

وكأننا بموت الجدين يؤذن بنهاية مرحلة، هي عهد الهناءة والصفاء، ولتحل بديلا منها مرحلة عنوانها: “فاقة بعد عز”.

وبهذا يكرس شاعرنا علاقة جدلية بين موت اﻷشخاص وموت اﻷمكنة!

*النص، جزء من مداخلة شاملة ومعمقة للدكتور مصطفى الحلوة حول مضمون كتاب “قمر على بيت الفرزدق”، الذي وقّعه الدكتور محمود عثمان في قاعة مركز “الصفدي الثقافي”، في حضور حشد كبير من المهتمين. ويتضمن الإصدار الجديد قصائد وجدانية فلسفية وغزلية ووطنية، الى جانب قصائد قروية اللون، وهو صادر عن دار الفارابي.

كلام الصور

  • د. محمود عثمان خلال توقيعه الديوان في قاعة مركز “الصفدي الثقافي”
  • غلاف “قمر على بيت الفرزدق”
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s