“إعترافات جامحة”…

قامة شِعريّة حرّة – منتظمة، تَجمعُ ما بينَ القصيدة المفعّلة والحرّة

نهاد الحايك شِعرُها مرآةُ ذاتها

نهاد إميل الحايك
نهاد إميل الحايك
ريمون شبلي

“يا حُبُّ/ يا قلبَ الإلَهْ/أنتَ السّراجُ/والانفراجُ/والابتهاجُ/ووردةُ الحياهْ”…

ألغُربةُ ظُلْم! عذابٌ، معاناةٌ وأَلَم! فكيف إذا كانت قسريّةً، وكان المغترِبُ مُحِبًّا، مرهَفًا، مخلصًا، صادقًا، وفيًّا… يُغادرُ مَن أو ما هو شديدُ التّعلّقِ به، أحبيباً كان أم أهلاً، أم وطناً؟ قُلْ: إزميلٌ هي، عندئذٍ، مُسنَّنٌ صُلْب، يأخذُ يحفرُ ويحفرُ في الأعصاب والقلب، ويثقبُ الذّاكرةَ ويُلهبُها، ويَضغطُ الذّاتَ محاولاً تصديعَها وتسويدَها…! ولكنّ المؤمنَ القياميَّ الرّجائيَّ، إذا هَزَّته رياحُ الوجعِ والقهرِ ووَقَع، فلا يخضع… إنّما تُبصرُه يستجمعُ قواه ويقوم.

هكذا أرى الشّاعرةَ نهاد الحايك في مجموعها “اعترافات جامحة” (كانون الثّاني 2015)، فهي كأنّها تَسبحُ في بحرٍ تعلو أحياناً أمواجُه حزناً وهمّاً ووَهْماً وقلقاً وألماً وانغلاقَ آفاق، وحيناً تنبسطُ هدوءاً وسلاماً وغبطةً وابتسامةَ أشواق.

ولا عَجَبَ! فشِعرُها مرآةُ ذاتها. وهي إنسان؛ وهذا ابْنُ تناقضاتِه التّركيبيّةِ الجسديّة والطّبْعيّة الموروثة، وابْنُ مكانهِ وزمانِه وظروفه وثقافتِه ومخزوناته المكتسَبةِ واجتهادِه وعطاءاته.

فاعترافاتُ نهاد الحايك جريئةٌ غيرُ وقحة، صادقةٌ غير ساذِجة، مشتعلةٌ غير مجنونة، رومنسيّةٌ في قميصٍ صوفيّةٍ شفيفة، وإيحائيّةٌ رقيقةُ الضّباب (الذي يتعمّد تكثيفَه البعضُ فيَضيع ويُضيِّع بلا فائدة!).

“المضمون” العميق النّبيلِ

غلاف الديوان
غلاف الديوان

لقد لَفَتني “المضمون” العميق النّبيلِ والرّقيق الجميلِ وجدانيًّا وإنسانيًّا وقيَماً، كما استوقفَني سكبُ هذا “المضمون” في قامةٍ شِعريّة حرّةٍ – منتظمةٍ تَجمعُ ما بينَ القصيدة المفعّلة والحرّة (شكلاً وموسيقى).

فكيف أقرأُ فَنِّيَّةَ نهاد الحايك أو أسلوبَها، أيْ تحديداً اللغة والجماليّة؟

بين غلافيّ المجموع مئةٌ وستّ وثلاثون صفحةً من الحجم الوسط، والورق “الباجيّ” – العاجيّ، والحبر الأسود، كأنّي أرى، في هذين اللونين، نفسيّةَ الشّاعرة الحزينة – الفرحة، المطمئنّة – القلقة، الواثقة – “المرتبكة” (باحت هي بهذه الكلمة في الصّفحة الثّالثة عشرة). ويضمُّ المجموعُ ستًّا وثلاثين قصيدةً تحت أربعة عناوينَ كبيرةٍ  موحية جميلة ومُغرية: كأنّني بدَّدَتني بلادي (أربع قصائد في الوطن) – الحُبّ، يقيناً على قارعة الأوهام (اثنتان وعشرون قصيدةً في الحبّ والحبيب) – حوريّة مضرّجة بالحروف (ثلاث قصائد في الشّعر والشّاعر) – ماء لنهر الأحلام (سبع قصائد في الموت والإحباط والقنوط). وهذه القصائد يسبقها توضيح ورأي وموقف بقلم نهاد الحايك، وتقديم بقلم جورج زكي الحاج.

وبَعدُ،  ماذا عن اللغة والجماليّة ؟

أللغة، حصراً، تقوم على اثنين: كلمة وتركيب. فالكلمة يجب اختيارُها سهلةً غيرَ قاموسيّة، تواكب عصرَها، وإيحائيّة غيرَ جامدةٍ وباردة وموضوعيّة، أي متحرّكة تتخطّى، ما استطاعت، معناها المألوف قاموسيًّا (بعضُها – المفاتيح).

أمّا التّركيب، وهو سرّ اللعبة اللغويّة، فلا يقومُ على الثّرثرة أو التّعقيد أو التّرهيل، وإنّما على تبسيط الجملة وتقصيرها، على الإيجاز السّليم المستغني عن الحذف الاغتصابيّ المحيِّر، وعن الأدوات التي يمكن حذفُها أو تقليلها من دون تأثير سلبيّ يُضعف، وعن الإضافات والشّروحات التي تشوّه وترهّل وتشكّل عبئاً مزعجاً، وعن التّفلسفات البهلوانيّة.

فاللغةُ، إذًا ، لغةٌ عصريّة ، مصفّاة، سليمة، وبلا عُقَد، تنصهرُ فيها الجماليةّ فتغدو لغةً شعريّة.

قصيدة “ترياق”

وفي قصائد “اعترافات جامحة” استعملت نهاد الحايك هذه الكلمة، واتّبعت قواعدَ هذا التّركيب وإيجابيّاته. وأختارُ قصيدة “ترياق” (ص 75 – 76) لدراسةٍ فنّيّةٍ مختصَرَة، أَعتبرُها مرآةَ قصائدِ المجموع كلِّها، وتتألّف من تسعةَ عشرَ سطراً شعريًّا:                                      “في أيّامي المُشبَعةِ كآبةً غامضةً،/أبحثُ عن حبِّكَ/       مرساةً ترُسِّخُ إيماني بالحياةْ./في مَتاهاتِ الروحِ/المُكبَّلةِ بالحسراتْ،/أبحثُ عن حبِّكَ/قنديلاً يُبدِّدُ سُحُبَ الضَّلالْ/.في السّلامِ الأخْرَسِ/الذي انْتهَتْ إليهِ/حُروبيَ الخاسرة،/أَتمسّكُ بحبِّكَ/سلاحاً يُعيدُ إليَّ/متعةَ النّضالْ./ في الرَّتابةِ المُوغِلةِ تحتَ المَسامِ/قاضيةً على كلِّ ارْتعاشْ،/أَتوسَّلُ حبَّكَ/أُسطورةً موحيةً بالرؤى،/بسَرْدِ الحكايا/والاندهاشْ.”

كلماتُ القصيدة كلُّها يَفهمُها الكبيرُ والصّغير، المُتعلِّم والأمّيّ… وبعضُها – المفاتيحُ (مرساة – متاهات- قنديلاً – سُحُب – حروبي – سلاحاً – النّضال – ارتعاش – أسطورة) كلماتٌ ترمز وتوحي.

والتركيبُ سلسٌ رشيق ينساب جملةً، مكثّفة، بسيطة، سليمة، بلا شروحات ولا إضافات ثقيلة مُتعِبة… ائتلقت فيها الصّورة فصارت اللغةُ شعريّة.

ألجماليّة، صورة وموسيقى

الفكرة تذوبُ في صورة مجازيّة تقوم على الاستعارة خصوصًا ( السّطور : 1-3-4-5-7-8-13-14-15-16-17-18-19)، وعلى التشبيه ( 3-7-12-17). والصّورة ، إضافة إلى جماليّتها ، ذات دلالة على حالة الشّاعرة النفسيّة.  أمّا الموسيقى، فالقصيدة لوحة هندسيّة من أربعة مقاطع متشابهة متوازية ، (حتّى بين المقطعين الأول والثّاني من جهة، والثّالث والرّابع من جهة ثانية)، وهي تقوم على التكرارات:

التّوازيات الواضحة ذات الايقاعات المنتظمة بين المقاطع ، كما بين الأبيات ( السّطور) – فضلاً عن تكرار الكلمات في المقطع الواحد، وتكرار الحرف في كلمات المقطع الواحد أيضا :

–     التّوازي بين المقاطع : ” في أيّامي… أبحث…- في متاهات…أبحث…. – في السّلام…أتمسّك….- في الرّتابة…أتوسّل…”

–     التّوازي بين الجُمل : “أبحث عن حبّك (2) – أتمسّك بحبّك – أتوسّل حبّك”

–     تكرار الكلمة : ” في – أبحث …”

–     تكرار الحرف في المقاطع : الاوّل : الميم – الياء – الحاء – الباء-السّين-التّاء…

الثّاني: الحاء-الباء-الدّال – الرّاء…

الثّالث: السّين-الحاء-الرّاء-الباء-التّاء-الياء-الميم…

الرّابع:التّاء – الرّاء – الميم-السّين – الكاف-الحاء- الياء…

هذا، ولا تُهمل نهاد الحايك القافية في هذه القصيدة، ولا في قصائد الكتاب كلّها. فلنلاحظها في: “بالحياةْ / بالحسراتْ”. “الضّلالْ / النّضالْ”. “ارتعاشْ / الاندهاشْ”.

وقد لفتني (في القصيدة كلّها) سَماعُ هذه الأحرف الأكثر تكراراً : الباء-التاء-السّين-الحاء-الرّاء-الياء-الميم-الألف الممدودة. (ترى، ألا يمكن أن يُستنبطَ منها كلمات قد ترمزُ الى حالةٍ نفسيّة تعيشها الشّاعرة ؟ : حبّ – حياة – حرّة – مرساة / مرارة – حسرة – حيرة – رتابة-حبس…).

هكذا هي الفّنيّة في القصائد كلّها.

الشّعر الجميل

“اعترافات جامحة” شعر. ونهاد الحايك شاعرة. وما رأته ووضّحته في ” اعترافها الأوّل” من المجموع أكرّر قليله تأييدًا وتأكيدًا ، تقول: “الشّعر الجميل له القدرة على إضرام الدهشة في حياة قارئه، على تغيير الطريقة التي ينظر بها إلى نفسه وإلى العالم، فلا يبقى كما هو بعد قراءة قصيدة تحاكي حياته…”. (ص 18). “أي تجربة مهما كانت أليمة أو قاسية تُصبح ممتعةً عندما تمرّ في مصفاة الشعر…” (ص 20). “وأعترف أنّ هذه الشعلة أفلتتْ منّي مرارًا وكنتُ معها في مطاردة دائمة. وكنتُ بعد إنجاز قصيدة أنتعش كالنّبتة التي تكون على وشك اليباس فيروي الشعر نُسْغَها ويُعيد إليها الحياة…” (ص 21-22).

هذه “الاعترافات الجامحة” شعرٌ، ننتظر شقيقًا لها. أكملي، أيّتها الشّاعرةُ العزيزة نهاد، وعلى المكتبة الشّعريّة العربيّة،  وعلى القرّاء لا تبخلي.  كما ننتظر اعترافاتٍ جديدةً على كرسيّ الفرح والسّلام والضّياء، تجمعُ أيضًا المفعّلة والحرّة وتصهرهما في واحدةٍ كأنّها مفعّلة (شكلاً وإيقاعًا).

فلماذا يرفض بعضُ الشّعراء والنّقّاد… هذا الشّكلَ، عوضًا من أن يُضيفَه إلى شكليِّ الشّعر المعتمدين: العموديّ والمفعّل؟  أليس هذا الشّكلُ أفضلَ وأجملَ من كثير من القصائد العموديّة التي نقرأها أو نسمعها، في هذا الزّمن الرّديء، وكأنّها تُرجعُنا إلى مئات السّنوات… وكذلك ما يُسمّى “بالمنثور” الذي يسيء إلى الشّعر والنّثر معًا، فلا هو شعر ولا نثر بل خَنِث ؟

***

ألكتابةُ شِعْر أو نثر. وهل النّثر الموضوعيّ أو الجميل وسيلةٌ تعبيريّة ناقصة، عاجزة، مُخجِلة، لا تُفيدُ ، فنُننكرَه أو نُلغيه؟

ألشّعر وسيلةٌ صعبة أو شبه صعبة. فمَن ليس “على قدر” هذه الوسيلة فليسلكْ سواها. ولا عيبَ مطلقًا.

فلكلّ من الشّعر والنّثر “شخصيّة” يجب الحفاظُ عليها واحترامها.

*”إعترافات جامحة” – نهاد إميل الحايك – دار سائر المشرق – 2015

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s