“المتحف الوطني لفنون المرأة”

كونشرتو اللون والرخام

"المتحف الوطني لفنون المرأة" في واشنطن
“المتحف الوطني لفنون المرأة” في واشنطن
مرح البقاعي

(مؤسسة الفكر العربي)

عند تقاطع شارعَيْ نيويورك والجادة 13 في القلب من العاصمة الأميركية واشنطن، يتربّع صرحٌ هو الأول من نوعه في العالم… إنه “المتحف الوطني لفنون المرأة”.

بعض المعروضات في أحد اجنحة المتحف
بعض المعروضات في أحد اجنحة المتحف

بدأت المؤرّخة والباحثة الأميركية ويلمينا هاليداي بجمع أعمال فنّية للنساء حصراً منذ العام 1960 حيث تلمّست، برهافة نادرة، هشاشة حضور المرأة، كمنتِج إبداعي فاعل، مقارنةً بحضور الرجل الجارف على الساحة الفنّية. وفي العام 1980 بدأت جدّياً دعوتها لإقامة متحف يكرَّس لإسهامات المرأة في منظومة الفعل الإبداعي، ليس بهدف عزلها في دائرة تصنيفها الفيزيولوجي، ولا كردّ فعل انفصالي لحركة نسائية غضّة، بل كمنبر لإشهار طاقاتها في زمن تعاقب على إغفالها والانتقاص من قدرها.

في شهر تشرين الثاني من العام 1981 وُلِد مشروع المتحف كمؤسّسة غير ربحية شكّلت مجموعة هاليداي الفنّية قاعدة لمقتنياتها، حيث كانت تُدار النشاطات الفنّية في قسم خاص من منزل العائلة تمّت تهيئته لهذه المهمّة بشكل مؤقّت. وفي العام 1983 أصبح لدى المؤسّسة المال الكافي من المتبرّعين لاقتناء مقرّ رسمي للمتحف المرتقب، ووقع الخيار على مبنىً عريق يقع على مقربة من البيت الأبيض.

فتح المتحف أبوابه عريضةً للمرّة الأولى لزائريه في ربيع العام 1987 في معرض تكريمي لأعمال مجموعة من الفنّانات الأميركيات في الحقبة الواقعة ما بين 1830- 1930، والتي تسجّل القرن الأول لولوج المرأة الأميركية عالم الإبداع، وذلك على أنغام كونشرتو للموسيقية والمؤلّفة الرائدة إلين زويلتش، استلهمتها من أجواء خمس لوحات عُرِضت في صالات المتحف. كما قامت د. أيلونور تافتز، المؤرّخة والداعية لحقوق المرأة الأشهر في الولايات المتحدة، برعاية الحفل.

بين المطرقة والسندان

في عالم يرسم قواعدَه الرجلُ بامتياز تصنيفه الفيزيولوجي، ويخطّ قوانينه المدنية، ويجتهد في تشريعاته رجالٌ أيضاً، لا ريب أن غياب المرأة عن خطوط المدّ التفاعلي ومكامن الإنجاز الإبداعي هو محصّلة لما هو وضعي أصلاً، وهذا الأمر لا يقتصر على جغرافيا محدّدة أو ثقافة بعينها، بل يبدو جلياً أنه شكل من نزوع عالمي وجنحة كونية لتقويض انهمار الأنوثة المبدع، ولا خيار أمام المرأة المجدّدة في مواجهة هذا الإجحاف السافر إلّا أن تقرّر بذاتها شرط كينونتها وتحدّد مختارة موضع خطاها.

تقول د. جودي لارسن، المختصّة في الدراسات الليبرالية ومديرة المتحف الوطني لفنون المرأة: ”لا تختلف معاناة المرأة الأميركية عن أية امرأة أخرى في العالم حين يتعلّق الأمر بانخراطها في مشروع فنّي إبداعي واحترافها له. الضغوط الاجتماعية والعوائق والمحبطات هي جاهزة أبداً لدحض مسيرتها في هذا الاتجاه، وهي غالباً من صياغة الرجل“، وتضيف: ”عانت المرأة الأميركية من صعوبات كثيرة في الالتحاق بالمعاهد والجامعات الفنّية، وحتى يومنا هذا، لم تتمكّن خريجة المعاهد والكلّيات الفنّية أن تذهب بعيداً في رحلة الإبداع بما يجعلها تتفوّق على الرجل في هذا الميدان“.

وفي ظل أسطورة التفوّق الرجالي التي يشبّ عليها الصِبية، في البيت والمدرسة والشارع، تغدو حجّة المرأة في الالتحاق بعالم صمّمه الرجال على مقاسهم ضرباً من الترف في مجتمع يتعمّد حشرها في زوايا ضيّقة من شؤون حياتية أدنى إنجازاً وأضعف اتصالاً مع الآخر.

ونظراً إلى العلاقة التكاملية بين الرجل والمرأة كعنصرين مسؤولين، بالدرجة نفسها، عن عملية البناء والتجديد المجتمعي، فإنه يترتّب، نتيجةً، ضمان حقوق إنسانية متساوية وموازية لحجم الواجبات المنوطة بالطرفين. وليس الإبداع الفنّي إلّا عموداً فقرياً للحالة الاجتماعية، فمن بوّابته يدخل المجتمع في عملية التطوير والبناء السوسيولوجي الذي يُفترض به أن ينحى منحى جمالياً، ولكي تستقيم هذه المعادلة لا بدّ من زلزلة الاستقطاب الرجالي الأحادي للشأن الإبداعي، بما يفتح باب الاجتهاد عريضاً أمام المرأة، ويتمّم ما لا تدركه الحاسة الذكورية بفردانيّتها.

تقول د. لارسن: ”ليس من أهداف هذا المتحف عزل نتاج المرأة الإبداعي عن نظيره الرجالي، بل القصد المباشر هو إبراز دور المرأة وطاقاتها في التشكيل والكتابة والموسيقى التي طالما استُبعِدت أو هُمشّت أو وُئدت في مهدها قبل أن ترى النور، ووَضْعها، تالياً، في مواقعها من حركة التاريخ في تراكمها الثقافي“.

وترى لارسن ”أن المرأة الأميركية لم تحصل على حقها في التصويت حتى العام 1920، ولم تتقلّد مناصب سياسية عُليا إلّا في بداية الثلاثينيات من القرن الفائت، وهي ما زالت حتّى الساعة تعاني تمييزاً إذا ما أبدت منافسة للرجل فيما يَعتبره ميداناً حكراً عليه، وفي مقدّمته الإبداع الفنّي“. وتردف لارسن: ”أعتقد أن المرأة في العالم العربي كانت سبّاقة في قيادة حركات التحرّر وتوجيه حزمة الضوء، التي طالما احتكرها الرجل، في اتجاه مساحتها بما يؤكّد الجدلية الديناميكية المخصِبة بين الطرفين أيضاً“.

سلطة الأنوثة

جمال المرمر الوردي يزنّر محيط الأدراج الرخامية
جمال المرمر الوردي يزنّر محيط الأدراج الرخامية

حين تَلِج بهوَ المتحف يأخذك جمال المرمر الوردي يزنّر محيط الأدراج الرخامية التي تصلك إلى طوابق ثلاثة تنتشر فيها الأعمال الفنّية التشكيلية لنساء من أنحاء العالم كافة. تقرأ ما كتب على جدران الطابق الثالث من أقوال جورجيا أوكيف، وهي فنّانة أميركية من جيل الرائدات: ”قلت لنفسي مرّة أنا لا أستطيع أن أحيا في المكان الذي أريد.. ولا أستطيع أن أعمل ما أرغب أو أقول ما أشعر.. لذا قرّرت أنه من الغباء بمكان ألّا أقوم برسم ما أريد أن أكون“.

كانت أوكيف (1887-1986) من النساء المُحدِثات في عصرها، وفي مجتمع رجالي بامتياز، رفضت أن يعبِّر عنها الرجل بالنيابة، وأرادت أن تكون صوت نفسها، وأن توظّف مكنونات الرهافة الحسّية الأنثوية الغريزية لتجسيد شطحاتها التخييلية على قماش، وبلون، وقد اعتبرها النقّاد أول فنّانة تشكيلية أميركية تسجّل بَصمتها على خارطة الفنّ في القرن العشرين.

أما الفنّانة النيويوركية المعاصرة ليزلي ديل، والتي عرضت مؤخّراً أعمالها في المتحف الوطني لفنون المرأة، فقد ابتكرت صيغة فنّية مستوحاة من سلطتَيْ ”الكلمة“ متمثّلة في الشعر، و”الجسد“ متمثّلة في الثوب، تقول ديل: ”أهدتْني أمي يوماً مجموعة شعرية للشاعرة أميلي ديكنسن، وقد غيّرت قراءتي لقصائدها نظرتي إلى شكلانية أعمالي الفنّية، وقرّرت أن أدمج اللغة والتشكيل في صنو واحد. فالكلمة هي النيّة بامتياز، والفنّ هو تلك الجذوة المستعرة أبداً في دواخل النفس، وكلاهما يأتلق في محرق العبارة“. غالباً ما تشتغل ديل على أثواب من ورق الـ”شيري كيزو“، توزّع عليها أبياتاً من قصائد لوركا وريلكة ونيرودا وكافكا، ومفضَّلتها الشاعرة ديكنسن. تقول: ”في الرسم بالكلمات أو الكتابة بالتشكيل، وجدت حرية روحي الراغبة. مادة الورق، بهشاشتها، تحمل دلائل العمق الأنثوي في جسد المرأة. أما الشِعر، فيجسّد طاقة روحها الدافقة“.

في ظلّ اقتناص الرجل لكلّ فرص الدِيَكة وإصراره أن يكون ”صوت النيابة“ عن المرأة في قصورها المزعوم، وفي محض تفرّده باختراق ميادين السياسة والتاريخ والاقتصاد والفكر والأعمال والفنّ، رافضاً أيّ حضور جدّي ”لها“، تأتي امرأة الحداثة في هيبة أنوثتها وعنفوانها الجميل لتدحض هذا الانتهاك، وتلج مختارة كلّ أقداس الذكورة وأسوارها الوهمية، لتكون نبوءة القرن في استيعابٍ لفعل تيّار يربو حجمه الديموغرافي على نصف المجتمع، وتمثّل عناصره شخوصاً نابضة على خشبة مسرح اليومي من أم إلى أخت إلى حبيبة إلى رفيقة درب.

هكذا يأتي الاحتفاء بالمرأة ومشروعها الفنّي احتفاءً بخلاص وجه المجتمع النضير من مستحقّات الجهل والظلامية والتمييز.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s