فؤاد دعبول، هذا الوفيُّ بأصحابه!

فؤاد دعبول والنقيب انطوان السبعلاني
فؤاد دعبول والنقيب انطوان السبعلاني
انطوان السبعلاني

وربَّ سائلٍ:هل بعدُ في الناس  وفاءٌ،وأهلُ وفاء؟

– ونعمْ وإنْ قليلاً عديدُهم!

فصفاتُ الوفاء،والحب،والأمانة،والنبل، وغيرها من ميزات السموِّ الانساني،هي كملحِ الأرض.

ويومَ هي تمَّحي، قلْ تمَّحي معها الشمسُ،وتفسدُ الأرض…

ونعمْ أهلُ الوفاء قليلون جداً في هذا الزمان الآخذِ بالمادة،وبالفساد،والأنانية. ولأنهم قليلون فطعمُهم طيِّبٌ كثيراً.

لذلك،أنا أتحدث بخاصةٍ عن فؤاد دعبول الصديق الوفيِّ على الأيام.وكيفما مالت بنا هذه الأيامُ،فحالُه واحدةٌ في كل حال!

ويومَ يتخلَّى عنك الأصحابُ، الواحد بعد الآخر، حتى المقرَّبون منهم-و” ما اللامسُ الرائي كَمنْ يَتلمَّسُ”- تنظر حواليكَ فتجد أن واحداً

منهم باقٍ معك!

فتقول في نفسك،وتقولها جهاراً،على طريقة صديقنا،سعيد عقل:

“أنت شو  بتعرفْ تحبْ يا دعبول،انتْ يا  إبن الأصل.”

وصحيحٌ هو ابنُ أصلٍ أخذ الحبَّ،والتواضع،والأنَفة عن مدينته الصغيرة،أنفة:

من شمس ملاَّحاتها  أخذَ،من أغاني شواطيها، من قناديل الصيَّادين الآكلين رغيفَهم بعذاب…

فؤاد دعبول
فؤاد دعبول

وأخذ الوفاءَ عن مدرسة طرابلس في الصحافة:مدرسة الأدهمي،واسحق الخوري،وألفيرا لطوف (ابنة سبعل الصحافية الأولى في لبنان) وهو لا يزال حتى اليوم يحنَّ الى هاتيك الأيام،الى معلميه الأُول في مهنة المتاعب،وفي مقدمهم صديقُ العمر،منيف رستم.

وكانتْ طرابلس للحبَّ، وللوفاء!

ونحن على  حبِّها،وعلى وفائها ربينا. وإنَّا على بعدٍ نقولُ على الدهر:  فيحاءُ، جئتكِ حامِلاً قلبي معي/كمُسافرٍ من بعدِ طولِ غيابِ …/ أهْلوكِ أهْلي، والمسافةُ بيننا/مشوارُ عصفورٍ، وظِلُّ هِضابِ!

وهذا لسان حال فؤاد دعبول  من يومَ نزل  عاصمة الصحافة العربية،وعاصمة الطموح.

وصديقنا أبو غابي، وهو من هو اليومَ،في الميدان الصحافي، والمسؤولياتِ الإعلامية الوطنية،والدور  الذي  يؤديه في واحدة من

أمَّهات الصحف البيروتية، إن  أجمل ما فيه هو أنك أنت الذي عرفته من هاتيك السنين تقول  حين أنت تراهُ:

هذا هو فؤاد الذي ألتقيته في مطلع الستينات في أحد المهرجانات الخطابية في الميناء،طرابلس…

وكان يومها خطيباً جماهيرياً،وكان  كثير المديح بالمعجب بهم، حتى أننا زميلي جوزيف حالوت،وأنا قلنا:

انه  خطيبٌ بليغٌ… لكنه ملأ البحرَ بخوراً!

وأجملُ ما فيه أنه لم يتغير.

وقد عاشر الرؤساء،وأهل الحلِّ،والعقد،وظلَّ قريباً  الى الشعب  الطيب،كأنه قارىءٌ كل صباح قصيدة “إذا” لكبلنغ.

والوفاءُ في عرف صاحبنا هو الثابتُ في العلاقة مع الأصدقاء،ومع أهل السياسة،وكان له الكثير من المواقف معهم بحكم موقعه

الصحافي. وهو إن صادق واحداً منهم تبقى هذه الصداقة واحدة مهما تقلبت الحال بهذا السياسي.والسياسة لا تستقرُّ على حال.

وصداقة فؤاد دعبول مثلاً بالرئيس سليمان فرنجية خيرُ دليل على ذلك.

أما الأصحابُ، وأنا منهم،فلهم  من  فيضِ وفائه نصيبٌ عميم.

ومن ألطف  حَكايا وفاء الدعبول،الزوج،هي أن واحدةً من طالباته في البكالوريا أرسلت اليه،يوم كان معلماً (والصحافة شلَّحتنا زميلاً

كبيراً لنا نحن المعلمين)،رسالة إعجابٍ وتقدير،فكان أن جاوبها بلطفٍ،وأبوَّة برسالة مفادها:

زوجتي وأنا،قرأنا رسالتك اللطيفة،ونحن نشكر لك  عاطفتك الكريمة، كما يسرنا أن ندعوك لزيارتنا!

لا تعليق على هذا الموقف…وإن الست،أم غابي،تستحقُ من فؤادها كل هذا الوفاء،ومنا كل احترام.

-2-

في احتفال كبير لمناسبة افتتاح نادي سبعل الثقافي،أ واخر الستينات،كان من الخطباء فؤاد دعبول باسم الصحافة، الأمرُ الذي أغاظ الصحافية السبعلية الفيرا لطوف.

وقف الدعبول على المنبر وبدأ خطابه الإرتجالي بقوله:

أنحني أمامك يا سيدتي،ومعلمتي،ألفيرا لطوف، يا صحافية لبنان الأولى، فصرخت من مقعدها الأمامي،وخاطبت نواب زغرتا الجالسين بالقرب  منها:

اسمعوا يا سادة، اسمعوا، ابنَ الوفا فؤاد دعبول!

وفي مهرجان خطابي حاشد، في نادي مار مارون، طرابلس، مطلع السبعينات،لمناسبة عيد الاستقلال، كان صديقنا عريف الاحتفال  فوضع فيه حياة،وحماسة.ولما انتهى أحد الخطباء من انتقاد حريتنا على الاستقلال، شكر له فؤاد خطابه قائلاً له: من حسنات هذا النظام أنه يفسح لنا في المجال للتهجم عليه.فصفقتِ القاعةُ طويلاً…

وفي مثل هذه المهرجانات الكبار،كنت أتمنى على الدعبول دوماً،أن يبتعد عن الاستشهاد بأبياتٍ من الشعر،لأنه أحياناً كثيرة كان ينسبها الى غير  أصحابها، أو يلعب ببعضها .

وفؤاد دعبول خطيب جماهيري كبير، ويا طول ما اهتزت له المنابر!

ويومَ كانت مدرسة الفرير،طرابلس، أحدَ الهياكلِ الكبار للعلم، قبْلَ بيعها بلا قلبٍ ولا رفة جفنٍ، وكان لي شرفُ  مسؤولية اللغة  العربية

فيها ،فضلت استاذاً محترفاً،لا يربطني به رابطٌ،على صديقي فؤاد الذي كان معلماً،وصحافياً، في آنٍ،وكان راغباً في الانضمام الى المدرسة الشهيرة هذه.

وكان من فؤاد أن شدَّ على يدي قائلاً: أحسنت الاختيار، وباركَ للمعلم الجديد.

في 1970 ذهبنا،كنقابة  للمعلمين، في وفد كبير الى دمشق لتهنئة، زميلنا نقيب المعلمين، أحمد الخطيب، بانتخابه رئيساً للجمهورية. وكان يرافقنا الصحافي الوحيد فؤاد دعبول.

يومها أيقنت أن لا أحد أبرعُ،وأجرأُ من صديقنا،في مبادرة الرؤساءِ،والمسؤولين،وحَمْلهم على الكلام ساعةَ هم يلوذون بالصمت.

وعذراً، توفيق عواد، كدت أقربُ قولك كثيراً في سليم اللوزي،إثر لقائكما الشاه في إيران(حصاد العمر) والفتحُ  الصحفي هذا،وزيارة النقابة،فتحا طريق  بيروت،دمشق،بعد قطيعة بين البلدين…

  • هذا بشهادة أركان الدولة أنفسِهم.

ويا فؤاد، عفوَ تواضعك  على  فتحيَ  بعضَ الشيء قارورة عطرِ وفائك، ذلك أنَّ المؤمنين بعدُ بهذا الوفاءِ لهم أن يتنسَّموا ريَّاهُ!

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s