الحبّ… والكراهيــة

                                                            chamas

  د. عبد الحافظ شمص

بفضل الحبّ، نشعرُ بالأمان والاطمئنان، حيث المشاركة في المشاعر والاهتمامات والتأمّلات، إذ كلّما ساءت الظروف، كلما ازدادت حاجة الانسان للحبّ، فبفضل الحبّ يُعانق وجوهَنا السّلام وتشتعل عيونُنا ببريق الأمان…

إنّ أعظم سعادة، أن يشعر الإنسان بالحبّ، ولكن الظروف المتلاحقة والمختلفة في معظم الأحيان، تجعلنا، ونحن في قمّة الحبّ، نشعر أنَّ هناك مؤامرة ضدّنا.. فالمصاعب التي تحيط بالحبّ، اليوم، تجعل من المحبّين مكافحين عظماء، لا بُدّ من توزيع شهادات تقدير عليهم، من أجل جهودهم في المحافظة على روح الحبّ، قبل أن ترميهم إحدى المشاعر المنقرضة في هذا الزمان في بئر الكراهية، وقد صارت، أي الكراهية، وكأنّها قَدَر لا مفرّ من الهروب منه ومن ثمَّ إليه…

هل يستطيع المحبون، الهرب من أن يكرهوا الذين يستغلّونهم والذين يزيدون من متاعبهم الماديّة والحياتيّة، والذين يضطهدون الحبّ بطرقٍ وأساليب مختلفة؟ وهل يستطيع أحدٌ الاستمتاع بالحبّ، وبحور الكراهية تحيط به وتتلاطم، من كلّ جانب؟؟

الكراهية نار، إذا اشتعلت فإنّ أحدًا لا يستطيع أن يُحدّد، بالضّبط، عند أيّ الحدود ستتوقّف… وعندما ينطلق كلّ ما حولنا بالكراهية، يُصبح الحبُّ مُحاصَرًا، ويتعذّر علينا ضمانه واستمراره وسط هذا الحصار…

إنّ أسوأ شعور في التاريخ هو الكراهية.. فأَنتَ عندما تكره أحدًا، فإنَّ شيئًا لا يمنعك من أن تُسيء إليه.. فإذا فشلت، تشعر بأسى من هزيمتك أمام مَنْ تكرهه، وإذا نجحت، فإنّ ميزة فرحة النّجاح تُعتبر ضئيلة جدًّا بالمقارنة بما يحدثه فيك وفي تكوينك من اعتياد للإساءة وتَضَخُّم الشّر بداخلك، ولكن أيُّهما أكثر تأثيرًا في سلوك البشر.. الحبّ أم الكراهية؟!

قد يُقال أنّ الحبّ والكراهية وجهان لعملة واحدة.. لكن هذا الكلام يمكن أن يُجافي الحقيقة، والذي يستطيع أن يكره بشدّة، لا يستطيع أن يُحبّ، حتى على المستوى الشخصي.. عندما يحبّ الانسان إنسانة فلا يكرهها مهما غدرت به أو أغضبته.. وَرُبّما يشعر بالغيظ منها.. وهناك فرق بين الغيظ والكراهية. فالكراهية يمكن أن تُنتج خلافًا عظيمًا، قد لا تُحمد عقباه، بينما الغيظ يمكن أن يُؤدّي إلى الاحساس بالاستفزاز وليس لأيّ شيء آخر، كالجريمة مثلاً.. ففي التاريخ نجد أنّ الكراهية أدّت إلى حروب، وهي بلا شك قد تؤدّي إلى كلّ الشرور والآثام في العالم…    فالحبّ، إذًا هو الملجأ، وهو الشّيء الجميل الوحيد في الحياة.. والمحبّ يتمسّك به بشدّة…

إنَّ وزن الكراهية في هذه الحالة، هل يُؤثّر أكثر من الحبّ.. فالمسألة مُحيّرة.. وما يمكن قوله أنَّ ما من عمل أو تأثير، إلاّ ووراءه حبّ أو كراهية.. لكن كيف نَزِنُ ذلك؟

من المؤكّد أنّنا نستطيع أن نقول أنّه كُلَّما غَلَب الصّلاح والبناء والفلاح في المجتمع، انتصر الحبّ… وعندما لا يغلب، تسود الكراهية.. ومع الكراهية هناك حبّ الذات أو الأنانيّة.. فالكراهية لا تخلو من الأنانيّة وهذا منتهى الكفر والسُّقوط!!! وليس من الضروري أن يعتمد الإنسان على القوّة لإخضاع الآخرين.. فعندما يكون إيجابيًّا، تكون دوافعه خيّرة، كأَنْ يشمل النّفع جميع الناس.. وحينما يكون سلبيًّا، يكون في الجانب الآخر حُبّ الذّات وكراهية الغير.. ومن المعروف والسّائد والمؤكّد أنَّ هناك مَنْ هم ضدّهم، وأنَّ هناك مَنْ يُحاربهم، ولذلك فهم لن ينطلقوا ولن يتقدّموا…

الحبّ يُطيل العمر.. والحقد يختزله.. فالحاقدون المبغضون، يموتون وأعمارُهم قصيرة جدًّا لأنهم يُضعفون قلوبهم بالكراهية.. والخوف لا يُساعد الانسان على الحبّ، لأنَّ الخائف يضع احتمالات في أنّ مَنْ يُحبّه قد يخدعه، وهذا يجعله يشكّ في كلّ شيء.. بينما الحبّ، ثقة.. وليس صحيحًا أنّ الشك يُحيي الغرام، بل يقتله.. والقلب الذي يمتلئ بالكراهية لا يبقى فيه مكان للحبّ.. فالذي لا ينام جيّدًا هو الذي يُعاقب نَفْسَهُ قبل أن يُعاقِبَ الشخص الآخر.. والذي يمقتُ إنسانًا، يظلّ يتألّم طوال الليل، بينما الآخر نائم…

وأخيرًا، فالكراهية نوع من الظلم والانحدار، وَهُما سبب فساد الأنفس والقلوب في المجتمع، وَسِمات لشخص، إمّا مهزوم أو حاسد أو مكسور…

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s