معرض “أورفيوس رع” في الرياض…

ريمون شويتي

عاشق الطبيعة والجمال

الفنان ريمون شويتي
الفنان ريمون شويتي
كلود أبو شقرا

يفتتح الرسام التشكيلي اللبناني ريمون شويتي معرضه الفردي الجديد في صالة “نايلة للفنون التشكيلية” الرياض في 25 أيار/مايو المقبل، وهي صالة حديثة لها تطلعات وأهداف فنية مميزة.

أنامل الإبداع... وفراشات الحرية وسلام الروح
أنامل الإبداع… وفراشات الحرية وسلام الروح

يتضمن المعرض مجموعة من اللوحات تنهل من أفق الصحراء اللامحدود وانعكاس الضوء على الرمال وعظمة السكون الصمت في حضرة المدى، ومن طبيعة لبنان المكللة بالنور والظل، لتكتب قصيدة لونية بعدها جمالي محض وهدفها سامٍ، وهو تذكير الإنسان بعطية الله له ألا وهي الجمال.

منذ أمسكت يده بالريشة للمرة الأولى ولغاية معرضه الجديد اليوم، لم يغير ريمون شويتي نظرته إلى الحياة التي رسمها شلال نور وسلام وتفاؤل، رغم المعاناة الكبيرة التي واجهها، فهو عايش عز بيروت في سبعينيات القرن الفائت، عندما كانت “لولب الحركة الثقافية” في لبنان والعالم العربي، وشهد بأم عينه كيف أن الحرب شوّهت وجهها وجعلته يتشح بالسواد… فهجر فردوسه الذي كان ينعم به وتكبد قساوة الغربة… هكذا وبلمح البصر ضاع حلمه مع ضياع بلده واقتُلع من جذوره، وبقلب دامٍ يمم شطر الرياض، وهناك راح يرقب التطورات وينتظر الفرصة للعودة إلى حبيبته بيروت… وفي الوقت نفسه كان خير سفير للفن التشكيلي اللبناني في العالم…

ريمون شويتي عاشق الرسم بامتياز، يخط بلغته الرمزية الخاصة به وبتعبيرية شفافة نظرته إلى الإنسان وقضايا الحياة، بشمولية لدرجة ن لوحاته تتفلت من الزمان والمكان وتحلق بعيداً في عالم الروح وتبحث في عمق الكيان والذات عن هوية خاصة وانتماء تحفر جذوره عميقاً في أرض تحتضن رفات أجداده وتمنحه كل الحب وكل الأمل بالمستقبل…

حول معرضه الجديد ومسيرته الفنية وتأثير الشاعر يوسف الخال عليه كان الحوار التالي معه.

المعرض الثالث

*أخبرنا عن معرضك الجديد الذي تنوي إقامته في الرياض…

-هو عصارة مجهودي الفني، وقصة معاناتي وآمالي وتطلعاتي ورؤيتي ونظرتي المتأرجحة بين التفاؤل والتشاؤم، بين الحق والباطل، بين المعرفة والجهل حسب الأحوال التي يمر بها العالم العربي والشرق أوسطي كما العالم بأجمعه، فبحكم الكومبيوتر بات العالم قرية صغيرة نعرف عنها كل شاردة وواردة وبكبسة زر. وهذا المعرض هو الثالث الذي لي منذ 1996، بعد معرضين الأول في الرياض والثاني في غاليري EPREUVE D’ARTISTE في بيروت.

أعول على معرضي الجديد كثيراً وآمل أن ينال استحسان النقاد والفنانين والجمهور الفني، ذلك أن الفن في المملكة العربية السعودية حقق تقدماً ملموساً، فازدادت صالات العرض وازداد الفنانون، وأصبح الجمهور متحمساً لحضور المعارض وابداء الرأي، وهذا بحد ذاته يحفز الفنان على الجدية في الانتاج والعرض .

صرخة حالمة

*تنبض لوحاتك بصوفية مستوحاة من الحضارة الهندية، ما هي جذور هذا البعد الروحاني؟

-لوحاتي في المجموعة الجديدة تنقل إلى المتلقي صرخة حالمة من خلال الألوان والموضوعات التي أتطرق إليها، فأسلوب مزج الألوان لايخلو من اللون، الأحمر منها على سبيل المثال يحملني إلى الثقافة الهندية التي تعتبر هذا اللون جزءا من مادة الأرض ومن صفاتها الرئيسية، لكن أردت بواسطته أن أرسم الحلم، “ففي لوحات كثيرة، يجد المتذوق نفسه أمام حلم يتشكل عبر اللوحة، لكن هذا الحلم يئن وأحيانا يقول حكمة، لكنه في أشكاله نجد يد الصمود لا يد تأتي وتقفز على المشهد برمته، وكأنها هي الصرخة وهي الانتصار والتحدي الذي لا يمكن أن يموت”.

هذا باختصار انطباع الناقد الفني والثقافي محمد شمس الدين صوالحه الذي استعير منه هذه الأسطر المعبرة فعليا عن أعمالي. أما البعد الروحاني الذي تجدينه في أعمالي فهو انعكاس لنفسيتي والمرحلة الروحية التي وصلت اليها بجهدي.

“أورفيوس رع”

*كيف بدأت رحلتك مع الفن؟

-رحلتي في عالم الفن بدأت فعلياً عام 1970، قبل ذلك كنت أحلم بالانتساب إلى معهد الفنون في بيروت لأتخذ الفن خطاً حرفياً لي في حياتي المستقبلية . ولكن شاءت الأقدار ولأسباب عائلية طارئة، أن أغير مجرى حياتي وصرف النظر رغماً عني عن الانتساب إلى معهد الفنون، فخضت مجال العمل منذ السادسة عشرة من عمري.

لم يهبط هذا الواقع من عزيمتي وعنادي وطموحي، فصرت استغل اللحظات التي تسمح لي بالاطلاع على أنواع الفنون كافة، مع محاولاتي الشخصية باجتهاد فردي.

تعرَفت إلى فنانين لبنانيين، ورحت أزورهم في محترفاتهم و أطلع على أعمالهم محاولا الاستفادة من خبراتهم، وقد جمعتني الصدفة بمروّج فنون أميركي التقيته في احدى صالات العرض في بيروت وشاهد أعمالي بالحبر الصيني وأعجب بها. وعدني خيرا وحمل معه بعضاً من أعمالي وعرضها على الكاتبة العالمية أناييس نين، وعندما علمت أنني لبناني من بلد صديقها المقرب جبران، فرحت وتبنتني وأطلقت علي أسم “أورفيوس رع”، وأقامت لي أول معرض فردي في مدينة مومباي بالهند عام 1972، فنال استحساناً وإعجاباً شديدين، وبقيت تهتم بأموري إلى أن وافتها المنية.

مقال الخال

*ما قصتك مع الشاعر يوسف الخال؟

مها ويوسف الخال
مها ويوسف الخال

-هذه قصة أخرى سأحاول أن ألخصها لك قدر المستطاع.

في خريف 1972 وبعد انتهائي من معرضي في الهند، زدت حماسة وشعرت بأنني جدير بأن أبدأ مسيرتي الفنية بحرفية وجدية. بدأت التحضير لمجموعة جديدة من اللوحات بالحبر الصيني والباستيل والزيت، وراحت الأفكار تنساب بسلاسة متناهية، وكنت أول من رسم بالحبر الصيني على القماش .

أصبحت لدي مجموعة كافية لإقامة معرض خاص بي، لكن لم تكن لدي معرفة بالمسؤولين عن صالات العرض في بيروت، مع أنني كنت أزور الكثير منها لمشاهدة المعارض.

هنا أيضاً لعبت الصدفة دوراً، إذ قادتني إلى مقال صحافي للشاعر الكبير يوسف الخال الذي كان يملك “غاليري وان”، أول صالة عرض جدّية افتتحت في بيروت، وكان يستقطب الفنانين العرب ويقيم لهم معارض فردية وجماعية.

وفي أحد أجوبته في تلك المقالة ذكر أنه يشجع الفنانين الشباب ويقيم معارض فردية لهم. استجمعت شجاعتي وتركت خجلي جانباً، وقصدته عصر يوم خريفي إلى صالته في شارع البطركية في زقاق البلاط، فدخلتها بوجل وحذر مخافة أن أزعج من في داخلها.

لم يكن في الصالة سوى أعمال فنية معروضة على الجدران، وبعض التماثيل المتناثرة هنا وهناك. تجولت قليلا بحثاً عن مسؤول أو إداري ولم أجد أحداً، وحينما توجهت إلى زاوية أخرى من الصالة، وجدت نفسي أمام باب مكتب مشرّع وخالٍ من أي شيء سوى من منحوتة حديدية تمثل المصلوب موضوعة في الزاوية، ومكتب زجاجي يجلس خلفه شخص وقور ذو لحية منمقة وشعر أجعد برأس منحنٍ مركز على مجموعة مكدسة من الأوراق، وأمامه كتاب ضخم تبينت لاحقاً أنه الكتاب المقدس، كان يوسف الخال في تلك المرحلة من حياته يترجمه بنسخته الجديدة.

خفت منه احترمت خصوصيته ورهبت وقاره، تراجعت إلى الوراء مخافة ازعاجه، ورددت في نفسي: “ليتني لم آتِ”، كانت تلك اللوحة الحية عالماً قائماً بحد ذاته، لوحة آتية من تاريخ آخر وعالم آخر.

كان الصمت مطبقاً، حتى أنني كنت أسمع خربشات قلمه على الورق، حاولت التراجع إلى الخلف والعدول عما جئت لأجله، ولكن تأخرت باتخاذ قراري، ففي تلك اللحظة رفع يوسف الخال رأسه ملتفتاً يمنة ويسرة، فوجدني واقفاً أمامه متسمراً مشدوهاً فارغ الفم فقدت حاسة النطق لوهلة.

في تلك اللحظة اعتراني شعور في داخلي بأن “حياتك ستتغيّر كليا يا أورفيوس”. لم يعد يوسف الخال الشاعر الكبير أو صاحب أهم صالة عرض لبنانية في ذلك الحين، بل وجدت فيه الأب الذي فقدته، والدفء النفسي الذي أتوق اليه وابحث عنه منذ زمن طويل. عندها تجمعت في داخلي شجاعة الدنيا وجعلتني أشعر بجرأة عارمة مستأذنا منه الجلوس، لأبحث معه الموضوع الذي جئت بسببه، جلست قبل أن يأذن لي بالجلوس، إذ لم أعد قادراً على الوقوف أمامه ولو للحظة أخرى.

أعاد ابتسامته المميزة، ونادراً ما كان يوسف الخال يبتسم، وسألني عن سبب مجيئي إليه والدخول إلى مكتبه في عصر ذلك اليوم الخريفي، وكان رذاذ المطر يتساقط على زجاج مكتبه، وأوراق الشجر تتهاوى وتترنح وتتجمع على أطراف الرصيف (في ما بعد عندما سمعت فيروز تغني “ورقو الأصفر شهر أيلول” ولغاية اليوم أتذكر ذلك اليوم الذي غيّر مجرى حياتي كلياً).

شرحت ليوسف الخال، باختصار، فحوى زيارتي، وأخبرته أنني علمت أنه يشجع الفنانين الشباب، وأتمنى أن يساعدني ويمسك بيدي لأدخل إلى عالم الفن اللبناني. عندما سألني حول اسمي “اورفيوس”، أخبرته أن اناييس نين اعطتني إياه، وشرحت له كل الحكاية، فتعجب كيف أنني على اتصال بها وزاد اعجابه بي، اهتم بي أكثر، وأبدى استعداداً لإقامة معرض لي بعد أن يطلع على أعمالي، وأبلغني أنه سيزورني مع زوجته مها بيرقدار لمشاهدة أعمالي. بالفعل زاراني في منزلي بالأشرفيه، وشاهدا أعمالي، وقرر يوسف الخال إقامة أول معرض لي في بيروت. لم أصدق، في بادئ الأمر، وأحسست كأنني في حلم لم اشأ أن أستفيق منه.

هكذا كان، وعيَن لي يوسف الخال موعد المعرض الذي صادف أحد أيام آذار/مارس أو نيسان/إبريل 1973 (لم أعد أذكر التاريخ بالضبط )، وخلال ذلك العام، لم أكن مرتبطاً بوظيفة ثابتة، ما سمح لي برسم مزيد من اللوحات التي سوف أعرضها، ومساعدة يوسف الخال بالتحضير لمعرضي، ذلك أن سكرتيرته كانت على وشك الاستقالة، وهو كان مشغولا بأمور الكتابة والترجمة، ورغم خبرتي الضعيفة بهذه الأمور. هكذا واظبت على الحضور اليومي في الصالة، ألاحق المطبعة وأكتب بطاقات الدعوة وأوزعها على الصحافة والمجتمع الثقافي والفني اللبناني. طبعا لم أكن خبيراً بالعناوين والشوارع البروتية ومع ذلك حرصت على تسليم الدعوات كلها في الوقت المحدد.

كانت زوجة يوسف الخال الفنانة والشاعرة مها بيرقدار تشرف بنفسها على ما كنت أقوم به، وساعدتني مباشرة في تعليق اللوحات، ومنذ ذلك الوقت أصبحت مها الأخت التي لم تلدها أمي، فاهتمت بكل ما يتعلق بالمعرض، وشدت من أزري كلما راودني شعور بالشك أو الخوف من الحدث الذي سيغيّر مجرى حياتي.

أذكر أن ابنتهما الفنانة ورد، كانت طفلة، آنذاك، لم يتجاوز عمرها الثلاث سنوات، فتعلقت بها وكنت ألاعبها وأتلهى معها، بينما كانت مها تعلّق الأعمال وتناديني لمساعدتها.

أقيم المعرض ونال استحساناً من النقاد الفنيين والصحافة والجمهور، أذكر أنه عندما وضع يوسف الخال أسعار أعمالي، ذهلت وخفت من الأسعار العالية التي وضعها، وعندما حاولت أن أشرح له بأنني فنان مغمور ولن يشتري أحد أعمالي بهذه الأسعار، نهرني وقال لي: “لوحاتك مميزة ومن سيقتنيها سيدفع ثمنها مهما كان، ومن لا ينوي اقتناءها فلن يشتريها”.

طاوعته ونزلت عند قراره، فكان قراره صائباً، ففي ليلة افتتاح المعرض وسط ذهولي، بيعت نصف أعمالي، لم تصدق عيناي عندما شاهدت النقاط الحمراء ملصقة على البراويز. فرحت ورحت انتظر يومياً الصحف والمجلات التي بدأت الكتابة عني ناشرة أعمالي وأسلوبي.

انتهى المعرض وعدت الى الغاليري لألملم ما تبقى لي من أعمال وأشكر يوسف ومهى على المجهود الذي بذلاه من اجلي وأودعهما. التفت إلي يوسف وقال: “إلى أين؟”.

أجبته بحسرة: “انتهى المعرض وسأعود إلى روتيني اليومي”.

أجابني بصوته الجهوري: “من اليوم فصاعداً أنت مسؤول عن الصالة وستباشر عملك بها من صباح الغد”.

انتابني ذهول ولم أصدق أذني، كنت في حالة من اللاقبول واللارفض، كيف لي أن أدير صالة فنية مهمة كـ “غاليريوان” ، وأنا لا أملك خبرة أو تاريخاً فنياً بعد. وكأن يوسف ومهى عرفا ما كان يدور في رأسي، فأقنعاني بأنهما سيكونان إلى جانبي ويساعدانني على إثراء خبرتي وتجربتي.

بدأت العمل في “غاليري وان” من ربيع 1973 إلى ربيع 1975 حين بدات الحرب اللبنانية التي قلبت حياتي رأساً على عقب.

*ماذا أفادتك مرحلة غاليري وان؟

-خلال هذه السنوات الثلاث كان يوسف الخال بمثابة الأب الروحي لي وعرابي في الفن اللبناني والعالمي . لم يبخل في إعطائي أي معلومة أو خبرة من خبراته الفنية. بت ملازماً له طوال اليوم وأصبحت أحد أفراد اسرته. من خلاله تعرفت على كافة شرائح المجتمع اللبناني، وبت معروفا بأنني الأبن بالتبني ليوسف الخال . وطبعا من خلاله تعرفت على المثقفين والفنانين اللبنانيين والعرب والأجانب، ونظمت معارض لفنانين لبنانيين وعرب واجانب واستقطبت فنانين أوروبيين وأميركيين وصرت معروفا لدى الجميع وأتلقى دعوات لحضور ندوات فنية وثقافية والمشاركة فيها.

في أحيان كثيرة، كنت أتقاعس وأقلل من واجباتي، وكان يوسف يراقبني من بعيد إلى أن جاء يوم وناداني بصوته الجهوري وانبني وقال لي حرفيا: هذه الغاليري هي مقبرتك وهذا العالم الفني هو عالمك، لن أسمح لك بالتخاذل ولن ادعك تنحرف نحو نزوات تلهيك عن احترام عملك وصقل تجربتك وخبرتك، وهكذا كان إلى أن حلت لعنة الحرب اللبنانية، فسُرقت الغاليري بكل محتوياتها، وخُطفت مرة وأنا في طريقي إليها، ولم يعد بإمكاني متابعة عملي بشكل يومي، مخافة أن تتكرر تجربة خطفي، ولما أشتدت الحرب وباتت منطقة زقاق البلاط خطرة، أقفل يوسف الخال الغاليري وصعد الى منزله الجبلي في بلدة غزير هو وعائلته، وطويت صفحة من حياتي الفنية والعملية بكل أسف وحسرة.

بيروت الثقافة والفن

*أخبرنا عن بيروت الثقافة والفن في تلك الفترة، وكيف أثرت في مسيرتك الفنية؟

Beirut

-لحسن حظي أنه في الفترة التي عاصرت يوسف الخال كانت بيروت خلية نحل والنشاطات الفنية والثقافية في أوجها، ولم أكن أجد الوقت الكافي لحضور افتتاح المعارض والأمسيات الشعرية والافلام السينمائية والمسرحيات والمهرجانات والى ما ذلك. كل ذلك كان يزيد من تجربتي وخبرتي الفنية، أصبحت معروفا ولي مكانة خاصة في القلوب، فمد أهل الثقافة أيديهم إلأي وساعدوني واثروا تجربتي الفنية، لن آتي على ذكر أسماء مخافة أن انسى البعض منهم، وقد سقط كثر منهم شهداء في الحرب وآخرون فارقوا الحياة والبعض منهم لم يزل بيننا. ومع مرور الوقت وهجرتي القسرية من لبنان فقدت الاتصال بكثيرين، اليوم وبفضل الانترنت الملم الكثيرين وأعاود الاتصال بهم .

ولحسن حظي أيضا عاصرت بيروت الفنية والثقافية في عزها، ولسوء حظي كانت فترة قصيرة، ولكن على الأقل عندما أجلس الآن وأسترجع الذكريات أرى أنني بالفعل أملك تجارب ومراحل ومواقف تجعلني أعيش ذكرياتها بشغف وحب وابتسامة.

بيروت اليوم قد تكون مدينة جميلة بكامل مساحيقها، ولكن بيروت الأمس كانت أجمل لأنها كانت طبيعية بدون تبرج أو تصنَع وهذا ما كان يميزها.

*في فترة الحرب اللبنانية افتتحت غاليري خاصة بك في بيروت، وأقمت معارض خاصة وجماعية، وتميزت لوحاتك في ثمانينيات القرن العشرين بأنها تدعو إلى الأمل والسلام ولم تسمح للحرب بأن تقتحمها، وفجأة تعبت وتركت لبنان وهاجرت، لماذا؟

-ما أن انخرطت في عالم الفن التشكيلي من خلال الفرصة التي منحني إياها يوسف الخال، اندلعت الحرب اللبنانية في ربيع 1975 واجتاحت كل آمالي وتوقعاتي. أقفل يوسف الخال “غاليري وان” وانعزلت في منطقتي الأشرفية بعدما نجوت بأعجوبة في عملية اختطاف شاء الله أن ينجيني بعدما كنت على قاب قوسين من الموت المحتم.

كان الأخوان بخعازي في صدد تأسيس صالة عرض لهما “غاب سنتر” في الأشرفيه وطلبا مني تحضير برنامج فني لهما. استلمت مسؤولية الصالة وكان لي نشاط مكثف بدأت الافتتاح بتحضير معرض للفنان إيلي كنعان.

كان الجمهور الفني والثقافي منقطعاً عن أي نشاط خلال تلك الفترة، وكانت الأشرفية تتمتع نوعاً ما بحالة من الهدوء، ما ساعدني في مزاولة نشاطاتي الفنية. وبحكم علاقتي المتينة المبنية على الثقة والمحبة مع الفنانين اللبنانيين أبدوا استعدادهم بأن يأتمنونني على أعمالهم وتحضير معارض لهم. كذلك، كانت علاقتي مع الصحافة ودية منحتني كل الدعم والتشجيع، ولم يمر وقت طويل حتى أضحت “غاب سنتر” محط أنظار الجميع.

أقمت معارض وأمسيات شعرية للفنانين والمثقفين واستقطبت الشرائح اللبنانية والأجنبية آنذاك، ومن أهم التظاهرات التي أقمتها: أمسية شعرية للشاعرة ناديا تويني، قراءة مسرحية لتيريز عواد بصوص، معرض استعادي للفنان جان خليفة وثلاثة معارض متتابعة لايلي كنعان، ومعارض لـ: جوليانا سيرافيم، فوزي القش، طوروسيان، سمير ابي راشد وغيرهم من الفنانين، ومن ضمنهم معرض خاص لي مع حفلة توقيع كتاب غسان بسترس “سيناريو”.

بعد سنوات من اطلاق صالة “غاب سنتر”، تضاربت أفكاري مع الاخوين بخعازي ووجدت أنه بات لزاماً علي أن انطلق، منفرداً وشخصياً، للقيام بنشاطات فنية بالتطلعات التي كنت اسعى إليها.

لم تكن لدي إمكانات مادية تساعدني على تأسيس صالة عرض خاصة بي، لذا اتفقت مع الأخوين عزام على استئجار جزء من محلاتهما التجارية لما يتعلق بالنبات والزهور وأسست فيها صالتي TRAIT D’UNION ، فذاع صيتها بسرعة البرق.

من جديد التف الفنانون والصحافة من حولي، ومرة أخرى لم يخذلوني بل ساعدوني، وكان أولهم الأديب والصحافي رياض فاخوري إذ افتتحت الصالة بحفلة توقيع كتابه ”تاميراس”.

تتالت النشاطات والمعارض ومن ضمنها معرض خاص بي، إلى أن استعرت الحرب اللبنانية مجددا، ورأيت نفسي مضطراً، مرة اخرى، لاتخاذ أهم قرار في حياتي ألا وهو الهجرة، إذ لم اعد احتمل الخوف و الرعب واللااستقرار النفسي . مع كل ذلك كانت أعمالي تحكي عن الأمل والتفاؤل والفرح.

أذكر ان معرضي الذي اقمته في صالة TRAIT D’UNION كان يدعو إلى كل مؤشر تفاؤلي ونظرة أمل نحو مستقبل أفضل. لكني كنت قد اصبحت أباً لطفلين، ولم أعد قادراً أن افكر بأنانية، بل بات همي كيف أنجو بطفليّ وحمايتهما.

1983-1984 كانا عامين صعبين جدا. أرسلت عائلتي إلى باريس ومن ثم إلى اثينا وبعد ذلك إلى قبرص، وكنت أركب البواخر، مرة كانت بواخر شحن وقليلا جدا بواخر ركاب، وأزورها مرة كل شهر. أصبحت مشتتا بائساً، لم يكن أي سبب، مهما كان كبيرا، قادراً أن يقتلعني من بيروت سوى تلك الحرب اللعينة… كم من مرة نجوت من القذائف والسيارات الملغومة… لم أعد استطيع إكمال حياتي بذلك النمط… هاجرت، تركت كل شيء ورائي، اسمي شهرتي، علاقاتي، اصدقائي، معارفي، كل شيء.

لم التفت إلى الوراء، ركبت المجهول وحطمت مجاذيف العودة، رغم كل الحنين الذي كنت اعيشه . أربع سنوات مضت وأنا في مدينة الرياض في المملكة العربية السعودية، على امل العودة إلى لبنان متأملا ان تستقر الأحوال.

تابعت الرسم وفي صيف 1987 أتيت الى بيروت، وعرضت لوحاتي في صالة “لاتوال” في منتجع الرمال، كان معرضا موفقاً، استقبلني الجميع بحرارة ورحبوا بعودتي، تركت لبنان مجدداً والغصة في قلبي، وعدت إلى السعودية، ولكن شاءت الظروف أن أجعل هجرتي أبعد وأطول . ففي صيف 1988 هاجرت مرة أخرى إلى أقصى الكرة الأرضية، إلى استراليا حيث مكثت هناك مع عائلتي لمدة اربع سنوات اخرى .

الهجرة إلى استراليا

*من أوستراليا إلى السعودية، كيف عشت هذه  الهجرة؟

-مرة أخرى زادت هجرتي بعداً، فوصلت إلى أقصى جنوب الكرة الأرضية، إلى استراليا، هناك حاولت الانصهار في المجتمع الاسترالي والانسجام مع الجالية اللبنانية، بصورة خاصة، وباقي الجاليات، بصورة عامة. افتتحت صالة عرض لي ومحلاً لبيع الزهور، ولم يمر وقت طويل حتى بدأ اسمي يُتداول في مجتمع مدينة أديليد جنوب استراليا.

ادخلت أولادي إلى مدارس خاصة ورحت اتعرف على المجتمع الفني والثقافي في تلك المدينة الجميلة والهادئة، لكن مجتمعها شبه منغلق، وبصعوبة متناهية استطعت اختراقه واحتلال حيز مميز . أقمت معارض وباتت الفنادق والشركات والبنوك في مقاطعة جنوب استراليا من خيرة زبائني، بالإضافة إلى الجاليات الإيطالية واليونانية ذات النفوذ التجاري والمالي، ونظمت لهم الأفراح والمناسبات الرسمية .

ما أن ذاع صيتي حتى اتصلت بي ادارة الـ GRAND PRIX وفوضتني بتنظيم ليلتها الرسمية لعاميين متتاليين.

كل ذلك لم يمحُ وطأة حنيني إلى بلادي وإلى مجتمعي والمثلث الجغرافي الذي انتمي إليه، وهو لبنان والدول العربية المحيطة به.

بعد مرور أربعة أعوام وبعد التفكير والتمحيص في وضعي مع عائلتي في استراليا، وجدنا انفسنا غير قادرين على البقاء هناك والانصهار كما تفعل العائلات اللبنانية المهاجرة، فقررنا العودة ليس إلى لبنان بل إلى بلد قريب منه وهو المملكة العربية السعودية، وكان ذلك عام 1992 واستقرينا ولم أزل هنا منذ تلك السنة.

تصميم الأعراس والحفلات

*في السعودية تصمم حفلات خاصة بالمناسبات من بينها الأعراس، فكانت لك بصمة خاصة في الديكور كيف تماهى عملك مع فنك؟

-تصميم الأعراس والحفلات التي أنفذها في المملكة العربية السعودية لاتقل شأنا عن أي عمل فني، إن كان لوحة أو منحوتة، وكثيرا ما أستلهم من أعمال الفنانين العالميين أفكارا اطورها وأجعلها عنصر ديكور مهماً للمناسبة، هكا، باتت أعمالي تشكل سينوغرافيا عملاقة، وكأنني أنفذ ديكوراً مسرحياً متكاملاً .

فالألوان والأشكال هي نقل بامتياز عن الطبيعة بكافة عناصرها، وأنا أعشق الطبيعة وأتوق دوما لنقلها وإعادة تركيبها من جديد في كافة أعمالي .

*ابتعدت عن الرسم سنوات وفجأة عدت إليه بزخم وقوة، لماذا ابتعدت ولماذا عدت؟

-أجل ابتعدت عن الرسم زهاء خمس سنوات وبت أقف امام القماشة البيضاء عاجزا أن اغطيها بالمادة اللونية. كانت الحركة البصرية لدي مجمدة كلياً، لم أعد ارى الأشكال والألوان . عشت كابوسا مخيفا وهوساً نفسياً اقنعني بأنني انتهيت.

أتذكر أنني تركت لوحة بيضاء على الحامل لمدة ثلاث سنوات أتحداها وتتحداني وأعيش صراعا غير متكافئ بيني وبينها. عشت مأساة شديدة الوقع في نفسي الى أن جاءت اللحظة التي لم أكن أتوقعها ووجدت نفسي أضع الألوان وأمسك بالريشة وأبدأ.

طبعاً لم أستعد من أول جلسة مرونتي وعفويتي ولكن على الأقل بدأت … ساعة ساعتان، يوم، أسبوع، شهر… لأنهي اللوحة ولكن على الأقل استعدت مخيلتي وقابليتي للرسم . كلما واظبت على الرسم كنت أجد نفسي أرسم بنهم.

بحكم عملي اليومي بت أسرق جلسات الرسم سرقة، غالباً ما أكون مشغولا طوال اليوم، فلم يكن لدي سوى الليل لرسم، وهوأفضل مرحلة من يومي ألوذ بها الى نفسي وخصوصيتي وأرسم، وكلما كنت أتقدم كانت الرؤى تنساب أمامي وتتسع لدرجة أنني في فترة ما، لم استطع استيعاب كل الأفكار والرؤى والتخيلات. هكذا، ومنذ أربع سنوات كونت مجموعة من ستين عملاً جاهزاً لأقيم معرضاً فردياً

*ما المرحلة التي وصلت إليها في فنك؟

-لو أردت أن أسترجع في ذاكرتي المراحل التي قطعتها منذ معرضي الأول لغاية الآن أجد نفسي قطعت أشواطا كبيرة ومهمة. إنما الأمر الأكثر أهمية أنني حافظت على الخط ذاته، برؤياه ومواضيعه، وإن غيرت المادة، فما أرسمه بالحبر الصيني والغواش والزيت بقي نفسه بمواضيعه، إنما الأسلوب تغير، ولكن إن اطلعت على بواكير أعمالي الماضية وعلى ما وصلت إليه تجدين ان الرسام نفسه بمعاناته وأفكاره ومواضيعه، فيما التقنيات تغيرت والممارسة أتت بمفعولها.

في البداية كنت أبحث عن شيء مبهم، كان عطشي للمعرفة والاطلاع موجوداً منذ البداية، ولكن مع الوقت وبحكم القراءة والسفر والاطلاع على كل ما هو فني وفلسفي وفكري، ازددت مقدرة على تحديد متطلباتي ونظرتي تجاه الحياة بكافة تفاصيلها، ومع الوقت ايقنت انني تخليت عن امور كثيرة وركزت على جوهرها.

ربما كنت احتار حينما ارسم وكيف بإمكاني نقل فكرتي إلى المتلقي وألفّ وأدور حول الموضوع إلى ان أجد ضالتي الفنية وكثيرا ما كانت الفكرة تتوه وتفقد معناها.

أما اليوم صرت متمكنا أكثر وجديا أكثر في التركيز على الفكرة ونقلها بصورة مبسطة، من دون زخرفة، ليتلقاها المشاهد ويتبع الهدف المحدد الذي أرسمه له، واضعاً أمامه الفكرة بتفصيل بسيط وواضح في آن، ليصبح باستطاعته الاستيعاب والتأمل والتحليل الذي يناسبه وعلى سجيته، من دون أن يتشتت ويتوه عن فكرتي الرئيسة التي أطرحها له وأمامه ليشاركني بالموافقة أو الرفض .

عاشق الطبيعة

درب الماء إلى قمة... الصفاء
معمودية الماء إلى قمة… الصفاء

*أنت فنان عاشق للطبيعة، كيف أثرت الطبيعة في رسمك وكيف استطعت المزج بين طبيعة لبنان وطبيعة الصحراء؟

-أعشق الطبيعة منذ طفولتي، في تلك المرحلة انخرطت في نشاطات كشفية خولتني قضاء معظم وقتي في الطبيعة، فأصبحت عيني عدسة تلتقط كل ما تراه وتخزنه في مخيلتي، من دون أن أعلم أنني سأوجه مهنتي نحو الأزهار والألوان والديكور.

خلال إحدى العطل الصيفية، وبينما كنت مسؤولا عن فريق كشفي يضم طلاباً، استفقدت أحد الطلاب ولم أجده بين الأولاد، من ثم عثرت عليه جالساً بمفرده وكأنه في حالة من والتأمل، وعندما سألته عن سبب انفراده، أجابني بعفوية الطفل أنه يفكر ويتساءل: كم يحبنا الله ليعطينا هذا الجمال في الطبيعة، فان كان هذا الجمال الذي نتأمله بهذا العمق فكم سيكون الجمال الذي يراه الله من ناحيته هو”.

جواب عميق صادر عن طفل لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره، كان سبباً وجيها وعميقاً ليغير نظرتي إلى الحياة ويجعلني أقَدّر ما وهبنا إياه الله من جمال في مخلوقاته وطبيعته، وكيف يشوه الإنسان هذه العطية السامية، ومنذ تلك اللحظة قررت تجسيد الطبيعة في كل عمل جمالي أقوم به وأسعى اليه

منذ امتهنت الفن كل ما أفعله هو نقل الطبيعة بكل عناصرها وبجميع الوسائل التي أتبعها، لأمجَد الله في جميع الحالات، وفي أي بقعة جغرافية وجدت فيها، سواء كانت طبيعة لبنان الخلابة أو الصحراء وما شابه ذلك.

—————–

*بالاشتراك مع موقع THAQAFIAT

http://www.claudeabouchacra.com

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s