أسعد الخوري

“هل رأيت العصافير تتوقف عن الغناء ونبعًا يكره أن يتدفق”

نفحة جبرانية في “معبد الروح” لـ جميل الدويهي

الدكتور جميل الدويهي
الدكتور جميل الدويهي

يجلس الدكتور جميل الدويهي في “معبد الروح”: “يأتيني الفلاحون والحطّابون والمكارون والنساء العاملات من كل القرى التي تقع وراء الهضاب العالية. في فمي صلاة وأغنية، وعلى رأسي بياض من جبال الأرواح، حيث يهطل الثلج بغزارة فيغطّي كل شيء، ويمحو السواد عن الجدران والأرصفة”.

هكذا تبدو صورة المؤلف في كتابه الجديد “في معبد الروح” (104 صفحات من القطع الوسط، صادر في سيدني) الذي يتضمن أفكارًا للحياة الدنيا بكل قيمتها ومظاهرها، وبكل الأفكار والآراء المتشّعبة. من الحق والباطل، الخير والشرّ، الحقيقية والخطأ، الوطن والغربة، والنور والظلام… وصولاً الى المسامحة والدعوة الى الحرية والمحبة والأنسنة.

لم يترك الدويهي (وهو استاذ جامعي وإعلامي يعيش حاليًا في سيدني – استراليا) في كتابه أية مفاهيم قيميّة، من دون أن يتطرق إليها. كان فيلسوفًا واعظًا انسانيًا، مدركًا لابعاد كل كلمة يقولها أو يخطّها على الورقة. كان إبن بلدة اهدن الشمالية “جبرانيًا” في فلسفته وطروحاته وأسلوب كتابته. يتذكّر دومًا أن جبران خليل جبران وُلد في بلدة بشري الجارة لبلدته. إهدن وبشري بلدتان جبليتان أدركتا منذ الأزل معنى الحياة، ومعاني الحرية والمحبة والتضحية. وكذلك معنى أن تكون إنسانًا في زمن التوحش واللامبالاة والهمجية…

في حكمة الدويهي فلسفة للوجود الإنساني. الزمان عنده هو “المركب الذي يبحر فينا، فلا نحن نخشى من السفر ولا المركب يتعب من الدوران”. يقول: “الزمان هو البدء الذي لا بدء له ولا نهاية، فالمستعجل والمتمهّل كلاهما يصل الى مبتغاه… بيد أن الذين يسيرون بسرعة الى المنتهى قد لا يفرحون بالحياة، إذ يداهمهم الموت ويخطفهم قبل أوانهم، بينما يفرح المتباطئون بما حولهم، وعندما يموتون تكون أعينهم وقلوبهم قد شبعت من الوجود”.

هكذا ينظر الى “الحقيقة العارية” التي لا تشرق عليها الشمس، ويغسلها المطر بدموعه… “لأننا في داخل أثوابنا نشبه الحقيقة التي تختبئ تحت أوراق الخريف”.

الحبّ والنور

في “يوم العيد” تحدّث المؤلف عن طبيعة الحب فقال: “أن الحبّ هو النار التي تشتعل في حطب قلوبكم، فتحوّله الى لهبٍ أبديّ. الحبّ في الأصل كان تقدمة من الله الى الإنسان… وكل من يدّعي أنه يحب الله وحده يكون حبّه باطلاً، فالحبّ يكون للّه والمخلوقات وللكون أيضًا. الحبّ يعطيكم الحرية، وبالحرية ينسجم الخالق معكم ويصير الحبّ في مرتبة العبادة”.

“فلسفة” الدويهي عن التعب والشقاء تتلخّص بقوله: البعض يكرهون التعب لأنهم يعيشون من غير أمل، ولا ينظرون الى المستقبل بعيون ثاقبة لكي يروا ما تُعدّه الحياة من السعادة، والبعض لا يتعبون من تعبهم لأنهم يعرفون أن غلالهم ستكون وفيرة عندما يجيء الصيف، فهؤلاء هم المؤمنون.

النور والظلام يراهما الدويهي توأمان لا ينفصلان، وُلدا معًا ويخلّدان معًا. ويضيف: لكن نور الفضيلة يختلف عن نور الشمس، فنور الفضيلة لا ترونه بالعيون المجرّدة، اما نور الشمس فترونه. نور الفضيلة يخرج من القلب الى القلب، ومن العقل الى العقل، ونور الشمس يأتي من خارج القلب والعقل وتتلقفه العين برغبة. وصدقًا أقول: إن الذي يكتفي بنور النهار لا يعرف الطريق الى الليل، أما الذي يفرح بنور القلب والعقل، فيختفي الظلام من طريقه.

يضيف: اما الذين يأخذون ولا يعطون فهم يتنكّرون للعطاء… وبالرغم من ذلك، هل رأيت العصافير تتوقف عن الغناء؟ وهل رأيت نبعًا يكره أن يتدفق؟..

إنه الخير والشرّ وهما “صديقان لدودان منذ التاريخ”. يقول المؤلف: “لعلّك قرأت جبران وفهمت منه أن الإنسان صالح ولا يفعل شرًّا إلا إذا جاع أو عطش، أو إذا طلبت منه الحياة أن يكون ماردًا من أجل الخير المتألّم…”.

المرأة هي الربيع

في موضوع “المرأة والرجل” يصف المؤلف المرأة بانها “الربيع الذي يزهر في الحقول ويملأ السماء عطرًا وغناء”. ويتابع: ان العواصف لا تقعد الرجال والنساء عن تأدية رسالتهم الخالدة في العمل والإبداع. طوبي للمحراث الذي يغيّر وجه الأرض فيقلبها وينزع الجفاف من شرايينها، وطوبى لليد التي تبذر في التراب وإن كانت تعرف ان كثيرًا من البذار ستأكله الطيور وتبدده الأعاصير، وطوبى للأفواه الجائعة التي تنتظر الحصاد، فتفرح وتسرّ. وطوبى للشعراء والفنانين الذين سحرتهم الطبيعة في ربيعها وخريفها، فلبسوا أثواب الغابات، واستحمّت نفوسهم بمياه الأنهار والينابيع، وجسّدوا قوّة السماء في أعمالهم.

الهجرة وأنشودة الأفق

الدكتور جميل الدويهي الذي عرف الهجرة بكل ظروفها الصعبة والحالمة، أدرك أهمية “اكتشاف المجهول” وبالتالي معرفة الذات أكثر فأكثر. يقول: “قلت لرجال يتجمعون عند الميناء: منكم من يفضّل البقاء حيث وُلِد، وبعضكم يحب الرحيل واكتشاف المجهول، أما الرحيل فعشق للمسافة، واعتناق لديانة المغامرة، فاحملوا معكم متاعكم وأضربوا في البحر لتكتشفوا عوالم جديدة، فأنتم لم تولدوا لكي تعيشوا في صومعة الحرمان. وإذا تركتم بيوتكم وحقولكم، فلا تلتفتوا الى الوراء… ولا تحزنوا لأنكم فارقتم أهلكم واخوتكم وأحباءكم، ففي كل جزيرة تنزلون عليها سيكون لكم أهل وأخوة وأحباء. البحر سيعلمكم أنشودة المدى والأفق والأمواج ستهدهدكم كأطفال وُلدوا للتوّ من رحم الطبيعة… نحن نحبّ الحرية، وحيث تكون الحرية يكون لنا وطن، ونكره العبودية، وحيث تكون العبودية تنتهي أوطاننا…”.

الحريّة والفرح

في بلاد الغربة، في الهجرة القاسية تبدو الحرية منارة يهتدي إليها المؤلف ويقدّسها ويجعلها معبدًا من “رماد أحلامه”. والحرية عنده هي “العشق السماوي” وهي “الأم التي أعطتكم الولادة وأرضعتكم، وعلّمتكم أن تتكلموا وتفكروا، وسجّلت أسماءكم في سجلّ الخالدين. وهي الصباح الذي يشرق في عيونكم، فاحتضنوا الصباح لكي لا يهرب من أمامكم، فتصبحوا أنتم والعدم واحدًا لا ينقسم”.

ويقول: الحرية صنعتنا كما يصنع الفلاح محراثًا يشقّ الأرض، وكما تصنع الطيور غناءً يكسر بندقية الصيّاد، وكما يصنع الطفل سفينة من ورق ليغزو بها البحار والمحيطات. نحن أبناء الحرية، وإذا أنكرناها أنكرنا الوجود ورمى بنا في الغياهب. نحبّها لأنها حرّرتنا من الوهم والضياع، وأعطتنا سلاحًا لنقتل الجمود، ونتمرّد على الظلام الرهيب”.

أما الشجاعة فيراها الدويهي “الأداة التي تتخلصون بها من الخوف، وتنقضّون على الاستسلام، وَمَنْ لا يملك الشجاعة، فأنه سيبقى خاضعًا وذليلاً، وستمرّ به العواصف فترميه جثّة هامدة على قارعة الطريق.

أما الفرح فهو “رضاكم عن حياتكم، ورضاكم هذا لا يتغيّر مهما تغيّرت الفصول وتبدّلت أحوال الزمان”.

ويحثّ المؤلف الناس على الفرح: “أفرحوا أيها الناس لأن الله أوجدكم، وحرّركم، ولم يحرّر كثيرين غيركم. وقد اعطاكم أولادًا صالحين وأزواجًا وزوجات، ووهبكم عقولاً تبدع وتفكّر، وعيونًا تنظر الى البعيد، وغمركم بمحبة لا تزول”.

في وصيته الأخيرة يقول المؤلف: “أصنعوا سلامًا يا أخوتي، ولكن سلامًا يدوم لأبنائكم وأحفادكم، وأزرعوا في كل حقل شجرة سلام، وأضيئوا في كل بيت شمعة للسلام، وصلّوا صلاة المجد لإله السلام…”.

لكن القمة في مواقف جميل الدويهي تتجلى في “المسامحة” وهو الذي عرف في وطنه الأول لبنان مآسي الحروب، والاقتتال، والثأر، وهو يسمو بالإنسان للتخلص من كل أحقاده وردود فعله حتى على من أساؤوا إليه. يقول: “أقف على قمّة الجبل. أتخطّى الدم. لم أرث من أجدادي إلا هذا الجدول، وتلك الغيمة البيضاء، وابتسامة الكروم”.

يتابع: “عندما تتسامحون، فأنتم ترتفعون الى الله بأجسادٍ من نور، وتدوسون على الكواكب. وعندما تحقدون، فإن أرواحكم تكون محبوسة في أوكار الظلام، وقلوبكم أضيق من نعوش.

في “معبد الروح” كتاب للحياة بكل ألوانها وفصولها الزاهية منها والقاتمة. هو باقة ورد ومحبة وأمل ورؤية متفائلة لمسيرة الناس.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s