ألمٌ يُغنّى شعرًا

ربيعة أبي فاضل في “نشيد مشرقي”

د. ربيعة ابي فاضل
د. ربيعة ابي فاضل
د. مهى خوري

ارتقاءٌ يعبرُ بنارِ الجسدِ إلى النور، ألمٌ يُغنّى شعرًا، معاناةٌ تُصلّى نشيدًا، وشفوفٌ يوقدُ جمرَ اللَّهيب في رحلةِ المغيب. إنّه العزفُ على أوتارِ اغترابِ روح. ذاتٌ تستشعرُ تيهًا ووَهَنًا وجهلًا فترفعُ صلواتِها علّها “تحوّلُ الشَّريطَ الشَّائكَ كرومًا، واللُّغمَ الأرضيَّ سنبلةَ قمح، والخطابَ الكاسرَ حوارًا، والصِّراعَ والسبيَ والحروبَ جنّاتٍ وحياة”… فتسمو إذّاك بدوارِ القلقِ والنقمة إلى دفءِ الطمأنينةِ والرحمة.

وعيٌ رؤيويٌّ جعلَ الشَّاعرَ يخاطبُ الشَّمس، حارسةَ الحركةِ الكونيّة، سيّدةَ العالم وأمَّ الحياة. يسألها أن تعلّمَ الكراهيةَ الصّلاة، وتستخلصَ الأنوارَ من عمقِ الظلام، فتعوِّضُ بنعيمها اليباسَ الأليم، وتطردُ إبليسَ وتُنيرُ العتمَ البهيم.

مزمارٌ وقيثارةٌ ترفّع بهما الشاعرُ عنِ الأرضيّات، ورنّم نغمَ الانسجامِ الكليّ والتوازنِ الجماعيّ في إيقاعِ  الكون، أملًا في مداواةِ هذا الشَّرقِ المحترِقِ بنارِ الديموغرافيا والتّاريخ، والعبورِ بهِ من فراغِ نتَنهِ الماديِّ، إلى زمنٍ جديدٍ نفحاتُهُ رحيقُ روح ونسَماتُهُ حدائقُ نور. ومعهُ، تتراءى لنا أقوالُ القديس أغوسطينوس: “للإنسانِ الجديدِ نشيدٌ جديد، وللعتيقِ نشيدٌ عتيق. إن أحببتُ الأرضيّاتِ أنشدتُ نشيدًا عتيقًا، أمّا إن أردتُ أن أنشدَ نشيدًا جديدًا فعليَّ أن أحبَّ الأزليّات”.

المستوى الإيقاعيّ

وأبرزُ ما سمح لنا بالكشفِ عن حبِّ هذا الإنسانِ الجديدِ للأزليّات هو المستوى الإيقاعيّ الذي تعدّدَتْ فيه الأوزان وتداخلَتْ البحور تعبيرًا عنِ التجربة التي يحياها الشّاعر بصراعاتِها وتشابِكها وثرائِها وترابطِها، خصوصًا حين يصبحُ المعنى والموسيقى شيئًا واحدًا لا يمكنُ فصلُهُما، ما يزيدُ من قدرةِ القصيدةِ على تحقيقِ شعريّتها، وعلى إظهارِ صراعٍ واضحٍ بين حركتينِ نفسيّتينِ مختلفتين على مستوى الخارجِ المادّيّ وعلى مستوى الدّاخلِ الحُلميّ.

وقد يمكننا عدُّ الزحافاتِ من أبرزِ ما طبعَ صُلبَ العمليّةِ الإبداعيّةِ لدى ربيعة أبي فاضل، فقدِ استطاعَ من خلالِها استثمارَ الطَّاقاتِ الإيقاعيّةِ الكامنةِ في البحورِ الشعريّة، وخنقَ جزءٍ منَ الموسيقى العالية، عبرَ التّنويعِ في إيقاعاتِها، ما خفّفَ من سطوةِ النَّغماتِ عينِها التي تتردّدُ في إطارِ الوزنِ الواحدِ من أوّلِ القصيدةِ إلى آخرها. وقد يكونُ للزِّحافاتِ دورٌ أكثر وضوحًا في تغيّرِ الإيقاع لأنّه يتّجهُ به إلى صفتينِ مهمّتينِ هما البطءُ والسّرعة، وذلك وَفقَ ما تفرِضُهُ خصوصيّةُ المحنةِ العاطفيّة، ودقائقُ الحالةِ النفسيّةِ الداخليّة. فشدّةُ الانفعالِ مثلًا، لا بدَّ من أن يرافقَها في الأداءِ اللغويّ أو الموسيقيّ نوعٌ من السّرعةِ الملموسة، ونظرًا لأنَّ الزِّحافَ تغييرٌ يفترضُ تسكينًا أو حذفًا لثواني الأسباب، ما معناهُ تقليصُ عددِ الأحرفِ والمتحرّكات وتاليًا اختصارُ الزَّمن، لذا، فهو يتلاءمُ وحالاتِ الانفعالِ التي تتطلّبُ سرعةً (كما هي الحال حين يستهلُّ المقطعَ بالتفعيلة “مفاعلتن” المولّفة من ثلاثةِ مقاطعَ صوتيّةٍ قصيرةٍ ومن مقطعينِ طويلين، زاحفةً زحافَ العصْب “مفاعيلن” والمؤلَّفة من ثلاثةِ مقاطعَ صوتيّةٍ طويلة ومن مقطعٍ صوتيٍّ واحدٍ قصير). أمّا السَّكينةُ فتنعكسُ من خلالِ الأبياتِ والأسطرِ التي يستخدمُ فيها الشّاعرُ التّفعيلةَ من دونِ أيِّ زحافٍ أو علّة، (مفاعلتن مثلا) ليفرضَ من خلالها الامتدادَ المصاحبَ للهدوء، وليدفعَ بعد ذلك نحو تغيُّرٍ جزئيٍّ باتّجاهِ الحركةِ الأكثرِ طمأنينةً، تستلهمُ أجواءً ذاتيّةً خاصّة، وتُشيعُ قدرًا كبيرًا منَ السَّكينةِ والسّلامِ والاسترخاء.

ومنَ الرّكائزِ الإيقاعيّةِ الواضحةِ في نشيدِ ربيعة الطِّباق، أو ما يُعرفُ بالجمعِ والفرقِ في المصطلح ِالصوفيّ، وهما المقابلانِ العلميّان لحالَي الفناء والبقاء. ولكنَّ تجربةَ الفناءِ الصوفيّة التي تؤدّي إلى الجمع، تُفضي إلى زوالِ هذا الافتراقِ الذي هو نسبةٌ وليس حقيقةً، فتتلاشى الضدّيّةُ، ويفنى التّمايزُ بينَ الأشياء. وقد لجأ الشّاعرُ إلى الطّباق بوصفِه حيلةً لغويّةً يعبّرُ من خلالها عن تجلّياتِ الوحدة التي يستشعرُها بالفناء، وتجسيدًا لفظيًّا لطباقٍ معنويٍّ بين مسارِهِ ومسارِ أمّةِ الشَّرق، حيث قال: “يهاجرُ القديمُ إلى الجديد والموتُ إلى الحياة/ سأموتُ أو إنّني أحيا/ أأموتُ الآنَ أم أحيا”… فهو يرى مع أغوسطينوس المتأثّرِ ببولسَ الرّسول، أنّ الموتَ هو الطريقُ الذي يؤدّي إلى الحياة، وتاليًا، الإنسانُ “كائنٌ- نحو- الحياة”، تلك الحياةُ التي هي عودةُ الإنسانِ إلى الخيرِ “الأنطولوجيّ” (كيان الإنسان)، بل تجاوزُهُ في حياةٍ أفضلَ يسمّيها يوحنّا الإنجيليّ “الحياةَ الأبديّةَ” التي “تفيضُ” و “تتفجّر”.

المستوى المعجميّ

وللمستوى المعجميّ دورٌ بارزٌ في إظهارِ حقلِ الفناء مقابلَ البقاء. وهو حقلٌ ينتمي إلى الغائبِ (الـــــــــــــــــ هو/الشرق) ويرتدُّ إلى المتكلّمينَ (الـــــــــــــــــ نحن/أهل هذا الشرق) فالطّبيعةُ في الشَّرقِ إلى زوال: الحقول/الأنهار/الديار/الخراف…في ترابطيّةٍ متشابكةٍ بين كلِّ موجوداتِها. وبذلك، ظهرَ الشاعرُ غيرَ مستعدٍّ للانفصالِ عنِ المكان لأنّه – عبثًا يهاجرُ من جديد ولأنّه يأبى الانفصالَ عن تاريخِهِ أوِ التنكّرَ لجذورِه، بل نراهُ يسعى إلى الحفاظِ على علاقةٍ تكامليّةٍ واضحةٍ بينه (بوصفِه إنسانًا) وبين المنظوماتِ الإيكولوجيّةِ الطبيعيّةِ في عالمِه المشرقيّ (النباتات والحيوانات والكائنات العضويّة…)، السبيلُ الأوحدُ الذي يجعلُه في تناغمٍ كاملٍ مع أهدافِه الروحيّة. وبذلك، تتوالى الاستفهاماتُ أنشودةً معبِّرةً عنِ العجز: (مَن يمدّ لي يدًا…كي أكملَ الطَّريق…؟) وعن رغبةِ الرّوحِ في الخروجِ من دائرةِ قيودِ الجهلِ المغلَقَة: (يا أمّةً في القلب لمْ هذا الدوار؟ وإلى متى يلتفُّ وجهُكِ بالغبار؟! التفافٌ ودورانٌ إلى مطلقيّةِ الحقِّ والخيرِ والجمال حيث تخطّي الزمنِ المأزوم، وصولًا إلى السَّكينةِ الروحيّةِ الأبديّةِ المنشودة.

الخاتمة

د. مهى خوري
د. مهى خوري

“نشيدٌ مشرقيّ” راحةٌ في عزلة، تأمّلٌ في صمتِ كلام، استشعارٌ بمظالمَ مهيمنةٍ ودعوةٌ إلى التحرّرِ منَ الجمودِ الروحيِّ والعقليّ لإخراجِ الشّرقِ من عتمتِه، في تأوّهاتٍ تتسامى أناشيدَ ألمٍ مشتعلٍ بواقعِه، وقلقٍ وجوديٍّ متأزّمٍ بقدرِه.

وفي نشيدِ ربيعة المشرقيّ دلائلُ واضحةٌ على هويّةِ الشَّاعرِ وغيريّتِه. فرادةٌ ووعيٌ وضميرٌ وكرامةٌ وحرّيّةٌ وإنسانيّة… كوّنتْ مقوّماتِ هُويّتِه. وعلاقةُ تعاطفٍ مع الآخَرِ المشرقيّ وانفتاحٍ على البعدِ الشاملِ الذي يجمعُ الكائناتِ كلَّها ويدفعُها إلى الاتّحادِ التامّ، شكّلتْ منطلقاتِ غيريّتِه. وبذلك، برزَ ربيعة مزيجًا منَ الهويّة والغيريّة، منَ الخصوصيّة والشموليّة، منَ الكتمانِ والتّواصل، منَ الباطنيّة والبرّانيّة… ففي صميمِ شخصِه يكمنُ الآخر، وفي عمقِ هويّتِه تكمنُ الغيريّة، في جدليّةٍ قائمةٍ على تفاعليَّةٍ متبادَلة، كلّما ترسّختِ الهويّة اغتنتِ الغيريّة، وكلّما تنوّعتِ الغيريّة ارتقتِ الهويّة.

وهذا ما جعلَهُ ينظرُ إلى الشّرقِ نظرةً إشراقيّةً توحيديّةً بعيدًا منَ النظرةِ الأحاديّةِ والمحاسَبَةِ الفرديّة، ويطلبُ رفع َكثافةِ الظُّلم ِعنِ الإنسانِ المشرقيّ ووهبَه لطافةَ النّور. ولعلَّ هذا الحبَّ العميقَ للمشرِق هو الذي يلفتُنا إلى الملمحِ الأصيلِ في شخصيّتِه، ويجعلُنا نتيقّنُ أنَّه بحقّ: فاضلٌ مشرقيّ يتوقُ إلى ربيعٍ عربيّ.

*القيت في ندوة حول كتاب “نشيد مشرقي” لربيعة أبي فاضل.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s