الأنا “آخرٌ” أيضًا

من عَرِف ذاتَه سهُلت عليه معرفة آخر يريده

التواضع والإصغاء هما

 “مِفتاح الحب السحري”

د. طوني الحاج
د. طوني الحاج
د. طوني الحاج

 

قَبول الآخر، أم تقبّلُ الآخر، الفرقُ شاسعٌ بين اللفظتين، أو قل إنّها إشكاليةٌ معرفيةٌ عما تحوي كلُ لفظةٍ من معنى، أو ما هي الدلالاتُ المستوحاةُ منها، يقول أحد الفلاسفة: لا تقوم الإنسانيةُ على التسامح وإنّما تقومُ على المساواة، القبول هو المساواة الحقيقيةُ، أما التقبّلُ فهو المسامحةُ، القبولُ عملية ذاتية طوعية والتقبل أمر مفروض ليس فيه من عملٍ اختياري، التقبّل هو الموافقة على شيء أو حدث أو فكر ما دون الإعجاب به أو محبّته والقَبول هو التطوّعُ الذاتي والسير في ركابِ معرفةِ واكتشاف  العمق فيها. فإن اتّفقنا أيّها السادة على أنّ ألج مسارَ الخيار الذاتي فأنا في رحلة “قبول الآخر” متوخيًا وصولَ شاطئ الأمان فيه.

أما الإشكاليّة الثانية فهي من هو الآخر الذي أحملُ لواء قبوله، هل هو من يختلف معي في الدّين ، في الوطن، اللون، الفكر السياسيّ، العقائدي، … قبوله من خلال هذا التعريف يدخل باب التقبّل، وهو محمودٌ في بعضِ جوانبه، أنا أتقبّل الفرقَ بيننا على الرغم من الخلاف أو جدل رؤيةِ الأشياء من منظار واحد . تقبّله يعني مسامحته، أو مسامحة “الأنا” فيّ لأصل إلى المستوى الراقي من خطابي معه، أترفّع في ذاتي عن خلاف فرضته ظروف مختلفة وأتقرّب من آخر هو على نقيض معي في بعض من جوانبه. لا بدّ لي هنا من التفتيش على الزوايا المشتركة أدورها لتغدو متجانسةً وفكرًا أحمله، أسامح خلافي معه فأجدني أسامحُ ذاتي “الأنا”، ذلك أنها هذه “الأنا” تشكلت عبر ماضٍ اختلفت روافده لتشكّل ما تشكل من خصائص أنفرد بها، ولتجعلني في ضفة أخرى من ضفاف المعرفة الإنسانية، وإذا كنّا مخلوقاتٍ تفكّر فهذا يعني أنّي أصدّق أنّك مهما كنت على خلاف معي، فإنّك تحمل حقيقة، هي كاملةٌ بالنسبة إليك، وعليّ أن أعتقدَ أنّها لا بدّ وأن تحمِلَ أجزاء كبُرت أو ضغُرت من الحقيقة.

“الأنا” آخرٌ أيضًا

أما الجزء الأساسيّ من مداخلتي فهو قبول الآخر، هنا تحملني الأفكار أن أفتّشَ عن آخرٍ شاركني الماضي وأحلم أن يستمرَّ في مستقبلٍ آتٍ. أنا، أيّها الأصدقاء، في فلسفتي الحياتية، لا أرى حاضرًا، كلُ زمنٍ هو مستقبلٌ آتٍ، أو زمنٌ ماضٍ، الحياةُ في شقيّها صورة لقَبولِ آخرَ أو تحضيرٌ لتأكيد هذا القبول في زمنٍ آتٍ”. هنا تدخل في معادلتي “الأنا”، هذه “الأنا” آخرٌ أيضًا، آخرُ ينتمي إلى ماضٍ بدأ يوم اصطدمت عيناي برؤية أرضٍ أزورُ، هذه “الأنا”، تشكّلت من روافدَ أعرفُها كانتِ تحت المراقبة الذاتية under control، أو من روافدَ لا طاقةَ أو عملاً إداريًّا لي عليها، كلُّ علماء النفس يؤكّدون أنّ هذه الذات “الأنا” تتشكّل من آلاف مؤلّفة من روافدَ لا نعرفها ولا ندري كيف نتواصلُ معها، إذًا من المفيد القول إنّ ولوجي إلى هذه الأنا ومراعاةِ حالاتِها هو أوّل خطوةٍ في مسيرةِ قبول الآخر. يقول الأب جان ﭘـول اليسوعي في كتابه Happiness is an inside job نحن في الغالب سجناءُ عاداتنا، وهي تبدو وكأنّ لا حولَ لنا ولا قوّة في تغييرها، إنّ لماضينا من الثقل ما يُرهق حاضرَنا، كما ان لحاضرَنا ثقلاً لا بدّ وان يغني غدنا، إنّها خطوةٌ في معرفةِ الآخر وقَبولِه. من عَرِف ذاتَه سهُلت عليه معرفة آخر يريده، ومن قبل هذه الذات قبل الآخر.

المِفتاح السحري

أُريد أن أُحدّدَ الآخر في كلمتي بنوعين: عائلتي، والطالب في جامعتي. وأسألُ ماذا تعني كلمةُ “قَبول الآخر” وهذا الآخرُ حددتُه تسهيلاً لرِحلة الاستكشاف معه.

القبول أوّلاً يعني أن استمعَ أن أسمعَ وأحاورَ، هذا برأيي من معاضل العصر الكبيرة، مسألة الإصغاء إلى الآخر، كلّنا لا نسمعُ لأنّنا وحدَنا نملكُ الحقيقةَ، الإصغاءُ هو الخطوةُ الأولى في مسيرة الفهم والقبول، انه مِفتاح الحب السحري إلى قلب من أريدُ المشاركة في سبل الحياة، ماذا يطلبُ أفرادُ عائلة، أو عائلة علميّة كما الحال على ما نحن فيه، ماذا يريدون منّي وأنا الأكبر المتقدّم بين متقدّمين، حتمًا يريدون سماعي، ولكن الأكثرَ إلحاحًا أنّهم يريدون من يصغي إلى أفكارهم وآراءهم وهكذا تبدأ مَسيرةُ كسرٍ جليدٍ أو ردم هوّة مفرقة بين متلازمين، بعد مرحلة الإصغاء، الاستماع، نصل نقطةَ التعاطي الحياتي بيننا، التعاملُ والتبادل على صعيد معرفي أو حياتي له من القيمة البنّاءة ما يجعلُ سبلَ استمرار التواصل واضحةً بنّاءة وجليّة المعالم، وهنا تُطرح أسئلةٌ ويدار نقاشٌ حول كل مكوّنات الحياة ومفاعيل استمرارها، عليّ في مرحلة التبادل هذه أن أنزل من عرش الأب، أو كبرياء المعلّم لأمدّ اليد مغلّفة بحنان القلب، ومحبّةِ العقل وشذى الرّوح الطيّبة، عليّ أن أقدّمَ الخطوةَ الأولى وأنحني انحناءة التواضع، فارى السيّد المسيح حين اقترب منه القدّيس بطرس وهو يسير على صفحات المياه، فبدأ يغرق حين خاف الموج، فاقترب السيّدُ منه ومدّ اليد إليه ليرفعه إنّها أولى انحناءات قبول الآخر في حياة الأرض.

مرحلة الإصغاء تلك ثمّ مرحلة المعاملة اليومية، يليها سؤال كيف أعيش هاتين النظريتين وأُطبّقهما في حياة مشتركة .

السّلام المنشود

فالسّلام في مسيرة العيش هو غاية المقصود، أعيش سلامًا لا تقوى عليه قوى الشرّ، في عائلتي، في مدرستي أو جامعتي، فالسّلام المنشود وهو غاية تعاليم الأديان كلّها، فبعد عدّة محاضراتٍ في الماستر تناولتُ الأديان قديمها وجديدها أي أديان الحضارات القديمة وأديان الهندوسية والجاينية والسيخ والبوذية إلى الكونفوشيوسية إلى الزردشتية واليهودية والمسيحية والإسلام، كان الرد على سؤال كيف تختصر تعاليم هذه الأديان، إنّه التفتيش عن السّلام.

السّلام حين يخيّم على عائلتي أو بيتي وبين طلاّبي وحده كفيل أن يجعل الآخر يعيش سلامًا مقابلاً. وفي عمليّة التقابل بين سلام الذات وسلام ينبع من نظرة عينين يشعّان أمامي تتكَشّف معالمُ كلّ الطرقات ويغدو النور ساطعًا أمام سبل الحق معي.

في رحلة العبور هذه في مسالكها الوعرةِ في أحايين كثيرة لكن الذاتَ الطيّبة كفيلةٌ وحدها تعبيدَ كلِّ مسارات الحياة، ألعلي في مرحلة الإصغاء ثمّ التعاطي الحياتيّ، للوصول إلى تطبيقاتها أصل إلى نقطة المساواة الحقيقية، المساواة يا أصدقائي وحدها قيمة هرم القبول، قبول الآخر، المساواةُ على اختلاف مستوياتها أهلاً بها مساواة جزء مع جزء، أو كلّ مع جزء، أو غاية طموح مساواة كلّ مع كلّ.

أنا أطمح أن أجعل هذا الآخرَ هذه النفسَ الإنسانيّة المخلوقة على صورة الله أن أجعلها متساوية متعالجة مع ذاتي الأنا في قيمة تعاليها وتسامحها، وفي قيمة تماهيها بخالق هو غاية كمال الوجود .

***

 

أيُّها الأَصدقاء، في نهاية كلمتي أُريد أن أُشارككم سؤالاً هو سؤال العصر لا بل كلّ العصور أستمده من القدّيس أوغسطينوس في القرن الحادي عشر، هل أؤمن لأعرفَ، أم أعرف لأؤمن؟

فأستطرد القولَ لأسأل، أعرف الآخر لأقبله، أم أقبله لأعرفه؟، أصدّق صديقي فأقترب منه، أم أقترب منه لأصدّقه؟ أُعايشُ الحبيبَ لأحبّه، أم أُحبّه لأُعايشه؟ أُسامحه لأتساوى معه، أم أتساوى معه لأُسامحه؟

أيُّها الأَصدقاء، حين أُقدِّمُ الحبَّ ممزوجًا بعطر الياسمين، وأستعير من خدود الورد شذاها لأرفعه مع بسمة اللقاء، أو ألبَسُ وجه السّلام ممزوجًا برائحة المسك، أو حين أدنو من حقل أزهار عبت عطرها من ضوع مسك يفوح مع شذى حبّ مقدّم عندما أعرف أصدّق أنّي أستطيع أن أحمل مسيرة قبول الآخر .

* كلمة الدكتور طوني الحاج مدير كلية الآداب والعلوم الإنسانيّة الفرع الثاني في ندوة بعنوان “قبول الآخر”، في 30 نيسان 2015،  ضمن إطار الأنشطة الثقافية التي تقيمها الكليّة.

 

 

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s