خربشات

في واقع تعليم اللغة العربية

د. هنادا طه
د. هنادا طه
د. هنادا طه*

             (مؤسسة الفكر العربي)

مؤخّراً قلت الجملة التالية في واحدة من محاضراتي: “أبدأ بأرسطو يقول”. فظنّها البعض من أساتذة اللغة العربية وطلّابها خطأ وبدأوا يصحّحونها: يجب يا دكتورة أن نقول: “يقول أرسطو” أو “أبدأ بأرسطو إذ يقول”، وغيره من تصحيحات لا معنى لها ولا حاجة لها. أُصرُّ على أنّ ما كتبته في جملتي الأولى “ابدأ بأرسطو يقول” صحيح بالكامل وأنّ العتب يقع على قلّة المعرفة والانحياز الإذعاني للقوالب اللغوية.

قادتني هذه التجربة وغيرها من قبل ومن بعد إلى التفكّر المليّ في أوضاع تعليم اللغة العربية وتعلّمها في العالم العربي والتي تنعكس نتائجها وجعاً وتراجعاً في الامتحانات الدولية المقنّنة مثل امتحان “البيرلز”، الذي احتلّت معظم الدول العربية أدنى مراتب الكفاءة اللغوية فيه. أحبّ أن أتوقّف قليلاً عند التعبير العامي الشائع في بلاد الشام “من توبنا”. فتقول الأم مثلاً لابنها: “يا ابني هالصاحب مشّ من توبك ولا نحنا من توبه”، بمعنى أن لا تلاحم ولا إمكانية للتواطؤ والتشابك والتخييط والتحييك والنسج من الخيطان نفسها في لعبة الحياة. ونقول: “تزوّج من توبك” وصاحِب من “توبك”، وأنا سأقول: “احكِ من توبك”، حيث أرى التعبير ملائماً جداً في وصف الحاصل في اللغة العربية وتعليمها. كيف تصبح اللغة من توبنا؟ كيف تصبح سكناً ووطناً “جوّانياً” لا “برّانياً”؟

“التناقل اللهجي”

كي نفهم ذلك أحبّ أن أحكي قليلاً عن مفهوم الانتقال اللهجي أو لعلّي أفضّل تسميته “التناقل اللهجي” بسبب العلاقة التي تروح وتجيء في كلا الاتجاهين. كيف ندني الفصحى ”الُمنَشّاة“ -القاطنة أخالها حيّ السلاطين- من العامية القاطنة مثلاً الحيّ المصري الشعبي الشهير، حيّ الحسين، وكيف نأخذ من العاميات الحيّة لنوقظ الفصحى بها؟ برأيي عوض أن نخسر الفصيحة بالكامل علينا توظيف عملية تناقل لهجي مكثّف نقبل معه في الكتابة كلمات عامية لكنّها فصيحة بالكامل مثل: “راح وكمان ومبسوط ورشرش ووشوش ولفلف وبيّاع وبصبص وحقّاني وجوّاني وبرّاني وخربش وخاس ورخو وزعل وزنّار وسيخ وباس وصيدلاني ولازم وعاف والعشم والفراطة وفرحان وزعلان وكبس وكرع ومغص ونتش”، والتي هي فصيحة كلّها والتي قد يحتقرها أو يخطّئها معلّمو اللغة العربية وغيرهم لاعتقادهم بأنها عامية ولجهلهم بفصاحتها الخالصة. هنا لازم نخلّي اللّغة تصير “من توبنا” فنوظّف في صفوف اللغة العربية تلك المفردات والتراكيب المشتركة بين العامية والفصيحة وننتقل بعدها إلى الفصيحة الصِرف، وإن حالفنا الحظ فقد يتمكّن بعض طلابنا في المراحل الثانوية من الفصحى، مع العلم بأنّ الفصحى هي لغة معيارية قلّما يتحصّل أحد على الإلمام بنواحيها كافّة.

كرّاسة التعبير الكتابي

وقعتُ حديثاً على كرّاسة التعبير الكتابي لطالبة في صفّ من صوف اللغة العربية في المرحلة الابتدائية فوجدتُ التالي فيها: الطالبة كتبت: دخلت المطبخ لآكل الفطور- المعلّمة شطبت ما كتبته الطالبة وأبدلته بـ: لتناول. الطالبة كتبت: لم تكن مملّة بالمرّة – المعلّمة أبدلتها بـ: لم تكن مملّة أبداً. الطالبة كتبت: حسبت النقود – المعلّمة أبدلتها بـ: جمعت النقود. الطالبة كتبت: ما في – المعلّمة أبدلتها بـ: لا يوجد. الطالبة كتبت: يقسمان – المعلّمة أبدلتها بـ: يأخذان. الطالبة كتبت: كلّ حياتي – المعلّمة أبدلتها بـ: طيلة حياتي.

المعلّمة من دون قصد طبعاً، وإنّما عن جهل كامل وموجع خطّأت الطالبة المسكينة وأعطتها درجة سيّئة، بينما المكتوب كلّه صحيح وفصيح، وأعطت طالبتها كذلك مع الدرجة السيّئة كرهاً للغة العربية ومحاولة تعلّمها والاقتراب منها.

واقرأوا المزيد عن الكلمات الفصيحة التي نعتقدها عامية في: محمد العدناني (1986)، معجم الأغلاط اللغويّة المعاصرة، مكتبة لبنان، بيروت. وعبد الفتاح المصري (1984)، قطوف لغوية، مؤسّسة علوم القرآن، دمشق.

مفهوم التعشيق اللغوي

يدفعني هذا للتوقّف قليلاً عند مفهوم التعشيق اللغوي والمتضمّن “عربنة” (وأتعمّد هنا استخدام “عربنة” عوض “تعريب”) كلمات من لغات وحضنها داخل العربية. وأستعين هنا بما قاله المفكّر والكاتب الأردني أحمد سلامة حيث قال: “أنظري كيف تمكّن الأجداد في الأندلس من صناعة قوالب مبدعة فزرياب أضاف الوتر الخامس للعود فأنقذه من الرتابة والتوشيح الذي اعتمدناه في بلاد الشام والمشرق، فقد تخطّت جرأة أبي العتاهية والشريف الرضي وغيرهما في اعتماد التشطير والتخميس والتسميط في مهمّة خروج واعٍ عن موسيقى الفراهيدي المنظّمة والرتيبة في بحوره الستّة عشر”.

نحتاج إلى أن نحرّر مفهوم “العقل السجين” فينا. ذلك أنّ عمليات التناقل اللغوي والتعشيق اللغوي نحتاجها للضرورة في التعليم. انتبهوا إلى أنّ هذه دعوة للردّ على مَن قد تبنّى الفكرة الداعية إلى اعتماد العامية في تعليم الكتابة والقراءة بدعوى أنّ الفصحى مستحيلة وصعبة. في الغالب هؤلاء دعوتهم مرتبطة بانعدام قدرتهم هم أنفسهم على استخدام الفصيحة. وبالتالي صاروا يزرعون الفتنة بين العامية والفصيحة باعتبار أنهما من قبيلتين ذواتَيْ ثأر من دون أن يعلموا أنّ هذا المشهد اللغوي في اللغة العربية طبيعي مائة في المائة ومسالم مائة في المائة ولا يسبّب أيّ معوّقات بل بالعكس يثري التجربة اللغوية بالكامل فيما لو أردنا ذلك بحسب ما قاله الأستاذ والمفكّر الكبير الدكتور عبد القادر الفاسي الفهري.

سياسات الدول العربية لم تنجح حتى الآن في بثّ الاحترام اللازم والحقيقي للغة العربية. وضعوها في حيّز القدسيّة وفي حيّز اللاملموس واللامتداول. فلا هم فتحوا أبواب الفتح والانفتاح والتفتّح عليها ولا هم قدّسوها حقّ قداستها فأعلوا من شأنها وزادوا في احترامها وجلالها.

د. عبد الاله بلقزيز يتحدّث عن الظواهر في المشهد اللغوي وأنّ المناداة بالتعدّدية اللغوية في بلادنا ما نجحت على صعيد كبير لأن غالبية الخرّيجين لا أتقنوا اللغات الأجنبية ولا هم أتقنوا العربية، وإنما طلعوا من المولد بلا حمّص وبلا قدرات توليدية وتفكّرية تمكّنهم من الإبداع في أيٍّ من تلك اللغات، ولا استطاعوا قراءة واستقراء معاني الأدب والعلوم الأجنبية بلغاتها، ولا هم انكبّوا على آداب العرب وعلومهم فقرؤوها وطوّروها.

تدريب وإعادة تأهيل

كلّ ما سبق يجعل مسألة إعداد معلّمي اللغة العربية وتدريب وإعادة تأهيل مدرّسي اللغة العربية عمليّتين ملحّتين للغاية. ذاك الوعي بقضايا اللغة العربية وقضايا تعليمها في غاية الخطورة.

نقف اليوم برأيي على أعتاب مرحلة جديدة ذات إصلاحات متعدّدة. الإصلاح الأول كأنه موضة إصلاح التعليم في دول عربية عدّة وهي موضة ما زالت تتراوح بين الجدّ والهزل وما زالت بطيئة متعثّرة ديناصوريّة الحجم على شيء من خربطة وضياع، وإصلاح ثانٍ طازج كخبز الفرن ورشيق وسبّاق كعصرة الزّيتون أو الأولى العصرة الباردة كما نسمّيها.

حركة الإصلاح الأولى في الغالب تتولّاها وزارات التربية وتحكمها السياسة والمحسوبيات والقولبة والعلبنة والـ”ما يصير”، فبقيت حتى اللحظة كالقطن إذ نرميه في النهر. معظم الوزارات لم تفكّر حتى في إرساء منظومة استراتيجية موحّدة أو مفكّكة ولكن ذكيّة لتعليم اللغة العربية. وحركة إصلاح ثانية تولّاها حتى الساعة الأفراد والناشطون وعاشقو العربية ومؤسّسات المجتمع المدني وأنتجت حتى الآن معايير اللغة العربية والكلمات البصريّة ونظاماً لتصنيف كتب المطالعة تبنّته “مؤسّسة الفكر العربي”، ودور نشر عدّة ومنهاجاً مبنيّاً على المعايير وأدب الأطفال وتدريباً للقرائيّة ودفعاً باتّجاه منحى اللغة المتوازن وتراجم لأحسن الكتب التربوية، كما أنتجت تقرير تحديث تعليم اللغة العربية الذي دعمه الشيخ محمد بن راشد حاكم دبي. نحتاج إلى حفلة عناق ومصالحة بين الإصلاحين، ونحتاج إلى أن تضع الوزارات استراتيجية واحدة موحّدة لتعليم اللغة العربية أو فنون القرائية كما أحبّ أن أسميها. استراتيجية حداثية تستطيع نقل تعليم اللغة العربية وتعلّمها إلى القرن الحادي والعشرين واحتياجات القرن الحادي والعشرين. استراتيجية تخدم الطالب والوطن والأمة. استراتيجية تؤمن بالتحليل والتفكّر عوض الحفظ، وبالمعايير عوض سياسة ”حارة كلّ مين إيدو إلو“، وبالضحكة عوض البكاء على الأطلال.

أأجرؤ أن أختم بأنّي كلّي أمل بأنّ الآتي أعظم وأحلى؟

*القائمة بأعمال عميد كلّية البحرين للمعلّمين – جامعة البحرين

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s