د. جورج شبلي

الطبيعة السّلسة في لوحاته… صفاء ونقاء وتطواف للجمال على العيون

جوزيف مطر… ريشة تلتقط سحر الشمس وتوزّعه رسما
الطبيعة السلسة
الطبيعة السلسة

المشهد في الطبيعة عصيّ إلاّ على مُدهِن العاج، فهو وحده يصل الى مغارس الأغصان وملاقط الورود، ويعرف كيف يلتقط الشمس ليوزّع سحرها على الأميال. والطبيعة حلية كونيّة لم يصنّعها إنسان، فإذا كان النّقاء نسبياً بين الأشياء، فالطبيعة التي تعني النظام الفطري هي الكمال في النقاء.

مفهوم الطبيعة هو مفهوم محوري في أعمال جوزيف مطر الفنّان، فهو في لوحاته، يكاد يؤلّه الطبيعة ويراها تدرك ذاتها لأنها علّة ذاتها. والطبيعة معه هي مملكة عامة، لم يغفل عن عجائبها التي لا تُحصى، فنما بينهما حلو الصداقة ومداخلاتٌ جعلت التزامه بها مصيباً. والطبيعة معه مرآة حيّة للفنّ الهندسي، أو هي هيكل مقدَّس مخصَّص للآلهة، لا يصل الى حَرَمه إلاّ سليلو الإبداع.

لم يكن جوزيف مطر وسطاً في عصر المبدعين، ولم ينتسب الى قوم ذوي أسماء مُنكَرة بتراجم بشعة للطبيعة، لا تكاد ريشة ٌذات دِين تنطق بها. فالرجل عرف كيف يرد أرض الطبيعة الرَّشيحة، التي تحضن دقائق المشاهد وخفاياها وأسرارها، فاصطحب خطوطها واستقصى لَطائفها في استدراك لما فات غيرَه، من دون أن يستنزف ودّها أو يستغلّ حسن عشرتها. وقد ألبس أشكاله اللباس الذي لم تجفّ فخامته، فبادلته الطبيعة كريمَ لُحمة، وأظهرت طرزه من طرزها، ولا عجب، فالسيّد لا يختار إلاّ جوار السّادة جواراً.

لقد أسدى جوزيف مطر معروفاً للطبيعة، هذه التي تَزوّد من ثمارها فما نفقت بضائعه، فهو لم يتصدَّ لمساجلتها، ولم يتعرّض للتحكّك بها، فتصرّفت به معها أحوال جميلة. وساقت الطبيعة صدر لوحاته الى شيء من العجز، فالمنهجيّة التي تمّم بها لوحاته تشجّعنا على البحث عن المضامين التي تنطوي عليها رؤيته الفنيّة. ويأتي المردود على مستوى التوقّع، إن على صعيد التغيّر في الذهنيّة “الرسميّة”، هذا التغيّر الذي قام بقسطه من المسؤولية في تحرير الرّسم من تبعيّته للأبراج العاجيّة المحنّطة، وإن على صعيد الدخول الى القيمة الفنيّة وليس التفرّج عليها عن بعد. فمن سطحيّة الاعتقاد اعتبار أنّ الفنّ، كعمليّة تبادُع، لا يصنع التاريخ بل يتفرّج عليه.

بيت لبناني تراثي
بيت لبناني تراثي

الطبيعة مع مطر تزيح العلل، فليس في الحسبان أنّ سواها ينبري لمجاراتها أو يجترئ على مباراتها في فعل كهذا. فلا يمكن أن يَقرع نبعَها نبعٌ آخر. والطبيعة السّلسة معه لم تجنح الى الشَّغب، فتفرض تعدّدية الأجوبة أمام اللوحة الواحدة، ربّما لأنّ مطر لم يقاربها من الزاوية التقريرية بل من زاوية التفاعل الإيجابي، فأتت لوحاته ثوباً لأفكاره ومبادئه وقيمه.

في فنّ الرسم، يجري في عروق جوزيف مطر دم الأسياد. فلوحاته مفاتيح ضرورية لخطّته في الفنّ، هذه الخطّة الشفّافة التي لم يضطرّ مطر الى اتّخاذ مواقف مُحرِجة لتبيان مراميها. فهي خطّة لا تستبطن معضلات، ولا تطرح مفاضلات، ولا تضخّمها جداول، فالمستطلِع وقائعَهالا يجد فيها إلاّ إمكانيّة خلق مطلق للقيم. وخطّته تدعو الى عمليّة غسلٍ للذّات من مبرّرات الخضوع للمادّة، والى تجفيف المواقف المصطنعة المستعادة، وذلك لنسج ردّات فعل طبعيّة قائمة على البراءة الأولى حيث لا طينٌ يشوّه غمر الذّوق، هذا الذي استحوذ الجمال بخِناقه.

درس في الطبيعة... الأم
درس في الطبيعة… الأم

لوحات جوزيف مطر المتعدّدة الأنواع، لم تصطدم بعقبات الشّرح، فهي ترى الأشياء كما هي، وتسعى الى حمل المُشاهِد على رؤيتها كما هي. أما الخصوصيّة في اللوحات، فتبرز في سعيها وراء بعث الحياة فيها بالنّظر. من هنا، قُدِّر لجوزيف مطر أن يكون الوريث الشّرعي لحقبة الأَشراف المُختارين الذين أطلقوا أسماءهم في جداول الإبداع الفنّي، فوُهِب سلطان إعطاء إشارة البدء بتطواف الجمال على العيون.

جوزيف مطر في محترفه
جوزيف مطر في محترفه

 

 

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s