د.عمر الطبّاع

قراءة في مجموعة “غريتا”

القصصية لـ الياس العطروني

                                          

الياس العطروني
الياس العطروني

         

لا بدّ كي نستهل الكلام على مجموعة الأديب الياس العطروني الأخيرة، من توطئة لا غنى عنها لكي نسلط الضوء على مكانته العريقة في دنيا الرواية والقصة، كمدخل للحدث الأدبي الجديد “غريتا” الصادر بتاريخ كانون الثاني ۲۰١٥، عن دار غوايات (صيدا).

بادئ ذي بدء يجب الإشارة إلى أن، الياس العطروني من الصحافيين المعروفين في دنيا الكتابة والأدب، وهو المدير المشرف على الصفحة الثقافية في جريدة “اللواء” الغرّاء. ولئن شغلت الصحافة عمله الأساسي، فهو لا يني في كتابة القصة، بأبعادها الثلاثة، ولا سيما الرواية منها. وقراؤه على موعد قريب معه للإستمتاع بثمار موهبته في هذا المضمار. ولا بدّ من الإشارة إلى نشاطه الفكري كعضو في اتحاد الكتاب اللبنانيين، وفي المجلس الثقافي للبنان الجنوبي، وعضو مؤسس في لقاء الجمعة الثقافي، وجمعية أصدقاء الكاتب والكتاب، فضلاً عن عضويته في الرابطة الأدبية. كما يشغل مركز نائب رئيس المنتدى القصصي في لبنان، وهو ما يحدو بنا إلى الإضاءة على نتاجه.

الأقصوصة والرواية

وقد ارتأيت بدافع من إبراز مكانته في الفن الروائي أن نتناول الموضوع من زاويتي: الأقصوصة، والرواية، بالإستناد إلى مجموعة قصصه الأولى التي ترتقي إلى العام ١٩۸۸ وهي “بيروت .. الحلم على فوهة استون” من الوان قصصه في الحرب اللبنانية، ورواية ” الناب” وهي آخر منشوراته المتداولة حتى تاريخ العام ٢۰۰۰.

بين يديّ مجموعة من قصصه تشتمل على نماذج ثلاثة من هذا الفن، وهي: الأقصوصة، والقصة والرواية، نعددها بالترتيب حسب صدورها تمهيداً للكشف عن مقوماتها تبعاً للأصول المتعارف عليها عند النقّاد، على النحو التالي: ١- “بيروت الحلم على فوهة أستون” صادرة عن المركز العربي للطباعة والنشر والتوزيع سنة ١٩٨٨ وهي مصدرة بمقدّمة للعميدة الدكتورة زاهية قدورة. ٢- “السبايا” وهي من باب الأقصوصة، وقد نشرت سنة ١٩٩١، برعاية أصدقاء الكاتب والكتاب، تقديم الأديبة ليلى عسيران ومهداة إلى ” أمه”. ٣- “المنغولي” من منشورات ميريم وإصدار سنة ١٩٩۳. ٤- “عروس الخضر”، وهي من باب الرواية أو القصة الطويلة، وقد صدرت عن دار الآداب في بيروت سنة ١٩٩٣، مهداة إلى طارق. ٥- “إمرأة وأشياء أخرى” من منشورات دار الورد سنة ١٩٩۳، ومهداة إلى لبنى. ٦- “الناب” (رواية) صادرة أيضاً عن دار الآداب سنة ٢۰۰۰.

“غريتا”

“غريتا”، هي الأقصوصة الأولى في هذا الاصدار الجديد، وواضح أن هذا من الأعراف السائدة في عالم الكتاب، فالمؤلف عادة يرتاح إلى جانب من نتاجه، ويكون حريصاً على أن يجعلها عنواناً جامعاً للكتاب. من باب تسمية الكلّ باسم الجزء. وهذا الخط في التأليف قديم، منذ العصور الأدبية الأولى، ومن نماذجه “كليلة ودمنة” لابن المقفع، فقد أطلق الكاتب هذا الاسم على مؤلفه الذي لا يزال شاهداً على التفاعل الفكري بين آداب العرب والآداب القديمة آداب الهند والفرس .

غلاف "غريتا"
غلاف “غريتا”

وهكذا يقول العطروني في مطلع قصصه (غريتا): “غريتا يا غريتا أتداعى وتتداعى الذكريات كنسائم ملونة”.. ثم يستطرد في الخطاب، فيصرّح لها: “أنت تعلمين أنني لم أعرف إمرأة من قبلك، ولا بعدك وأنني حملت كل تقاليدي وتراثي معي في سلوكي وتخيّلي عندما ذهبت كي أكمل دراستي في بلدك”.

… غريتا كما يلاحظ هي الشخصية الأولى في هذه الأقصوصة، والأسطر المتقدّمة ذات دلالة ناصعة على أسلوب القاصّ في بداية هذه المجموعة، وهو أسلوب هادئ يمتاز بالبيان والفصاحة، وهو الأسلوب الذي يلائم دونما جدل هذا اللون من الكتابة الأدبية، لأنه موجه إلى الجمهور العريق في المشرق العربي، من المحيط إلى الخليج. وهكذا نسجل للعطروني ميزة أولية في قصصه، وهي مراعاة شروط الخطاب، والابتعاد عن أسباب اللبس أو الغموض.. تلك هي السمة الواجب مراعاتها في الفنّ الروائي.

حكاية حبّ

“غريتا” حكاية حبّ وجداني صادق، بل هي أول شرارات الوجدان حين يخفق وهو يتفتح على دنيا المرأة والجمال. وأنا حقيق أن أقول لقارئ غريتا، مطمئنا إياه بأنه أمام تجربة الحب الأول، وهي التجربة التي لا تتكرر في ذات إهابها على مر السنين. في “غريتا” عذرية محببة وصدق شعور يظلّ مرآة لعهد الشباب حين يعاني من خفقان القلب ” واحتراق الدم” ولذا سمّاه العطروني عهد الدم.

والمجموعة المنوّه بها أعلاه تشتمل على ثماني قصص، وهي: غريتا، مرجان الوهم، نمر وحمل، زمن الغريب، الأغنام.. أكلت جدّي، كرنفال، جلم، العاصفة والجمر، زنى. وهي بمجموعها طراز من البوح العاطفي في عناق مع الفكر والخيال يأخذ القارئ إلى البعيد البعيد، ويأسر منه الشعور والحنايا. ولعلّي لا أكون مخطئاً إذا قلت بأن مقوّمات الفن القصصي، وشروط الأقصوصة بوجه خاص تتوافر على نحو وآخر في وحدات هذه المجموعة ولقد استوقفتني أقصوصتان من المجموع، عوّلت على أن أتناولهما بشيء من العرض والتحليل، كنموذج لأدب الأستاذ العطروني المتجدّد في عالم القصص بعد استراحة طويلة، أيقظ الشوق فيها في ذات محبيه، الذين تمتعوا طويلاً برواياته الأولى التي نوهنا بها في مطلع هذه المقولة.

نمر وحمل

هذا هو عنوان الأقصوصة الثالثة من المجموعة، وفيها إن صحّ، مشهدان من حياة البطل، أو قل جانبان من شخصيته:

في مطلع “نمر وحمل”، يجري حوار بين السائق ومدير الشركة، وهو فارس المضمار أو البطل. فبعد إقلاع السيّارة التي تقود المدير إلى شركته يقول المدير: “ما هذه البقعة على الزجاج الأمامي للسيارة، يجيب السائق: السيارة كانت متوقفة تحت شجرة يا سيدي قد يكون شيء وقع منها أو عصفور ألقى بقاذوراته، وبلهجة الرجل الصارم القاطع في آرائه، يجيب المدير: إذا شاهدت مثلها مرّت أخرى اعتبر نفسك مطروداً أنت تعرف صرامتي، ويأتي جواب السائق وفيه الدليل على هذه الشخصية الصعبة المراس، التي لا تعرف مجالاً لأي حوار هادئ، ورفض للأعذار أياً كان شكلها ووقعها وقد أجاد القاصّ في تجسيد تلك الشخصية، بمنتهى الدراية والشدة”.

ويجري السرد القصصي في المقطع الأول للقصة على هذا المنوال، فقد رسم الرجولة بأوضح رسم وحدّد خطوطها التي لا لبس فيها، فقد كان وصول المدير إلى الشركة بداية أوامر قاطعة ألقت الرعب في نفوس سائر الموظفين بلا استثناء. ومن هذا القبيل قوله لأحدهم: “أنت تنفذ ما آمرك به أنا”، وقوله لآخر: “لن أسمح بأي تهاون”، عالج الموضوع بحزم، الإهمال يشجع على التمادي، وإذ حاول الموظّف أن يرد بقوله: “ولكن”، أفهمه المدير للتو: “دون ولكن، غداً أريد أن أسمع أن كلّ شيء قد انتهى”.. والكلام هنا متعلق بموقف العمال من الأجور في الشركة، والمدير جزم بمنتهى الاصرار على عدم البحث في موضوع كهذا… هذا الجزم في إصدار الأوامر، جعل القاصّ يطلق اسم النمر على المدير. هذه الملامح التي خوّلت الكاتب أن يلقي الضوء على الشخصية ذاتها في موقف آخر من القصة، وهو سلوكه في بيته حين يواجه الزوجة عند وصوله ويسمع صوت ” الدوش” في حمام المنزل، قائلاً: “لقد أتيت أتستحمين؟”، فتقول الزوجة: “لا ألعب رياضة في الحمام أطبخ ملوخية.. سؤالك تافه، دعني أراك”، ثم تقول الزوجة: “الأولاد عند والدتي إذهب وأحضرهم وعند رجوعك تنقلني إلى الكوافير لأصفف شعري”، وإذ أراد التعليق على كلامها قائلاً: “لو سمحت”، قالت بشدّة: “لن أسمح، وفي طريق عودتك أحضر لي الفستان من المصبغة، ثم اتصل بوالدتي لترى إن كانت بحاجة إلى شيء تؤمنه لها”، ويأتي جوابه: مفهوم حاضر.

هكذا يبدو المدير – النمر – في الموقف الأول، حملاً في غاية الوداعة والرضوخ أمام زوجته، في المقطع الثاني. وأمام تدبّر الموقفين يكون القاصّ قد أبدع في تصوير الطبيعة الإنسانية والتناقض في الشخصية الواحدة أمام حدثين كما مرّ معنا، ولا يسعنا الإ الثناء على براعة الكاتب في تصوير أبطاله أياً كانت مرتبتهم.

حوار بين صديقين

وفي “زنى”، تبدأ الأقصوصة بحوار بين صديقين حميمين. يقول الأول للثاني: “مالي أراك على غير عادتك؟”، واستفسر منه على سبب همومه، وأبدى الثاني عدم رضاه عن واقعه، فقد ملّ بعد ثلاثين عاماً جسد زوجته زبيدة بالذات والسرير نفسه وأفصح لصديقه بأنه يريد أن يسير على خطى صديقه يزني ويعربد ويتمتع بالدنيا. وباختصار فإن الرجل يزمع ممارسة الزنى . ويطلب من صديقه أن يسهل له الأمر ويدلّه على السبيل لتحقيق مرامه. وفي المشهد الثاني يسلط الكاتب الضوء على شخصية الرجل وقد اضطرب وارتجف وهو يدخل غرفة المرأة التي ستكون علاجاً لضجره وضيق نفسه من حياته الزوجية الرتيبة، وفجأة بات داخل الغرفة يصيح: “الله أكبر، الله أكبر”، وقد استطلع صديقه السبب وقال له: “ما بك؟ وقد اقتحم بدوره الغرفة، فأجابه: “ما بي؟ الله اكبر، وكأنه سبحانه لا يريد أن أزني، أنظر.. إنها زوجتي الست زبيدة”.

***

لا يسعنا إلا الإقرار ببراعة العطروني القاصّ، في توفر عناصر الفن القصصي، تصوير الأشخاص وتحليل الطباع، وحبك العقدة وحلّها بأبرع ما يكون الحلّ، فضلاً عن السلاسة في الأسلوب، والتشويق في الحوار.

بهذين النموذجين اللذين حاولنا اختصار سياقهما ما أمكن، أرانا قد أعطينا الدليل على نمط رائع من أنماط الإنشاء القصصي بكل متطلباته وشروطه. وليس لنا في ختام هذا العرض السريع إلا أن نوجه الثناء إلى الروائي الصديق الياس العطروني، وشاهدنا على تفوقه في أدب الأقصوصة، ما سجله الناشر على غلاف  “غريتا”، قائلاً: “هذا هو العطروني في الأدب، كما في الحياة، خفيف الروح أبيضها، ممزوجة روحه بعطر الدعابة، هذا هو العطروني، روائي محنك يتقن السيطرة على قصته فيغلغل في شرايين القارئ”.

ولا بدّ أخيرا من التنويه بقدرات الياس العطروني الفنّية ومهارته في بناء مقوّمات الأقصوصة، فضلاً عن مميزات الأدب القصصي بعامّة، ولكن رجاء بأن عودته إلى مراس هذا الضرب الرفيع من العطاء الأدبي، ستكون موضع ترحيب من جمهوره الواسع، الذي يكن له الودّ ويقرّ له بالأفق الفكري الواسع وإطلالاته الرائعة في النقد الاجتماعي والساسي والأدبي على حدّ سواء.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s