سلمان زين الدين

“يُقدّم الدليل على أن الشعر ليس حكرًا على اللغة الفصحى
بيرون رملي… يستطيب الإقامة على مفارق الريح

 

سلمان زين الدين
سلمان زين الدين

كثيرون هم الأطباء الذين يمّموا شطر الأدب، بنثره وشعره، وصنعوا حضورهم بما أنتجوا في الأنواع الأدبية المختلفة، حتى إذا ما طوى النسيان الطبيب فيهم، بقي الأديب حاضرًا على الزمن. وفي المقابل، ثمة من يمّم شطر الأدب، فعاد من الغنيمة بالإياب.

salman zeineddine-peron
د. بيرون رملي

“عَ مفارق الريح” ثالثة الأثافي في نتاج الطبيب بيرون رملي الشعري، بعد “وبيبقى الصدى” و”عَ شوار المدى”، مجموعتيه الشعريتين الأولى والثانية. ولعل الإشكالية الأولى التي تطرحها المجموعات الثلاث هي الإمكانات الشعرية التي تدّخرها اللغة المحكية، فالشعر ليس وقفًا على الفصحى، وهو عابر للمستويات داخل اللغة الواحدة كما إنه عابر للغات.

في الشكل، يشتمل “عَ مفارق الريح” على خمسة وستين نصًّا موزّعة على ثلاثة أجزاء. يشغل اثنان وخمسون نصًّا منها اثنتين وخمسين صفحة من الكتاب، أي بمساحة صفحة واحدة لكل نص، ويشغل اثنا عشر نصًّا منها أربعًا وعشرين صفحة، أي بمساحة صفحتين اثنتين لكل نص، وثمة نص واحد يشغل ثلاث صفحات، ما يعني أن الحجم القصير أو المتوسط هو الغالب على نصوص الكتاب.

 الإنسان والكون والطبيعة

في المضمون، يطغى التأمل في أحوال الإنسان والكون والطبيعة على الجزأين الأوّل والثالث، بينما تستأثر المرأة بالجزء الثاني، ولعل منسوب الشعرية في هذا الجزء هو الأعلى، فكلّما اقترب الشاعر من الذات وتقلّباتها والقلب واعتمالاته كان حظّه من الشعر أكبر، وهو في ذلك لا يشذّ عن كثيرين من الشعراء الذين يتخذون القلب سبيلاً لبلوغ الشعر.

نصوص بيرون رملي وقصائده هي أحلامه يصبّها على الورق يضيء بها الغياب: “وبحب حلمي/ قبل ما حسّو احترق/ متل نقطة زيت/ وشمعة ال “يا ريت”/ صبّو عا ورق/ ب كتاب/ وضوّي قبل الغروب/ دغشات الغياب” (ص7). وهي روحه الملأى بالأحلام: “بفضّي روحي عا ورقة/ بعبّيها حلم مولّع” (ص17). وهكذا، الشعر،عنده، عملية داخلية متصلة بالروح والحلم حتى وإن كان المحرّك خارجيًّا.

على أن الشعر في النص قد يقتصر على بعض التراكيب، فـ “بيت القصيد” يتمظهر في تركيب واحد أو أكثر، فيما تشكّل التراكيب الأخرى مقدّمات له أو ترسم الإطار الطبيعي لظهوره (كنتِ، سمر، فايقة، بيوتكن). وقد تتعدّد “أبيات القصيد” في النص الواحد فتشمل العنوان ومعظم التراكيب (قطفني). وقد يقوم النص على المقابلة بين: زمنين، تذكّرين، حالتين (طلّت، حنون). وربّ نصٍّ يقوم على علاقة سببية متدرّجة بين تراكيبه حتى إذا بلغ التركيب الأخير يكسر الشاعر أفق التوقّعات، على مستوى الصيغة والصورة الشعرية، فبعد سلسلة تراكيب خبرية، تقريرية، متدرّجة، يأتي التركيب الأخير الإنشائي بصيغة الاستفهام ليحدث الصدمة الشعرية الجميلة: “مين قال إنّو الجرح/ ما بيخلق فرح؟” (ص36). وقد يشكّل السردي إطارًا للشعري (فلّي).

شعرية النص

وعليه، شعرية النص في “عَ مفارق الريح” هي حصيلة العلاقة التفاعلية بين التراكيب المختلفة حتى وإن تموضعت اللمعة في “بيت القصيد” أو “أبياته”. هذه هي حال الشعر غالبًا، فاللمعة الشعرية تحتاج إلى الإطار والمقدّمات والتمهيد لتلمع، وحين تفعل يعمّ اللمعان النص.

إن اختيار رملي “عَ مفارق الريح” عنوانًا لمجموعته الشعرية يتناسب مع مضامين القصائد، فمفردة “الريح” التي تُحيل، في المأثور الشعري العربي، على القلق وعدم الاستقرار لا سيّما في تلك اللفتة المتنبّئيّة الجميلة: “على قلقٍ كأنّ الريح تحتي/أوجّهها يمينًا أو شمالا”، تبدو خير تعبير عن حالات القلق وعدم التكيّف والتبرّم والضيق التي تعتري الشاعر، وبذلك ثمة تناسب بين العنوان ومعظم النصوص لا سيّما تلك المندرجة في الجزأين الأوّل والثالث. والشاعر ما يني يعبّر عن “ريحه” وبَرَمِهِ بالواقع، الزماني والمكاني والإنساني، ومتعلّقاته. فهو يضيق ذرعًا بالروتين والتكرار والتشابه (علّي)، والحاضر (ظلّي)، والمكان (خدني)، والحكي (سكوت)، والأرض كلّها (نطرني)، والوحدة (عربش)…

الحنين إلى الماضي

الوجه الآخر لهذا الاصطدام بالواقع، والنتيجة الطبيعية المترتّبة عليه، يتمظهران في الحنين إلى الماضي وأيام الشباب (ظلّي)، والمقلب الآخر من الكون (علّي)، والمنزل الأوّل (عربش)، والحياة الاجتماعية (غيمة)… لا سيّما أن العمر قصير وهشّ (قش، شغّل)، والرحيل حتميٌّ (عمر، وندوبْ).

في الجزء الثاني من الكتاب يُفرد رملي للمرأة ما تستحقّه من حضور في حياته ونصّه، وهو حضور يمتدّ بين الإنساني والإلهي؛ فهي هدفه الذي فتح القلب أبوابه له (ياما)، المقيمة في قلبه (حنون)، موضوع الغنج (كنتِ)، عيونها وسادة الحلم وغمزتها بساط النعمة (نعمة)، صوتها نغمة سحرية (سمر، شفاف الوتر). وهي مفتاح أسرار الكون (بسرحْ). وهي ربّة الشاعر (إنتِ): “إنتِ لولا يقولوا كفر/ ربّي” (ص 40).

في “عَ مفارق الريح”، يقدّم بيرون رملي الدليل على أن الشعر ليس حكرًا على اللغة الفصحى، وليس نزيل قصور القصائد المنيفة، وليس قرين المطوّلات وحسب، بل يُمكن أن يتقمّص المحكية، وينزل الأكواخ البسيطة، ويتلبّس البساطة الجميلة العميقة، ويستطيب الإقامة على مفارق الريح.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s