إلياس لحود:

الشعر أجمل الجميلات

 

الياس لحود
الياس لحود
زينب حمّود

الياس لحود الشاعر المشاكس دائماً ما يزال رافضاً عمليات الزرع في حالة إبداع الكتابة، يكتب للمختلف المغيِر في البنية والنظام معاً قبل أن يصبح مختلفاً في الواقع، المختلف بنظره هو الذي يقطع معرفياً وإبداعياً مع سابقه بعد تحليله وتقشيره، المختلف له مزاجه هو، هو شاعر القصيدة الخاصة التي لا تشبه إلا حالها وصاحبها هو حالها. وفي أعماله الشعرية الكاملة الصادرة في “أربعة مجلدات عن دار الفارابي” يكتب سيرة عمر، وعمر الشعر، عمر قصيدته ودواوينه لحظة سار على دروب الخريف، وبنى سد الشعر على ركاميات وفكاهيات وأغان ومشاهد وشموس الحب ومراثي الكبار وسيناريوهات أرجوانية هي أيقونات توت وقصائد على مساحة الوطن والدنيا، وصولاً إلى دواوين عشاق القرى وحكايا العصافير وأجنحة الفراشات المرتدية براويز القصص وأعراس الغابات المبتهلة.

الشعر عنده أجمل الجميلات، من المرأة وصولاً إلى الأرض الربيعية، أبدع في كل أساليبه ومدارسه. تجربته الممتدة على مسافة 50 عاماً مليئة بالشعر المغاير والذاكرة المبللة بالتجربة الغنية المطلة على أفكار وقضايا، نراه دائماً يفتح الذاكرة الثقافية على أسماء في النقد وفي الشعر، وهو من الشعراء الذين ينظرون إلى النقد على أنه يؤسس إبداعاً تالياً لإبداع القصيدة، حيث يرى، ان الشاعر لا يخبئ ناقداً في ذاته فحسب بل في أعماله يبدأ من ناقد وينتهي بناقد وإن كان في أثناء الكتابة مستقلاً عنهما، في بدايات الشاعر بعض الحنين وكل الذكريات.

مناخ أدبي

جنوبي الطفولة، من الريح الجنوبية على الحدود “لبنان، فلسطين، سورية” بدأ اتجاهه، في أسرة عصامية لأم حنونة وعارفة وأب يقرض الشعر بالعامية ويعزف الموسيقى، جو الأسرة كان علمياً في مناخ أدبي / شعري في بلدة مرجعيون، يقول “فتحت عيني على شعر فؤاد جرداق ونقولا قربان وعبد المسيح محفوظ وعبد الحسين عبد الله، ممزوج بقراءات للمتنبي وعنترة والزير سالم، ممزوج أيضاً بقصائد الكتب المدرسية. كنت أنا والشاعر وسام جرداق نتسابق على اقتفاء القصائد وقراءتها. كنا نسمع القصائد التراثية إنشاداً، وقوفاً على الطاولة أحياناً، أو المشاركة في اللقاءات المدرسية وخصوصاً في المدرسة الأسقفية في جديدة مرجعيون، كتبت قصائدي الأولى بالفرنسية، وأنا في العاشرة ثم كتبت بالعامية والفصحى معاً، الماضي / الزمان نسيت الكثير من ملامحه ولكنه يحضر بنغم رقيق حائر، أخذت الأشياء تكبر، الطبيعة الطبيعة، المرجعيونية الرائعة القنوع أصبحت حدوداً، الحدود تتشقق، تهدر، تطلق أصواتاً ولا تكتفي فقط باستقبال الأصداء التاريخية الآتية من أعماق الصحاري والمدن، إذن، الحدود تنشرح لتطل منها “القضية” أصبحت عندي “القضية” قضية فلسطين، قضية العروبة، قضية إنساننا “القضية” عنوان قصيدة جميلة كتبتها في السجن بعد ذلك، هنا أتذكر أن الطفولة والنشأة والبيئة كلها مناخ لازمني في كل إبداع يخصني حتى الآن”.

*ما مدى تأثير البيت في هذه الذكريات؟

-البيت؟ يا الله، إنه البيت الجنوبي بكل تفاصيله الإنسانية/ الثقافية، بيت حتى البيت الشعري، وأسرة حتى أسرة الكلمات التي انتميت إليها بخصوصية الانتماء الذي لم يفارقني، إنها بداية صوتي الخاص، القريب من همس أعالي الصخور، أول الأمر، جربت القصيدة “الوزنية” القصيرة والطويلة جداً “قصيدة الفلك مثلاً”، ثم قصيدة النثر، ثم سباقات في التجربة بيني وبيني، أخيراً جمعت قصائدي سميتها “أعياد الريف” وذهبت إلى الناشر التقليدي وهو قريبي وأنا في الرابعة عشرة، فرفضها ووبخني، عدت إلى التسابق وجمعت أخرى جريئة أيضاً، سميتها “القصائد الحزينة” قدمتها إلى الشاعر جورج جرداق في دار الروائع وأنا في السابعة عشرة، أعجبته وبدأت الطباعة أولاً باسم “القصائد الحزينة” واستدراكاً “على دروب الخريف التي صدرت العام 1962، مجموعة رومانسيات موقعة بأسلوبية عربية/ غربية، في عصر الحداثة، حداثة للحداثة التي لم تصل إلي يومئذٍ إلا نتفاً من مقاطع للسياب والبياتي.

هتافات

*وما حكاية بقية الإصدارات؟

-بعد النكسة مباشرة، كانت المجموعة الثانية “والسد بنيناه” العام 1967 عن دار الكتاب اللبناني، وفيه أغان وهتافات مدونة في إحداها أقول: “أسوان/أنا ظمآن يا أسوان/يا واهبي عزائمي/يا روض بيلسان/لقد بنوا أهرامهم/على صدى الجماجم/وأنت قد بنيتَ/بالورد والريحان/وبالرؤى سقيتَ/وأعذب الأغان/أسوان/أسوان/صداه لن يموت/فكفَ يا زمان”.

هذا الديوان جاء تناظراً مع الحداثة وخصوصاً في قصيدة “هوادج الشريف الرضي” و”ولادة المتنبي” بعدها سكت عن النثر حتى العام 1974 بعد انتقالي إلى بيروت نهائياً. وما يهمني أن منابع تجربتي لا أستطيع إدراكها إلا بدءاً من هاتين التجربتين المنشورتين، حيث تغلغلت إيقاعات الطفولة وصور البيئة والمناخ وحالة المحيط الاجتماعي الإنساني الجنوبي; إلى مسام القصائد، لتشكل النسغ الأول لحركة دم الكتابة، وهو نسغ لا يزال يدور في دمائي الشعرية حتى اليوم. فمجرد قراءة “على دروب الخريف” و”السد بنيناه” توصلني تلقائياً إلى مجموعتي الصادرة العام 1990 بعنوان “الإناء والراهبة”. ولكن التشكلات الناضجة للصوت لم تتحقق إلا في العام 1974 مع صدور “فكاهيات بلباس الميدان” وفي العام 1978 صدرت “ركاميات الصديق توما”، عندما أصبح السؤال حول التراث وحول الحداثة والعلاقة بينهما يشكل الهاجس المحوري لكتابتي حتى أوائل الثمانينات، هذه المجموعات صدرت في الجزء الأول من الأعمال الكاملة. ثم صدر “المشاهد” و”شمس لبقية السهرة” العام 1982، و”الإناء والراهبة” 1990، و”مراثي بازوليني” العام 1994 في المجلد الثاني من الأعمال الكاملة، إلى “سيناريو الأرجوان” العام 2003، “ايقونات توت العليق” العام 2007، “قصائد باريس” العام 2010، و”حديقة روزي” في المجلد الثالث من الأعمال الكاملة. بعدها: دواوين العشق وفيها: “عقد فرسان”، العام 1994، “براويز قصص” العام 1997، “جسمك عرس” 1994، “ولد ختيار”، إلى قصائد أخرى في مسيرة الشعر والتأليف.

المشهد الشعري

*أوجدت تجربة شعرية حديثة كماً ونوعاً وصدىً إبداعياً خلاقاً، كيف تنظر إلى المشهد الشعري والثقافي، خصوصاً شعراء العمود والوزن وشعراء قصيدة النثر والتجارب الشابة؟

-لقد توضحت في الفترة الأخيرة أبعاد المشهد الشعري العربي، فشعراء العمود والوزن المدرسي قصر نتاجهم عن تجاوز النموذج المثالي العربي الواصل إلينا من ماضٍ بعيد وقريب، رغم محاولاتهم المستمرة لإدخال الحاضر، إلى قصائدهم، وما وصل إليه نتاج الماضي القريب ومع الأخطل الصغير وأمين نخلة وإيليا أبو ماضي والياس أبو شبكة وحتى مع أحمد شوقي وحافظ إبراهيم والجواهري، شكل دائرة إبداع استعصى عليهم تجاوزها، فبقوا يعملون في إطارها “في الخليج والمغرب العربي وتونس ومصر والسودان وغيرها” ولو بصوت خافت رغم الأحداث الثقافية التي فرضتها المرحلة.

وشعراء قصيدة الشعر الإيقاعي، طوروا أعمالهم واختلفوا أخيراً عن الرواد، حيث أصبحت بُنى القصيدة المفتوحة، أكثر استجابة للتلقائية الطبيعية، إنهم برأيي المؤهلون الحقيقيون للاستمرار في التجريب الحداثي مع احتمالاته في زمن عربي يتغير على كل المستويات بما فيها مستويات الثقافة وخطاب الشعر وخطاب الإبداع بعامة، وشعراء قصيدة النثر الشعري تتخذ تجاربهم شبه أشكال ثابتة، بعضهم يخترق الثبات وسكوت الشكل، بينما يغرق البعض الآخر مع عدد كبير من شعراء قصيدة الشعر الموقع في تكرار النموذج إلى حد الاختناق في دوائره، التجارب الشابة التي يسرت لي أوضاعي في مجلة “كتابات معاصرة”، كما يسرت لي اشتراكي في المهرجانات الشعرية العربية، قبل الربيع العربي، فرصة للاطلاع على بعضها وحالياً عبر أجهزة التواصل، هي كما وصلت إليه، بقراءاتي لنصوصها تحاول عملاً جدياً للتغيير، أما عندنا في لبنان فأقلية من هذه التجارب تستحق البقاء، بينما تصاب أكثرية الكتابات الشابة، المنشورة بعقدة السابقين أو بعقدة المنقولات والترجمات التي تضيع فيها بلا صوت، لا يسعفها في خلاصها سوى قشة العوم على كتابات تنظيرية منقولة من كل وادٍ ومركبة تركيباً إعلامياً في أكثر الحالات، أما شعر الانبعاث العربي، بعدما حول الأساطير إلى جهازه، كما حول ثقافة منطقتنا الحضارية، فمطلوب منه اليوم أن يستمر في حفرياته الوجدانية داخل الشخصية العربية عله يقبض على معادن النقاء الثمينة، لتوظيفها أكثر وأكثر في توحيد الطاقات.

*ما كان موقفك من مجلة “الآداب” ومجلة “شعر” في الماضي وأين أنت الآن؟

-ليس من همي أن أحدد موقعي أين أنا من هذا وذاك، ما أعرفه أنني كنت خارج المدارس ولا أدخلها، إلا من أجل المشاكسة، ولكني في زمن ما كنت عاطفياً مع خط مجلة “الآداب” على صعيد الشعر، ومع خط مجلة “شعر” على صعيد التنظير، قلت في زمن ما، والآن أنا على خطي أسير.

بالنسبة لعملية المثاقفة مع الغرب، أعتبر أن لكل مثقف الحق في اختيار أسلوب ثقافته على صعيد النتاج القومي وعلى صعيد النتاج العالمي. وهنا أقول، العلم والثقافة والإبداع ملك أممي لجميع بني الكتابة، والمسألة الأصعب هي، هل ما نأخذه يساعدنا على امتلاك صوتنا، أم على تشويهه. ومن يرضى بالتشويه غير العاجز؟

*بماذا تختصر نفسك بعد سنوات الشعر وسنوات الكتابة؟

-أنا شاعر الحرية، ولكن لا تبقى الحرية زعماً، أنا حر في حريتي بشرط واحد أن أحترم ما تدعيه كل كلماتي.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s