سعيد عقل…

فنّانُ القصيدة وإبن الكلاسيكية البار

سعيد عقل
سعيد عقل

     د مهى الخوري نصّار

تقرأُ سعيدًا: عقلًا أبدعَ جمالَ العظَمَةِ في هيكلِ الأدب. تقرأُهُ رغبةً في لبننةِ عالم، وهوَسًا في ولاءٍ لوطنٍ أسطوريٍّ عملاق، ووفاءً لإرثٍ ثقافيٍّ سياسيٍّ وطنيٍّ لغويّ، فتراهُ يطرحُ دستورَ أمّةٍ في مسرحيّة، ورؤيا إلهيّةً كونيّةً في وثيقة. تقرأهُ، فيتراءى لك ظلُّ يراعِه أيقونةً ترتّلُ أناشيدَ قدسيًّةً في محرابِ العِشقِ الأسمى، ويتجلّى لك سحرُ بتوليّتِهِ ريشةً تُسكرُ الحرفَ في رحيقِ البوح، وتخمِّرُ الفوحَ في عبيرِ الرؤى.

د مهى الخوري نصّار
د مهى الخوري نصّار

سلطانُ كلماتٍ هو، يُبدعُها ويلعِّبُها، يرسمُها ويهندسُها، يُطوِّعُها ويُروِّضُها، ينقِّلُها ويحلِّقُ بها ليسكُبَها في شرايينِ تراكيبَ تُشيعُ موجةً من الجمال، كلُّ حرفٍ فيها يُنحت، وكلُّ حركةٍ فيها تُحسَب، على إيقاعٍ يتلازمُ وكينونةَ الإنسان، في طبيعةٍ قائمةٍ على التّوازنِ والتّناغمِ والتّناسق، تشعُرُ معها أنّ الأرضَ تولَدُ على يديهِ من جديد، في محاولةٍ لمزاملةِ الخالقِ- أصلِ الجمال- في إتمامِ التُّحفةِ الكون، “بشخطةِ حبر”.

بثالوثِ الحقِّ والخيرِ والجمال، افتُتن. وإلى الرّوحِ المسيحيّةِ، روحِ الحكمةِ والفهمِ والمشورةِ والقوّة، انحاز. وهذه الحكمةُ جعلتهُ نهرًا دائمًا يُعطي من غيرِ حساب ماءً غزيرًا، فكثَّرتْ ثمرَ أعمالِه، حتّى أتَتهُ بصولجانِ المــــــُلك وبسلطانٍ على الّذينَ كانوا يأخذونَ عليهِ المآخذَ، وارتقتْ به إلى مصافِّ المعلّمينَ الكبار، وآتَتْهُ مجدًا أبديًّا.

زمجرات بلاغيّة

أبقى للكلاسيكيّةِ بَذْرَ توالُد، فظلَّ ابنَها البارّ، واكتفى منَ الحداثةِ بالرّمزيّةِ والبرناسيّة، نافخًا فيهِما نَفَسَ الفرح، باعثًا روحَ الشَّلالاتِ الهادرة عبرَ زمجراتِه البلاغيّة وبطولاتِه التّركيبيّة، وابتكاراتِه الفنّيّة، واستدعاءاته التّاريخيّة، ضمنَ معجمٍ صافٍ أنيق، أتقنَ دقائقَهُ وأسرارَه، فأعملَ مِزبرَهُ فيه وأخرجَهُ شاهقًا طاهرًا من أيِّ شائبة، يحلّقُ بمعناهُ بثباتٍ إلى قدموسَ وأفروديتَ وأليسار، إلى زمنٍ مطلَقٍ يحمِلُ فيه الأرضَ على كفَّيه، وينصُبُ أرجوحةً من خيوطِ النُّجومِ، فيعانقُ الحلمَ بيديْه.

ملكة، هي الصفةُ التي يخُصُّ بها سعيد عقل المرأة. فهي أمُّه، والعذراءُ أمُّ يسوع التي حينَ تعرّف إليها أحبَّها فعبدَها. وهي الملكاتُ الأربعُ اللواتي انطلقنَ من لبنانَ ليحكُمنَ روما، والإمبراطورةُ ابنةُ صور التي أسَّستْ قرطاجة. وقد تجلّى حبُّ المرأةِ لديه قدرةً على التحويل، ومصدرَ فرحٍ حقيقيّ، في رنِدلى ويارا ودُلزى. وتجلّت امرأتُه طاهرةً نزيهةً ساميةً متسربلةً بالعفاف، فكرةً مجرّدة، نسَمةً تعطِّرُ الأجواء، تضاهي المسيحَ تساميًا إلى الألوهةِ والجلال. وتبقى العذراءُ التي رسمها سعيد عقل بريشةِ الحرفِ والكلمة، المرأةَ الأذكى بحكمتِها، والملكةَ الأعظمَ بصمتِها، حيث قال:

“هنّي بحبّن بس إنتِ، كتر ما تجمّع بعينيكِ حلا، من قبل ما بهالكون كنتِ، كنت صلّيلِك صلا”.

وإذا أردنا أن نلتفتَ إلى أبرزِ خصائصِ شعريّة سعيد عقل وجدنا الحركيّة الهيروكليطيّة ظاهرة لديه،  ووجدناهُ يعمِدُ إلى إبعادِ العاملِ عن المعمول، وإلى إدخال أل التّعريف على الأفعال، وإلى خلقِ تعابيرَ غيرِ متوَقَّعةٍ وغيرِ مألوفةٍ عن طريقِ ربطِ الكلماتِ في ما بينها بشكلٍ غيرِ اعتياديّ، كما هي الحالُ في قولِه: “ومالَ للأرنانِ في أيكِهِ/ غصنٌ، وألوى جيدَهُ السُّنبُلُ/  وقرَّبَت من ربوةٍ ربوةٌ/ سكرانةٌ عن حالِها تسألُ/ عيناكِ يا حكايةً قصَّها/ على الكنارِ الغصُنُ المـــَلْدُ/ جرى شراعي يخطُّ كثوبِكِ الغجريّ، بحري/ ألعينيكِ تأنّى وخطرْ/ يفرشُ الضَّوءَ على التّلِّ القمرْ؟)،: (وإن عصَتْ تحوَّلي نبيذًا/ وانسكبي خصرًا…فمًا…يدا…/ أوّاهُ! أينَ الطِّفلةُ اليُغنّي/ جمالُها؟ حُلْمٌ وبُدِّدا…”.

قد تنشدُ هذه الحركيّةُ المخالِفةُ لعنصرِ الثباتِ المطلقيّةَ، فالشّاعرُ يسلكُ خطًّا تصاعديًّا من الأنا وصولًا إلى المطلق/الله. وتنقلُ لنا هذه الحركيّةُ شغفَ سعيد عقل الدّائم والواضح بالعينين اللتين تمثّلانِ باستدارتِهما المكتملة صورةً حسّيّةً لحرصِ سعيد عقل على الحفاظِ على العالمِ المغلق، عالم ِالعذريّة، عالم الحرمان، البعيدِ من أيِّ دنس، والذي يراه باعثًا للفرح، جمعةً عظيمةً لولاها لما كانت قيامة.

فنّانُ قصيدة

كذلك، تعكسُ لنا هذه الظواهرُ الأسلوبيّةُ مدى قدرة الشّاعر على أنسنةِ الأشياءِ، وعلى الصّمود والثبات، وعلى التحكّمِ بعواطفِه من دون أن ينجرفَ في أنانيّاتٍ ومصالحَ. وتؤكّدُ لنا بما لا يحتملُ الشكّ، أنّ سعيد عقل هو فنّانُ قصيدة وليس فنّانَ بيتٍ شعريّ، وأنّ قصيدتَهُ كاتدرائيّةٌ كاملةُ البناء، لها تصميمُها وتصوُّرُها الذي لا يميِّزُ بين الوعي واللاوعي، والذي يقومُ على تجاذبيّةٍ وتبادعيّةٍ واضحةٍ بين عالمِ الشّاعرِ وعالمِ الله.

ونلحظ أنّ المعجمَ الدينيّ والجوَّ المقدّسَ حاضرٌ بكلِّ مكوّناتِه، وأنّ الإيمانَ نقطةٌ مركزيّةٌ في شعره، إذ نجدُه يقول:”معبد/ يُزار/لا يُمسّ/ الراكع/ الوادع/ الخاشع/الزاهد/ وجه الله/ الحقّ…)، يؤكّدُ لنا هذا المعجمُ أنَّ سعيدَ عقل هو شاعرُ القيَمِ واللّاهوتِ والسموّ، وأنّ الغبطةَ الروحيّةَ تنشأُ لديهِ من خلالِ التّفاعلِ والتّكاملِ بين المادّيِّ والروحيّ، بين المحسوسِ والمجرّد، في رؤيةٍ تعظّمُ الإنسانَ وتفتحُ له نافذةً على الفضاءِ والمكانِ غيرِ المحدودَين، حيث يتداخلُ الخيالُ معَ الواقعِ، والحُلْمُ معَ اليقَظَة، والوهمُ معَ الحقيقة. كذلك، تتردّدُ لفظةُ :”كون” في معجمِ الشّاعر، وقد تكونُ هذه اللفظةُ دليلًا على شموليّتِه وعلى رغبتِه العارمةِ في سبرِ أغوارِ المجهول،ِ وفي تخطّي الحدودِ المرسومةِ للإحاطةِ بجميعِ الأمداءِ المنظورةِ وغيرِ المنظورة، بغيةَ الانفتاحِ والتّواصل. وقد يكونُ رفضُه الالتزامَ بمحاكاةِ الطَّبيعةِ الحسّيّةِ الملموسة، وتعدّيها إلى “الكون”، تجسيدًا حيًّا لمجموعةِ القيمِ الروحيّةِ والأخلاقيّةِ، ولمفهومِ الحرّيّةِ بمعناهُ الشَّامل، ودليلًا حسّيًّا على رفضِه هذا الجانبَ الماديَّ منَ الوجود الذي يحجُبُ العالمَ الروحيّ، عالمَ العمقِ والمثاليّةِ والسَّلامِ والجمال وراءَ ستارِ المادّةِ والحقدِ والعنفِ والقتال. وقد يطرحُ استخدامُ هذه اللفظةِ أمامَنا ما قالَه “شيللي” في دفاعِه عنِ الشّعر “الشُّعراءُ همُ الكهنةُ الذين يتلقَّوْنَ وحيًا غامضًا، المرايا التي تعكسُ الظِّلالَ الماردةَ يُلقيها المستقبلُ على الحاضر. القوّةُ التي تحرّكُ ولا يحرّكُها شيء. الشُّعراءُ هم مشرّعو العالم الذينَ لا يعترفُ بهِم أحد”. ويذكّرنا بما قاله سعيد عقل نفسُه :قبلَ أن أنظمَ الشِّعرَ يسيطرُ عليَّ نغمُ القصيدة، فتوحّدني الحالةُ الشعريّةُ مع الكون.

الخاتمة

سعيد عقل، شعرُكَ صلاة، والصّلاةُ فرح، والفرحُ هو طريقُ الله. معك نردّد: أقولُ: الحياةُ العزمُ، حتّى إذا أنا/انتهيتُ، تولّى القبرُ عزميَ من بعدي”.

يا عبقريَّ لبنان، من هناكَ… من المدى، تمرّد. اغمِس ريشتَك في الرّيح واكتبْ على ورقِ الشّمس، فتعزفَ الشّمسُ على بَمِّ عود، ويرقُصَ الدُّملجُ بينَ الزُّنود. اعصُرْ أكأسَ الشّعرِ من كرمةِ الوهمِ منَ السُّدى، ودع عينيكَ تمرحْ في الأفُقِ تقطفْ أنجما.

*القيت هده الكلمة على مسرح مدرسة راهبات اللعازارية، مار منصور في كليمنصو 22 ايار الفائت.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s