الحُبُّ الذي بذاتِه يَجود

lamia-
لميا أ.و. الدويهي

تَحارُ القلوبُ أيَّ تَصنيفٍ تُعطي للشُّعورِ حين تكونُ الأمورُ غامضة، والعَلاقةُ غيرَ واضِحةِ المَعالم… تُحاولُ مَدَّ جُسورِ التَّواصلِ مع «الحَبيب»، تُصارعُ المَجهولَ وتُجاهِدُ لنَقلِ ذَبْذَبات العِشقِ، عَلَّهُ يَلتَفِتُ صَوبَها، فتَخترقُ حُدودَ هذا العالمِ الآخر، وتَلِجُ معهُ إلى الأعماق، فلا يَبقى التَّواصُلُ حِكرًا على «الأَطراف» وإِنَّما يأخُذُ بُعدَهُ الحَقيقي…

غالبًا ما تَبحثُ هذه النُّفوسُ عن صورةٍ تَهوى مُيولَها، أو تَعشَقُ حالَةً تَختبرُ فيها أَشباهَ الحُبِّ من دونِ أن تَتورَّطَ في تَفاصيلِهِ… وهناك نُفوسٌ تُحاولُ أن تَجدَ في الحُبِّ «خلاصًا» من حالاتِ تَشَتُّتٍ تُعيقُ تَطَوُّرَها وتُعَرقِلُ مَسيرَها… فتَستَعيرُ ثَوبَهُ وتُنادي الحَبيبَ بالنِّصفِ الآخر، وعندَ أوَّلِ مَطَبَّة، يَهتَزُّ «عالَمُها» المَنسوجُ في مُخَيِّلَتِها وتَغرَقُ في وُحولِ أَفكارِها الطَّالِعةِ من غياهِبِ ماضيها العَتيق، مُكَبِّلَةً حاضِرَها بتَعقيداتٍ وتَقَلُّباتٍ، تُعمي البَصيرة، تُدينُ السِّيرة، تُقلِّلُ من القيمَةِ الإنسانيَّة ، تُدخِلُ في دوَّامةِ الحَيرَة، تُمعِنُ في إِحكامِ القيود، تُرْكِنُ الرُّوحَ في الجُمود…
مَجنونٌ مَن يَظنُّ أنَّ الحُبَّ هو الآخر وأنَّ السَّعادةَ تَبدأُ من مُحيَّاه وأنَّ العالمَ يَنقضي لولاه…  السَّعادةُ تبدأُ من داخِلِ كُلِّ إنسان، من صُغرياتٍ في نَفسِهِ، من تَفاصيلَ وَجَبَ تَدارُكُها، قبولُها، استيعابُها، ومن أُخرى وَجَبَ لَجْمُها وصَونُها، وأُخرى إِطلاقُ العَنانِ لها، للتَّحرُّرِ منها والمُضيِّ قُدُمًا… الحُبُّ لا يستطيعُ أن يكونَ الآخر، ما لم يَبدأْ كُلُّ واحدٍ بالنُّموِّ في ذاتِه، في تلك الذَّاتِ الصَّغيرة، الطَّريَّةِ والهَشَّةِ أحيانًا… الحُبُّ لا يستطيعُ بُلوغَ الآخرِ ما لم يتكوَّنْ في حَشا الرُّوح، نابِضًا بمَعالمِ الحُبِّ الواضِحَةِ البَسيطةِ التي تَنبَعُ من كَينونَةٍ تُشبِهُنا ولا تُشَوِّهُ حَقيقتَنا، من نُمُوٍّ لا يأسِرُنا بل يُحرِّرُ عُمقَنا فيُطلِقُنا باتِّجاهِ الآخر، لنَهَبَ ما نَملِكُ ومِمَّا نَملكُ، وليسَ قَيدَ حَياتِنا لِتُساقَ هذه الحياة، كمَن لا قَرارَ ولا إِرادةَ له، فقط لمُجرِّدِ أن نكونَ مع أحدِهم ولأحدِهم…

الحُبُّ لا يستطيعُ أن يكونَ الآخرَ، إن كُنَّا نَسيرُ في ظِلالِ الحُبِّ، مُبعَدين عن أنوارِهِ الحقيقيَّة التي تُجَدِّدُ عُمقَنا وتُنَشِّطُ كَيانَنا وتَفيضُ فينا مَساحاتٍ مُختلفةً في رَونقِها، في بُعدِها، في عُمقِها، في تَوَهُّجِها، في أنَّها تَحوينا ولا نَستطيعُ استيعابَها لأنَّها تَرَدُّداتٌ لنَفَحاتٍ سَرمَديَّةٍ تَتألَّقُ في داخِلِ أَسوارِ عالَمِنا الدَّاخلي المَهيب، وهي لا تُشعُّ ما لم نَتقبَّلْ ما نحنُ عليهِ من تَمَيُّزٍ وتَفَرُّدٍ وأَناقَة…
إِنَّ المَوضوعَ، كُلَّ المَوضوع، هو أن يُحاولَ كُلُّ مَخلوقٍ الإِبحارَ إلى عالمِهِ الدَّاخلي والخاص، وأن يُصغيَ إلى هَمَساتِ روحِهِ ويَستجيبَ لنِداءاتِها ويَستَوعِبَ احتياجاتِها، فيَضبطَ ما وَجَبَ ضبطُهُ ويُحرِّرَ ما وجبَ حَلُّ قيودِهِ ويَهِبَ ما وَجَبَ مَنحُهُ على أن يَصُبَّ الكُلُّ في التِقاءِ هذه المَحاور حَولَ مِحوَرِ الذَّاتِ الأساسي، فينسجمَ الكُلُّ مع الكُلِّ ويَعكِسَ الخارجُ مَضمونَ ما يَحتويَه هذا الكيانُ من الدَّاخل… ومتى هَمَسَتِ الرُّوحُ لأُخرى، حُرَّةٍ أيضًا من الدَّاخل، تَفاعلَ «الحُبُّ» بينَهما وتَفَجَّرَتْ يَنابيعُ العشقِ من جَوفَيهِما لتَهْدُرَ، لحظةَ التِقائِهِما، بأعذَبِ وأَشهى ما تاقَتْ إِليهِ روحٌ وسَعى إليهِ كَيان: إلى الحُبِّ الذي من جَوفِهِ، بذاتِهِ يَجود…

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s