“جورج شكّور مبدع الجنّات على الارض”

الشاعر جورج شكّور
الشاعر جورج شكّور
جان كميد

     منذ زمنٍ وأنا، بيني وبين نفسي، ضنينٌ بالشاعر جورج شكّور. ضنينٌ به وأنا الذي لم أكتب عنه كلمةً قبل الآن. فقد كنت أنظر اليه كبقَّيةٍ باقية من العهد السعيد، عهد الأصالة التي طغت عليها الهجنة اليوم.

الناقد الأديب جان كميد
الناقد الأديب جان كميد

عهد العبارة الشعرية المصوغة صوغاً لتغدو “عقداً فريداً” بالإذن من ابن عبد ربِّه، وذلك بعد رحيل تلك الكوكبة من شعراء جيله ذوي الأفواه المطيَّبة والأقلام الدافقة مداداً معطَّراً: انطون قازان، فوزي عطوي وشاعر “حداء وادي الشَّجَن” رفيق المعلوف، اولئك الذين كانوا، مع جورج شكّور، يشكّلون رموزاً لما انقضى من عصورنا الزاهية. لذا اعتبرت سنوح فرصةٍ لي لأكتب عنه (1) حظاً يتيح لي ان أعبّر عن إيماني به شاعراً قابضاً على ناصية الشعر بكامل الاحاطة بأسراره ودقائق صنعته التي اذا انحرفت عن مسيرها السويّ قيدَ أنملة بَطَلَ ما خُطَّ ان يكون شعراً. فهوَ أقبل على العملية الشعرية إقبالَ الدَّرِب عليها والممسك عن خبرةٍ عميقة بزمامها، فجعلنا نقول ازاء هذا الرصيد الثمين الذي ما زال عصرنا الشعريّ يحوز عليه ان الشعر مع جورج شكّور لا يزال بخير، وان الصرعة التي تسود الساحة اليوم لا بدَّ ان تستهلك نفسها فتنقشع الرغوة عن الصريح.

نزهة مرتاحة

لقد نسبوا الى شعر الحداثة سهولةً تنأى به عن وعورة الشعر الملتزم الأصول والقواعد المتشدّدة، فها نحن نقدّم لهم شاعراً من زمننا الحاضر يقوم في شعره الكلاسيكيّ بنزهةٍ مرتاحة لا يتخلَّلها وَعْرٌ ولا تقف دون مسراها عقبات. فهو سيّد المادَّة التي بين يديه وليست هيَ سيّدته. يحكمها ولا تحكمه. يتصرَّف بها لا على هواه بل كما يقتضي الحسُّ السليم، والذَّوق المرهف، ومقوِّمات التعبير المرفَّه المصفّى بعد ان يقطَّر في مصافي النفس التي طابت فطاب كل ما يفيض منها وما نرتشفه حُلْوَ المذاق:

“شرِّعيها النوافذ الخضر، هيّـا/يا ضنى العمر، يا ضياءَ المحيّا/وأطلّي على الصباح صباحـاً،/أطلعيه كالورد يهمي عليّـــا/لوِّحي بالجناح، مُدي ذراعــاً/من زهورٍ ترشُّ شمساً وفَيــاً/مَن أنا؟، يجرح الجوابَ سؤالٌ،/أنا عمر الجمال في شفتيّـــا/كلَّما قلتُ: “جفَّ عطر فؤادي”/نسَّمَ العطر في فؤاديَ حيّــا”.

ويذكرّنا هذا البيت الاخير بالبيت القائل على لسان الشاعر أبي شبكة:

“كلَّما غرَّق الظلام عيوني/أطلع الحبُّ في دمي أنــوارا”.

ونمضي مع جورج شكّور، في ديوانه “زهرة الجماليا”، فنجد الامَّهات الثكالى في الحرب المفتعلة افتعالاً وقد أُلبست ثوب القضية، نجد هؤلاء الأمَّهات وقد اشتعلت في نفوسهنَّ الحرقة على بنينَ ذهبوا ضحايا رخيصةً وهم الغالون على قلوبهنّ، فاذا هُنَّ يُطفئن نيران اللوعة بمثلها لا بما يبلسم لهنَّ جرحاً كاوياً، واذا هُنَّ في مثل حال الشاعر الذي غشيت فؤادَه النبال حتى تكسَّرت في صدره النصال على النصال.

إطفاء النيران بالنيران.. ما أظنُّ ان هناك أوفى منه تعبيراً عن حال الفجيعات من الأمَّهات اذا نحن تغلغلنا في طيّات نفوسهُنَّ لنجلو مشاعرهنَّ الملتاعة على فلذات الأكباد.

وينكشف لنا، في “زهرة الجماليا”، عالم من ابداع صاحبه لا أخاله الا قبساً من النعيم الأبديّ الموعود بما رسم فيه من معالم تولي المقيم في رحابها السعادة التي أنبأت عنها الكتب الموحاة:

“يسري الى أين؟، لا أدري، الى جُزْرٍ/من الخيالِ، فدَيتُ السِّحرَ والجُزُرا/وخِلتُني سابحـــاً في زورقٍ مرِحٍ/بلا مياهٍ، وفي بحر الضياء سرى/على نسائمَ من تبـرٍ ومن زَهَــرٍ،/على غمائمَ تسمو بي وليس تُرى”.

ألا تعدل هذه الجنّات تلك التي تجري من تحتها الأنهار بما فيها من نخيلٍ وأعنابٍ وما فُجِّرَ من عيون، فاذا نحن بين رَوحٍ وريحانٍ وفي نعيمٍ مقيم؟!

وأيُّ كائنٍ، خلا الأصنام البشرية، لا تُطربه وتبعث فيه النشوة الفنّية هذه الأبيات المنبثقة من ينابيع السِّحر في نفس الشاعر الشارد المأخوذ:

“ومرَّةً أرتمي، أصحو على نَهَـرٍ/مُسَلْسَلِ البَوحِ مثلي.. رَقَّ وانهمرا/وللظلالِ من الأشجار رفرفــةٌ/على المياهِ، وأفياءٌ هَمَتْ خُضُـرا/والطيرُ تلغو، تغنّي، فوق وارفـةٍ/من الغصونِ التي تحلو لنا سُـرُرا/ونعتليها كمـا ارجوحـةٌ رقصتْ/وفوق زنديَ خَصْرٌ يُرقصُ الزَّهَرا/أذلّل الحُسْنَ، مَن مثلي يهدهـده؟/ما أجمل الحُسْنَ منظوماً ومُنْتَثِـرا/شَلاّلُ كحلٍ تُرى، ام شَعرُ ساحرةٍ،/يا لَلغدائرِ سكرى، أُرسِلتْ غُدُرا!!/ حيثُ الرَّبيعُ وألوانُ الربيـعِ رُؤىً/لشاعرٍ شاردٍ يستلهمُ الصُّــوَرا!”.

    شعراء الأصالة

والآن، بعد هذه اللمحة التي أعطيتها عن شعر جورج شكّور، قد تسألونني أيَّ مرتبةٍ يستحقُّها بين شعراء الأصالة الذين ينتمي اليهم؟، فأجيبكم بأن شكّور قال شعراً في ثلاثةٍ من هؤلاء هم بين ابناء طبقتهم من الأئمَّة، والحقُّ ان قصائده الثلاث فيهم تزامل كلٌّ منها شعر الشاعر الذي قيلت في تكريمه او في ذكراه، فلا غضاضة عليه، هذا المكرَّم او المستعادة ذكراه، ان يحني لها رأسه لتكون تاجاً يكلّله. وها هوَ احدهم، سعيد عقل، يقول ان لجورج شكّور قصائد تفرضه ذا صولجانٍ سُموَّ خاطرةٍ وجلال إطلالةٍ وترفَ مشاعر. ذلك ان سعيداً، وأنا الأدرى بالشعر الذي يلامس إحساسه، لا بدَّ له ان يَنْشى ويتجاوب مع أبياتٍ من مثل:

“عرُسُ الملائكِ في السماءِ تمايلتْ/حُورٌ لسكرتــه وغَنَّتْ عبقـرُ/ومواكبٌ للغـيــدِ عبَر زوارقٍ/تطوي الجناحَ على الرياحِ وتَنْشُرُ/أنفاسُها النَّسَماتُ مُشْعِلةُ الشــذا/تاهت  بها البيضُ الأزاهرُ تَسْكَرُ”.

أما عمر ابو ريشة أفلا ترنّحنا مرنَّحات جورج القائل فيه:

“أيدٍ من الغيبِ، كاساتٌ مرنَّحـةٌ،/حُورٌ تدورُ، وأنفاسٌ ولا الزَّهَـرُ/آمنتُ بالآه، بعد اللهِ، طيفَ هوىً،/إنَّ الأناهيدَ كالآيــاتِ تنهمِـرُ/ويَسْكَرُ الوحًيُ في عَينَيكَ مبتسِماً/كما تُداعِبُ عَيْنَ المؤمِنِ السُّـوَرُ”.

حتى اذا بلغنا الى بيته القائل:

“تظلُّ تَنْشُرُ فوقَ الشرقِ ألويـةً /نَسْجَ الكرامةِ، معقوداً بها الظَّفَـرُ”.

تساءلنا باستغرابٍ لمَ الأستعارة هنا والشاعر سيِّدٌ يُستعار منه ولا يستعير؟  اذ لا شكَّ بأنه، في بيته هذا، تأثَّر بالبيت الرثائيّ المعروف:

“أَطبقْ جَناحَيكَ معقوداً لكَ الظَّفَرُ/فقد بَلَغْتَ وشَوْقُ المجدِ مختصَـرُ”.

كما كنتُ أفضِّلُ ان تحلَّ “أشرعة” محلَّ “ألوية”، فقد “لَوَت” هذه “الألوية” البيت، وكان مُشْبَعاً اكثر لو كانت هذه الكلمة “أشرعة”. اقول هذا ولا يفوتُني ان في “الألوية” من معاني الفروسية والبطولة والسير على رأس الجيوش ما ليس للأشرعة، مما يناسب المعنى اكثر، ولكنَّ اللفظة الملأى لها ايضاً تأثيرها في الشعر.

ومثل هذه الإستعارة ما يتضمَّنه كذلك البيت التالي:

“صُروفُ دهركَ شتّى لا تديم على/حالٍ وحالكَ باقٍ مثلما القِيَــمُ”.

فهوَ شبيهً ببيت المتنبّي:

“وحالاتُ الزَّمانِ عليكَ شتّـــى/ وحالكَ واحدٌ في كلِّ حـــالِ”.

وكنّا نجلُّ الشاعر عن هذا التشبُّه بالآخرين الذي نغتفره لغيره ولا نغتفره لمثله.

كلُّ هذا لا ينفي عن جورج شكّور صفة المجوِّد، مالك اللعبة الشعرية الى حدّ الإتقان. لقد جادَه الغيث من سماء الشعر، فكان حفيّاً به وأنزله في اكرم القوالب التي تليق بهذا الوحي الرفيع. ويبقى “زهرة الجماليا” زهرةَ دواوينه وعروساً مجلوَّةً في دنيا الشعر، فإلى الإكثار من أمثاله ندعوه. ________________________________________________________

  • أُلقيت لمناسبة احتفالٍ تكريميّ ٍ له، أقامته جمعية “أهل الفكر”، في بلدته شيخان، ولم تُنشر الاّ الآن لأول مرة.

————————————————–

شاعر "الجماليا" خلال زيارته للعتبات المقسة في العراق
شاعر “الجماليا” خلال زيارته للعتبات المقسة في العراق

أمسية شعرية ومشاركة

في مهرجان ثقافي عالمي

جورج شكّور وغلى يساره  د. ميشال كعدي، والى يمينه البروفسور فيكتور الكك في العراق
جورج شكّور وغلى يساره د. ميشال كعدي، والى يمينه البروفسور فيكتور الكك في العراق

بدعوة من جمعية مار يوحنا المعمدان، أحيا الشاعر جورج شكّور أمسية شعرية في مقر الجمعية بالاشرفية، قدّمه خلالها الشاعر الدكتور ناجي نصر.

والقى شكّور خلال الأمسية عدداً من روائعه، بينها قصيدة لبنان الأبجدية، ومنها قوله:

هو الجبل العالي تزين جبينه/نجومٌ، وعند السفح تنساب شطآنُ/ومن ارزه الريَّان اعلاه هيكلاً/بمثل رؤاه الأنسُ تحلُمُ والجانُ/لقد حسدوه كيف كان هوى العُلى/وصبوا عليه الحقدَ، والحقدُ نيرانُ/أمرُّ على الأيام مرَّتْ ارُدُّها/وفي خاطري الاسيان تزهرُ ازمانُ!/واقرأ عن لبنانَ ما الدهر كاتبٌ/وما كان لي في الدهرِ، أهلي من كانوا

يذكر ان شاعر الملاحم والجماليا عاد الأسبوع الفائت من العراق بعدما مثّل لبنان في مهرجان ربيع الشهادة الثقافي العالمي، الذي شاركت فيه ٤٤ دولة من مختلف أرجاء العالم.

رائعته ملحمة الحسين في مهرجان ربيع الشهادة الثقافي العالمي
رائعته ملحمة الحسين في مهرجان ربيع الشهادة الثقافي العالمي

والقى شكور في المناسبة رائعته ملحمة الحسين، التي أدهشت الحضور، وفي طليعتهم الشيخان عبد المهدي الكربلائي وأحمد الصافي، اللذان قدّما له درعاً ذهبيّة، واتخذا قراراً بحفر قصيدته على الذهب، ورفعها في متحف الإمام الحسين ع تقديراً منهما لعظمتها.

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s