أمثولة من الشجر إلى البشر !

Jihad
د. جهاد نعمان

في استطاعة المرء، أن يتشبَّه بشجرة على مفرق الطريق، تصمد كالطود بوجه تغيُّر الفصول وتبدُّل الأنواء، وتعلّم البشر الصبر والثبات أمام عواصف الطبيعة وغضبها، وتفهمهم لذة الحياة بعد أن يتمّ لها الانتصار على العقبات والمصاعب.

إنّ الغيوم لتختفي مقهورةً مدحورة، لتضحكي أيتها الشجرة، وليشرق وجهكِ بشرًا بزهورك المختلفة الألوان، ولتنضج أثمارك، وليرى الناس بهاكِ وغناكِ. وعندئذٍ يقبلون عليك ويشملونك بعنايتهم وسهرهم، ويحيطونك بسياج الحفظ والاحترام، فتقضين أيامًا سعيدة هنيئة كما يقضيها الغني، حين تتدفق عليه موارد الثروة، وحين يقدم له الناس واجبات الشكر والتدجيل والرياء. فينظر إلى الحياة نظرةَ متفائل، ويضحك ليرى جمال الربيع، ولكن لا تلبث أن تزول هذه السعادة المادية، عندما يقلب الزهر لهذا الغني ظهر المجن، وعندما يتنكّر له الأهل والأصدقاء.

الشجرة تذرف دمعها لغضب الطبيعة وثورتها، فتطلب النجدة من صديقتها الأرض من غير أن تفوز بطائل، وتستنجد بالغيوم والرياح فتأتيها هذه ثائرةً معربدةً، وحينما توشك أن تستسلم ليّارات الأقدار والأهوال تعود فتلوذ بالصبر وتتمسّك بالثبات.

تأبى الطبيعة، إلّا أن تمعن في إذلالك لتوصلك إلى أسفل دركات الشقاء، من غير قصد  منها بعكس البشر، كما تنتقم من بعض البشر وتهينهم عن غير قصد، وتذلّهم وتُجلسهم في الطرقات عراة الأجساد يطلبون الرحمة والصدقة من أكفّ المحسنين.

ولكن، تمرّ أيام النكبة، ويسعدكِ الحظ أيّتها الشجرة، فتبتسمين لانتصارك على الظلم والطغيان…

وهكذا تعلّمين البشر، وأنتِ لستِ أساسًا في حاجة إليهم، بعكسهم ولو في عمق أعماقهم، بأنّ الفرج يأتي بعد الشدّة و”أن مع العسر يسرًا” وان مَن صبر ظفر، ومَن تأنّى نال ما تمنّى.

وما ان تذهب ثمارك حتى ينسوك لأنّك فقدت ثروتك وغناك. ولكن، لا تخافي، فإنّ هناك كائنين يدافعان عنك دائمًا، كائنين سيّان عندهما غناكِ وفقركِ، هما والدكِ القمر وأمّكِ الشمس، لأنّ محبتهما خالصة من كل رياء، نقيّة من كل شائبة.

وهكذا هي حال أغنياء البشر، ما إن يهاجمهم الفقر حتى يبتعد عنهم الجميع لأنّ الناس لا يقصدون إلّا مَواطن الثروة والجاه العريض.

وللّه درّ الشاعر القائل:

“رأيتُ الناسَ قد ذهبوا/إلى مَن عندهم ذهبُ”

أو قول الآخر:

“إنْ قلَّ مالي فلا خلٌّ يصاحبني/أو زاد مالي فكلُّ الناس خلّاني”

فما أعظم درسكِ أيّتها الشجرة، وما أبلغ صمتكِ، فأنتِ رمز الجمال والحياة، وأنتِ رمز الغنى والثروة، والأمن والثبات، وعلى الإنسان أن يتعلّم من الجماد والنبات وحتى الحيوان، لأنّ الثبات في الأصول والمبادئ، مزيل للنكبة، ومجلب للسعادة والسلام.

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s