د.عمر الطبّاع

قيمة الأدب التاريخية ورسالة الأديــــب الإجتماعية

الادب... عماد الحضارات
الادب… عماد الحضارات

الأديب هو المعبّر المخلص عن ميوله واهوائه. هو فرد من الناس يستطيع ان يصوّر بطريقة فنيّة ما يجول في خاطره ويزدحم في أفكاره. ولكن ما الفائدة من هذا التعبير، وما هي الثمرة التي يجنيها منه المجتمع. بعبارة اوضح ما هي فائدة الأدب ومهمته؟

الأديب ابن بيئة، فهو صورة صادقة عن محيطه. إذا عبّر عن مشاعره، فانما يعبّر عن مشاعر عصره وامته، وهو مثال حي مجسّد للأفكار التي تصطرع والاهواء التي تحيا في زمان ومكان معينين. فللأدب إذاً قيمة تاريخية ونفسية. وله ايضاً قيمة اجتماعية. فكم من قصيدة تعكس احوال المجتمع بطبقاته ونظمة وطرق تفكيره. ولعلّ هذه الاسباب هي التي تجعل المؤرخ والفيلسوف يرجعان إلى الأدباء لفهم حقبة معيّنة من الزمن ولتدوين اخبارها.

نقل الثقافة العامة

ويأخذ الأدب على عاتقه نقل الثقافة العامة على يد اعلامه، فيغذّي بها الاجيال الطالعة، ويزيد الانسانية ثروة فوق ثروة. اضف الى ذلك انه عماد الحضارات، يحمل رسالة السياسة والاقتصاد والاجتماع والفكر. وفوق كل هذا فان رسالة الادب لا تنحصر في اتجاه واحد ومضمار ضيّق، بل تتعدّى هذا النطاق الى مجالات لا يمكن حصرها. من ذلك ان الاديب ينقل الى جمهور قرّائه ما يتلقّاه من الحياة، من وحي وجمال وتأملات فيوقظ فيهم مشاعرهم السامية، ويسير بهم الى ما تصبو اليه الانسانية من غايات نبيلة. ثم ان للادب تأثيراً مباشراً على النفس؛ فهو يذكي الحس ويقوّي الخيال، ينير العقل وينمّي الذوق؛ وهو الى كل ذلك يوفّر متعة، ما بعدها متعة، متعة التلذذ بقصيدة او قطعة نثرية جميلة.

واذا كان الاديب يعني بالموضوع ويترك في آثاره الفائدة والارشاد، فليس التوجيه مبتغى امله؛ انما ذلك مجرّد وسيلة تتيح له ان يودع ما تزخر به نفسه من روعة وفن وجمال. فالأديب فنان قبل كل شيء؛ وقلّما ينشد الفنان الحقيقة التي تخصّ العلم والفلسفة. فالروعة هدفه، واستثارة النشوة غايته، وهي لعمري غاية فنيّة خالصة. فرسالة الادب اذا اجتماعية جمالية في آن معاً ما دام موضوعه مستقى من نفس الانسان والمجتمع والطبيعة، وما دام يُعالج باسلوب بديع رائع، غايته الاخلاص للفن والجمال.

وخلاصة القول: “ان الادب بمعناه العام وسيلة الحياة الانسانية المهذّبة، يصل بين الافراد والجماعات، وبين العصور المتتالية والاجيال المتعاقبة، ويسمو بالجنس البشري الى مستوى فكري وشعور خلقي جميل”.

تذوّق الجمال

عندما تفتّح الذهن البشري ونما فيه تذوّق الجمال كان الأدب. وعندما عمّ الوعي وبدأ تقدير الجمال والحرص عليه كان تاريخ الأدب. وبالفعل، فاذا كان الادب كما رأينا ثمرة النفوس البشرية، فتاريخ الادب سجل هذه الثمرات واطارها الاصيل.

وليس تاريخ الأدب مجرد ذكر لما ظهر من نتاج ادبي، انما هو محاولة وضع هذا النتاج في جوّه المكاني والزماني، هو سعي لتوفير كل العناصر الداخلية والخارجية التي تساعد في فهم الاثر وتقديره. فتاريخ الأدب اذا علم يتناول هذه الآثار بالدرس والتحليل ويعنى بتتبّع تطورها التاريخي والفنّي، مظهراً قيمتها على ضوء قواعد الفن والفكر.

لهذا افترض في المؤرخ عدم الاكتفاء بالنتاج الادبي وما يتصل به من فنون وعلوم، انما فرض عليه الالمام بتاريخ هذه العلوم والفلسفات والفنون، والوقوف على قسط واسع من الثقافة ليتمكّن من تأريخ الحياة الفكرية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي لا سبيل الى فهم الأدب وتذوّقه بدونها. فتاريخ الأدب يعنى اذا بدراسة اثر البيئة والاقليم والظروف الطارئة في توجيه الأدب، ذلك ان النصوص الادبية ثمرة عاملين هامين هما الشخصية والبيئة. على ضوء هذا، يرى المؤرخ نفسه امام نتاج فردي له خصائصه ومقوّماته، وامام بيئة معيّنة انشأت هذا النتاج، فيتناول ويبيّن مميزاته في حقبة زمنيّة معيّنة، ويوازن بينه في هذا العصر وبين غيره في آخر، ثم يعكف على دراسة الاسباب التي وجّهته هذه الوجهة او تلك، فيقف عند الطبيعة والجنس وما تحقق فيهما من مستوى عقلي واجتماعي وثقافي، ولا يفوته التنبّه لأثر الذوق والفن والموهبة في توجيه الأدب.

الادب عند العرب

لا مجال للبحث عن تاريخ الأدب بمفهومه الصحيح في البيئة الجاهلية، يوم كان الأدب قصائد تنشد وتحفظ شفوياً، بقطع النظر عن كل ما يحيط بها ويلقى عليها من اضواء. فتاريخ الأدب يومذاك سجل جامد يتضمّن منظومات الشعراء، يحاول ان ينقيّها من الدسّ والتعديل، ويرفقها ببعض الملاحظات العامة التي لا تروي للناقد غليلاً. وبتقدم الحياة يتقدّم الأدب ويتطوّر النقد معه. فيظهر ومضات سريعة واخباراً وجيزة، ترافق القصيدة وتساعد فهمها. ويبدأ التدوين، ويروح نطاقه يتّسع حتى كان العصر العباسي، عصر النور والمعرفة، وعصر الادب والعلوم. ففي هذا العصر بالذات، وضع المؤرخون التآليف الكثيرة تعنى بالادباء ونتاجهم، وتحاول تتبّع آثارهم بالتحليل حيناً، وبالمقارنات احياناً. من هذه المؤلّفات نذكر: ” طبقات الشعراء” لابن سلّام، ” والشعر والشعراء” لابن قتيبة، ” ويتيمة الدهر” للثعالبي، ” والاغاني ” للاصفهاني وغيرها كثير …

الا ان مفهوم التاريخ الادبي، لم يكتمل عند العرب الا في عصورهم الحديثة لاكتمال مقوّمات الثقافة عندهم، ولمشاركتهم الفكر الأوروبي المعاصر في نزعته التحليليّة العلمية. فقامت كتب التاريخ الأدبي مقام التراجم والاخبار، وحلّ التذوّق والتحقيق العلمي محل السرد والارتجال؛ وكثرت المقارنات وتبلورت دراسة التيّارات الأدبية عبر العصور والاشخاص، وانفصل النقد عن التاريخ، وما زالا في تطور مطّرد وتعمّق مستمر.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s