فلسفة الاختلاف

 

د. حسن عجمي
د. حسن عجمي
د. حسن عجمي

نظن عادة ً أنه يوجد منهج علمي واحد، لكن الحقيقة هي أنه توجد مناهج علمية متعددة. وهذه المناهج المختلفة تؤسس لنشوء وقبول نظريات علمية متنوعة. هكذا فلسفة الاختلاف، التي تدعو إلى أن نختلف فكرياً تؤدي إلى غنى الفكر الانساني وقبول الآخر، ولا تؤدي بالضرورة إلى الخلاف. فالمعرفة حقل تنافس المناهج والنظريات المتعارضة وليست حقل صراع البشر.

يختلف الفلاسفة حول ماهية المنهج العلمي تماما ً كما يختلفون حول أية مسألة فلسفية أخرى. فمنهم من يعتقد بوجود منهج علمي، ومنهم من ينفي وجود منهج علمي. ومنهم من يؤمن بأن المنهج العلمي يستدعي الاختبار، ومنهم من يؤمن بأن المنهج العلمي لا يستلزم اختبار النظريات. نرتحل هنا إلى عوالم المناهج العلمية كي نشهد صراع المذاهب الفلسفية وإمكانية طرح فلسفة جديدة ألا وهي السوبر حداثة التي تقول إنه من غير المُحدَّد ما هو المنهج العلمي.

الوضعية المنطقية

 لي سمولن
لي سمولن

سيطرت الوضعية المنطقية على فلسفة العلوم خلال النصف الأول من القرن العشرين، وشارك في بنائها العديد من الفلاسفة كالفيلسوف كارناب. بالنسبة إلى الوضعية المنطقية، لا بد من صياغة كل المعارف بلغة العلم، لأن العلوم وحدها تتشكل من عبارات ذات معانٍ. تقول الوضعية المنطقية إن أية عبارة لها معنى فقط  في حال وجود منهج يمكنا من تحديد ما إذا كانت تلك العبارة صادقة أم كاذبة. من هذا المنطلق، تعتبر الوضعية المنطقية أن العلم هو الذي من الممكن تصديقه من خلال الاختبار ومشاهدة عالمنا وأن المنهج العلمي يعتمد على تصديق النظريات على ضوء ما نشاهد في الواقع، وكل ما يستحيل البرهنة على صدقه من خلال مشاهداتنا ليس بعلم وبذلك هومرفوض. على هذا الأساس أيضاً، كل المعارف نتائج ما نستنتج بحق من الحقائق المرئية أي التي نتمكن من رؤيتها. وبذلك الميتافيزياء خالية من أي معنى. هكذا ترفض الوضعية المنطقية فلسفات الميتافيزياء كفلسفة هيغل ولا تقبل سوى بالعلم كحقل معرفي وكمصدر وحيد للمعرفة. لكن رغم هيمنة الوضعية المنطقية على الفلسفة في النصف الأول من القرن العشرين، معظم الفلاسفة اليوم لا يقبلون بها. تتعدد الأسباب وراء ذلك منها أن الوضعية المنطقية تفشل في التعبير عن علمية العديد من العبارات العلمية كعبارة “كل ما في الكون محكوم بقوانين الطبيعة”. هذه العبارة علمية بامتياز، لكن من المستحيل تصديقها اختباريا ً لأننا إذا حاولنا فعل ذلك لا بد أن نراقب كل شيء في الكون ونشاهده، وهذا مستحيل.(1).

نظرية كارل بوبر

كارل بوبر
كارل بوبر

أما الفيلسوف كارل بوبر فيعتبر أن النظريات العلمية مجردة في طبيعتها  ومن الممكن اختبارها فقط  من خلال نتائجها وأن النظريات العلمية كما المعارف الإنسانية بشكل عام هي فرضيات مصدرها الخيال الإنساني الخلاق وهدفها  حل المشاكل الفكرية. يؤكد بوبر على أن الاختبار العلمي وما يتضمن من نتائج لا يتمكن من البرهنة على صدق النظرية العلمية لأن الاختبارات العلمية ونتائجها قد تكون نتيجة صدق  نظرية أخرى مختلفة عن النظرية التي نحاول البرهنة على صدقها، وبذلك الوضعية المنطقية مرفوضة. بل يصر بوبر على أن النظريات العلمية من الممكن فقط  تكذيبها ؛ فإذا أدت أية نظرية إلى نتيجة كاذبة فهذا يكفي لدحض النظرية واعتبارها  كاذبة. على هذا الأساس، يقول بوبر إن النظرية العلمية هي النظرية التي من الممكن تكذيبها على ضوء ما يوجد  في الواقع، وإن لم نستطع إذن هي لا تعبِّر عن عالمنا الواقعي وبذلك هي نظرية غير علمية. فالنظرية العلمية هي التي تؤدي إلى نتائج من الممكن اختبارها أومشاهدتها في الواقع، وبذلك إذا أدت إلى نتيجة كاذبة فهذا يكفل كذب النظرية. على هذا الأساس، النظرية العلمية هي التي من الممكن تكذيبها. من هنا، المنهج العلمي بالنسبة إلى بوبر يتشكّل من بناء الفرضيات ومن ثم المحاولات المستمرة في السعي نحوتكذيبها إن أمكن. هكذا المنهج العلمي يكمن في القضاء على النظريات الخاطئة أما النظريات التي لا تتم البرهنة على كذبها فتبقى ولا بد من قبولها من  دون  اعتبارها  صادقة (2).

لكن تعاني  نظرية بوبر من مشكلة جوهرية هي التالية : كما من الصعب البرهنة على صدق النظريات العلمية من الصعب أيضا ً البرهنة على كذبها. أوضح الفيلسوف كواين ذلك قائلا ً إنه يستحيل الحكم على فرضية واحدة بحد ذاتها لأن كل فرضية مرتبطة بفرضيات أخرى ومسلّمات معينة، وبذلك أي دليل أواختبار قد يدل على كذب فرضية أومسلّمة أخرى بدلا ً من أن يشير إلى كذب الفرضية التي ننوي تقييمها. من هنا يستحيل تكذيب النظريات ما يجعل موقف بوبر صعبا ً للغاية (3).  كما أنه توجد نظريات علمية عديدة من غير الممكن تكذيبها حاليا ً أي اختبارها رغم أن العلماء يقبلون بها بقوة. مثل ذلك النظرية التي تقول إنه توجد ثقوب سوداء في الفضاء. من المستحيل اختبار أومحاولة تكذيب هذه النظرية لأنه لا يمكن مشاهدة الثقوب السوداء كونها سوداء أصلا ً وتبتلع أي شيء يقترب منها وتفنيه. هكذا ثمة علوم لا اختبار لها رغم أنها مقبولة علميا ً ما يجعل من الخطأ  اعتبار أن النظرية العلمية هي التي من الممكن تكذيبها وأن المنهج  العلمي كامن في السعي نحوتكذيب النظريات.

نفي المنهج العلمي

بول فيرابند
بول فيرابند

لقد رأينا صعوبة إن لم تكن استحالة تصديق وتكذيب النظريات العلمية، ما قد يدعم موقف الفيلسوف بول فيرابند القائل بأنه لا يوجد منهج علمي. بالنسبة إلى فيرابند، لا توجد مبادئ أوقوانين منهجية مستخدمة من قبل العلماء بشكل دائم. فلا منهج علمي يملي على العلماء ما يجب فعله والتفكير فيه بل “كل شيء يمر”، أي كل شيء مقبول. وحجته الأساسية على صدق نظريته الفلسفية هي التالية: إذا وجد أي  منهج علمي فسوف يحدِّد عمل العلماء ويسجنهم في مبادئه ما يؤدي إلى منع نشوء أي تطور علمي جديد. كما يعزز موقفه من خلال أمثلة عدة في تاريخ العلوم. فمثلا ً عندما نشأت نظرية كوبرنيكس القائلة بأن الأرض والكواكب الأخرى تدور حول الشمس كانت معارضة لكل مبدأ علمي قائم في زمنها. وإذا تم تطبيق تلك المبادئ العلمية المسيطرة حينها لمنعت تلك المبادىء ظهور الثورة العلمية الجديدة المتمثلة في نظرية كوبرنيكس.(4).

كما ينتقد فيرابند مبدأ التجانس الذي يقول إن النظريات الجديدة لا بد أن تكون منسجمة مع النظريات القديمة. فهذا المبدأ المنهجي يفضِّل النظريات العلمية القديمة على النظريات العلمية الجديدة من دون أي سبب عقلاني. كما يرفض فيرابند أي مبدأ للحكم على النظريات العلمية الجديدة من خلال مقارنتها بالحقائق المعروفة. هذا لأن النظريات العلمية القديمة تفسِّر الحقائق بما يناسبها ويدعم مواقفها، وبذلك إذا اعتمدنا على الحقائق المعروفة فسوف تشير بالضرورة إلى صدق النظريات القديمة بدلا ً من صدق النظريات العلمية الجديدة. بكلام آخر، النظرية العلمية تحدِّد طبيعة الحقائق والظواهر وتراها على ضوء مسلّماتها المُسبَقة، وبذلك من الخطأ مقارنة النظريات بالحقائق والمشاهدات، كون هذه الحقائق  والمشاهدات تسلِّم مُسبَقا ً بصدق نظريات ومسلمات معينة. على أساس كل هذا يستنتج فيرابند بأنه لا  يوجد منهج علمي (المرجع السابق). لكن نظريته تعرضت إلى نقد قاتل ألا وهوالتالي: نظرية فيرابند لا تميّز بين العلم والأساطير، بل تجعل العلوم متساوية مع الأسطورة. فكما أن  الأسطورة لا تعتمد على منهج ومبادئ لصياغتها وتقييمها، كذلك أمسى العلم بلا منهج وبلا مبادئ لدى فيرابند. فالمطلوب هو التمييز بين العلم واللاعلم، وهذا ما يرفضه فيرابند بقوة، ما يجعل موقفه ضعيفاً.

منهج لي سمولن

أما الفيزيائي لي سمولن فيؤكد على أن الفيزياء المعاصرة وقعت في مشكلة كبرى. فمثلا ً يعمل العديد من علماء الفيزياء ضمن نظرية الأوتار وعلى ضوئها. لكن نظرية الأوتار هذه لا تتنبأ بأي شيء جديد وبذلك يستحيل اختبارها، ورغم ذلك هي النظرية المقبولة من قبل العديد من الفيزيائيين، ما أدى إلى تخبط الفيزياء المعاصرة لقبولها نظرية من غير الممكن تصديقها أوتكذيبها من خلال التجارب العلمية. بالنسبة إلى نظرية الأوتار، يتكوّن الكون من أوتار وأنغامها، ومع اختلاف تذبذب الأوتار تختلف قوى الطبيعة وموادها. والعلماء منقسمون حول قبولها أو رفضها. فمن جهة، تقدِّم نظرية الأوتار صورة بسيطة وجميلة عن الكون حيث تتوحّد القوى الطبيعية وجسيماتها، كونها ليست سوى أوتار وأنغامها، ومن جهة أخرى لا نتمكن من اختبارها. (5).

بالنسبة إلى سمولن، يتضمن المنهج العلمي بالضرورة إخضاع النظريات للاختبار فالتكذيب أو التصديق. من هنا يرفض سمولن  نظرية  الأوتار  لأنها غير  قابلة   للاختبار. لكن كما أوضح سمولن نفسه يوجد العديد من العلماء الذين يقبلون نظرية الأوتار ويعملون على أساسها. وبذلك لا بد من أنهم يعتقدون بصدق نظرية أخرى في المنهج العلمي مختلفة عن نظرية سمولن. أي لا بد أنهم مقتنعون بأن المنهج العلمي لا يتضمن بالضرورة إخضاع النظريات للاختبار وتكذيبها أوتصديقها، ولذا هؤلاء العلماء يقبلون نظرية الأوتار ويعملون على ضوئها. هكذا العلماء أيضاً منقسمون حول ما هو المنهج العلمي ( المرجع السابق ).

السوبر حداثة والمنهج

ويلارد فان أومن كوين
ويلارد فان أومن كوين

على ضوء هذه الاعتبارات، من الممكن أن  نستنتج بحق أنه من غير المُحدَّد ما هو المنهج العلمي كما تؤكد السوبر حداثة؛ فمن غير المُحدَّد ما إذا كان المنهج العلمي يستلزم بالضرورة الاختبار أم لا. وبما أنه من غير المُحدَّد ما هو المنهج العلمي كما تقول السوبر حداثة، إذن من المتوقع وجود نظريات علمية مختلفة باختلاف المنهج المُعتمَد، ولذا توجد نظرية كنظرية الأوتار رغم عدم ارتباطها بالاختبار وتوجد نظريات علمية أخرى من الممكن اختبارها. هكذا تتمكن السوبر حداثة من تفسير اختلاف النظريات العلمية.

بينما تعتبر الحداثة أنه يوجد منهج مُحدَّد للعلم، تقول ما بعد الحداثة إنه لا يوجد منهج للعلم. لكن تختلف السوبر حداثة عن الحداثة وما بعد الحداثة، لأنها تؤكد على أنه من غير المُحدَّد ما هو المنهج العلمي. الآن، بما أنه من غير المُحدَّد ما هو المنهج العلمي كما تقول السوبر حداثة، إذن من الطبيعي أن يختلف العلماء حول ما هو المنهج العلمي، فيعتبر بعضهم أن المنهج العلمي يتضمن بالضرورة اختبار النظريات، ويعتبر آخرون أن المنهج العلمي لا يتضمن بالضرورة اختبار النظريات، ويؤمن بعضهم بوجود منهج علمي محدَّد ويؤمن آخرون بعدم وجود منهج  علمي أصلا ً. هكذا تنجح السوبر حداثة في تفسير وقبول اختلاف العلماء حول المنهج العلمي، وبذلك تكتسب السوبر حداثة فضيلة كبرى. لوكان المنهج العلمي محدَّداً لاتفق العلماء حول ما هو المنهج العلمي بدلاً من أن يبقى الجدل مستمراً حول ماهيته. ولو كان المنهج العلمي مُحدَّداً لتم سجن العلماء في اتباع منهج علمي معين. هكذا لا محددية المنهج العلمي تحرر العلماء من سجون منهج علمي واحد مُحدَّد سلفاً. فالحرية ماهية العلم. فلسفة الاختلاف لا تعني بالضرورة رفض فكر الآخرين، بل قد تصبح فلسفة قبول الآخر واختلافه الفكري حين تتبنى فلسفة السوبر حداثة. فتنوع المناهج دعوة لقبولها كافة وعدم التعصب لمنهج دون آخر ما يؤسس لقبول المختلف. الاختلاف مع الآخر والذات دعوة إلى استمرارية التفكير. فكر بلا اختلاف مع الآخر والذات فكر ميت.

غلاف كتاب "الايجابية المنطقية"  لـ اوزوالد هانفلينغ
غلاف كتاب “الايجابية المنطقية” لـ اوزوالد هانفلينغ
  • Oswald Hanfling: Logical Positivism. 1981. Blackwell
  • Karl Popper: The Logic of Scientific  2002. Routledge
  • Quine : From a Logical Point of View. 1953. Harper and Row
  • Paul Feyerabend : Against Method. Third Edition. 1993. Verso
  • Lee Smolin: The Trouble With Physics. 2006. Houghton Mifflin Harcourt

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s