لغزُ الألغاز في ديوان

“رَجُلُ المُستَحيل” لـ نَدى نعمه بجّاني

أ.د. فيكتور الكك والشاعرة ندى نعمه في ندوة عين زحلتا
أ.د. فيكتور الكك والشاعرة ندى نعمه بجاني في ندوة عين زحلتا
أ.د. فيكتور الكِك   

بدايةُ مسارها الشعريّ كانت امرأةً: نَدى؛ وكانت “نَدَياتٌ” مجموعتها الأولى، عام 1975. وحبّة العقد الأولِ المثلّثِ كانت امرأةً، أيضًا؛ فكانت ” امرأةٌ تحتَ الشّمس”، عام 2011. أمّا واسطةُ ثالوثِ عقدِها الجُمانيِّ فكان رَجُلاً؛ وكانَ ” رَجُلُ المُستَحيل!” عام 2013.

خرجت ندى نعمه بجاني من نرجسيّتها إلى الآخَر المستحيل، ليس آخَرَ عاديًّا، إنّه المثال، تصبو إليه عينا ” ندى “، تحاول أن تلتقط طيفه في حلك الظلام حيث تَشِفُّ الأجساد، وتتحرّر الأرواح من أحمال الحياة.

“كُن لحظةً لكلِّ أزمنَتي”

إلاّ أنَّ نرجسيّةَ “نَدى” تأبى أن يكون رجلُ المستحيلِ هذا هدفَها البعيد، فتعيدَه إلى حِمى المرأة، تقول:” كُن سيّدي/ ورجلَ المستَحيل/ مَغموسًا بعَرقِ حبّهِ/ شذيًّا مثلَ ورودي/ تتفتَّحُ لأجلي/ تَتَضَوَّعُ بعطري/ كُن لحظةً لكلِّ أزمنَتي”… ثمّ تدعو رجلَ المستحيل هذا إلى الاتّحاد بها، لأنّها، وإن دارت في مَداد ذاتها، في حاجة إليه:”إسكَرْ بي/ زُجَّني داخلَكَ/ في دُنيا لا أوّلَ لها ولا مُنتهى/ فأرتَمي على صدركَ/ كَليلٍ خلعَ ثوبَه/ تَعرّى بطُهره/ جمعَ كتلَ حبِّهِ وخضعَ لجمامِك”… الرّجلُ المستحيلُ محورُ كلّ قصائد ” ندى ” في هذه المجموعة. عناوينها قد تخدعك، أحيانًا، بأنّها تتوجّه لسواه، فإذا توغّلتَ في النّصّ تبيَّنتَ أنه هناك، مباشرةً أو مداورةً. إنّها ممتلئةٌ نعمةً به، ولا عجب فهي ندى نعمه! والمستحيل بجانبها!

لا سأَمَ في مجموعة “رجلُ المستحيل” من مزاوجته، من الاتّحاد به، لكأنّها المتصوّفُ النّاهدُ إلى الاتّحاد بربّه، إلى المَحْوِ، إلى الصَّحْوِ، إلى تواتر الحالات. أحاسيس نَدى تشفُّ، ومشاعرها تصفو كغيوم سارحة بعد زخّات مطر.

شِعرُها هدأةُ اللّيلِ بعد إعصار، والطبيعةُ المجسّدة في تشابيهها واستعاراتها تتوالى مشاهدُها عاصفةً، مطمئنةً، وكهذا عشقُها، فهو هدّار هادئ، في آن. أليست حياتنا مجموعة أضداد؟ ضحك وبكاء، فرح وحزن، كرم وبخل، شجاعة وجبن. أليست الطبيعة أضدادا بأضداد؟ نور وظلمة، ليل ونهر، مطر وصحو.

ضدّان لما استَجمعا حَسُنا.. والضّدُّ يُظهرُ حسنَهُ الضِّدُّ!

لغزُ الألغاز

إنّه الإنسان! أُحجيةُ الأحاجي، لغزُ الألغاز. يأتي إلى الحياة حائرًا محيِّرًا، ويمضي حائرًا محيِّرًا. ألم يقُل أبو العلاء المعرّيّ: والّذي حارت البريَّةُ فيهِ .. حيوانٌ مستحدَثٌ من جمادِ!

هذا التّناقض في الأحاسيس، في المشاعر، في المواقف من رجل المستحيل ترجمته” ندى” في مسار مقطوعاتها باستعارات غريبة عن المألوف، فحكاياتها بلون أسرارها، وهل للأسرار لون؟ وهل الشّوق خنجر يُغمَد؟ إنَّ الغِنى كلَّ الغِنى في تآلف الأضداد لدى النّفوس الكبيرة. ألم يكن قدّيسون كثيرون فاسقين في بدايات حياتهم؟ وإذا بهم يحوّلون طاقات فسقهم عزوفًا عن الدنيا وبخور قداسة.

إنَّ زهدَ أبي نواس في توبته الشغّافة تجاوز زهد أبي العتاهية الذي لم تُتَعْتِعْهُ الأحاسيس والمشاعر المشتعلة كزهد أبي نواس فإذا به يتجاوز مواعظ أبي العتاهية الباردة إلى الاحتراق بنار التوبة.   تقول “ندى” في مقطوعة بعنوان “حكاياتٌ بلونِ أسراري”: ” وَكانَ أَن أَحْببتُ/ فأغمدتُ الشَّوقَ في صَدري/ وأطَعْتُ أمرًا لا تاريخَ لَه/ وكانَ لقلبي أن سُجنْ/ داخلَ اسمٍ ملوَّنْ/ وَحوكمَ لذَنبٍ لمْ يقتَرفْهُ/ في خطيئةٍ لمْ يرتَكبْها/ إذْ عَرَفوا/ أنَّكَ المطرَ والدِّفءَ والبردْ”…

الأمر الآخر الذي يستدعي النظر في رحلة الأضداد الطويلة التي لا هدف لها سوى ذاتها، أنّها رحلة تبدعها الكلمة. الكلمة عند “ندى” سرُّ الإبداع. إنّها نابضةٌ حياةً، حركةً، غرابةً، ملوّنةً كقوس قزح، وكثيرا ما تأخذ بيد الفكرة إلى حيث تريد. فهي ” تزرع لون الورد”، على حدّ تعبيرها، وتطلب بغرابة، السّقيا بليلة عذراء لا بخميرة رعناء، والليلة ليست حمراء اللذة، بل هي عذراء، تقول جامعةً كلَّ ذلك في عبارة واحدة “إسقنيها ليلةً عذراء”.. و”اللّيلُ يَأْتَنقُ ثوبَ البهاء” ص37، والصمت نقيض الكلام فالحركة، يتبعثر فيتحرّك في كلماتها، تقول ندى: “تُبعثرُ صمتَ جسدِها” ص 38.

***

وكما ألمحْنا، سابقًا، لندى مهارة في استبدال خاصّةِ كلِّ حاسَّة من حواسّ الجسم. فالصوت من حاسة السمع، واللّون من حاسّة النظر، إلاّ عندها، حيث تقول مستبدلةً حاسَّةً بأخرى: ” وحين تمرُّ.. يصيرُ زمني بلون صوتك” ص 132.

وبعد، يُقال في ندى نعمه بجّاني وديوان شعرها “رَجُلُ المُستَحيل” الكثير، لو استطعتُ تسميرَ دائرة الزّمان، وأن تُزوى ليَ الأرضُ بين دير القمر وعين زحلتا، لكن، ما الحيلة؟ فالأول متحرّك لا يثبت على محال، والثانية جامدة إلاّ للأنبياء وأصحاب الإيمان بقدْر حبّة الخردل.

ألا بورك لندى هذا المنزلُ من منازل السائرين إلى جبل القاف ووكر العنقاء، وبورك نشاط القيّمين على هذا المنتدى في أرض “الشّوف”، أرض الأحرار الّذين خلّفوا الظّلم وراءَهم، ونشدوا الاستقلال ورفعوا للحريّة والتّآخي شوفًا أعَزُّ وأطولُ.

*  كلمة البروفسور د. فيكتور الكك في ندوة حول ديوان “رَجُلُ المُسْتَحيل” للشاعرة ندى نعمه بجاني، أقيمت في مركز سليم سعد الثقافي عين زحلتا – الشّوف.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s