ندى عيد

“شربتُ من عينيكِ/بحرًا/وبقيَ عطشي/إلى نظرة”

الياس بو لطّوف: “أقلامي ترفضُ الكتابةَ إلاَّ لكِ”!

الياس بو لَطوف
الياس بو لَطوف

الياس بو لَطوف… شاعرٌ شفّاف يحترفُ جنيَ العطرِ، لكنّه يحتفظُ بهِ لنفسِهِ!

بهذه الكلمات عرّفني الشاعرُ جوزف أبي ضاهر الى صديقِهِ الغارقِ في الأناقةِ المنضبطة، وهي أناقةٌ تنسحبُ على كلِّ ما فيه، أيّ مظهرًا وأسلوبًا وحديثًا ومقاربةً.

منذُ ذلك اليوم، وزياراتُه تعني وقتًا مستقطعًا للتنزّهِ بين الجمالاتِ، لا بل للدخولِ إلى واحةٍ تَرْفِدُ بالأحاديثِ الشيّقةِ حتى وجدتَني أشاركُهُما صداقةَ عمرٍ، وُلِدتْ بينَهما قبلَ أنْ أولد!

***

جيّرا  لي صداقةً أعتزُّ بها وفتحتْ لي بابَ الاستماعِ والاستمتاعِ برواياتٍ وطرائفَ ومواقفَ عاشاها في “زمنٍ جميلٍ”، وهي ذكرياتٌ قادرةٌ على قطفِ الضِحكَةِ من الصميمِ وإعادةِ البريقِ إلى العينين، فتضيءُ الوجوهَ لنلمحَ شقاواتٍ يعفّان عن ذكرِها علنًا فتقومُ الإيماءاتُ والتورياتُ بالواجبْ!

***

"لأنّي لك ابنًا"
“لأنّي لك ابنًا”

مع صدورِ الباكورةِ الأولى “حلوتي قمر النهار”، خفّفَ بو لطوف عنهُ تُهمةَ الاحتفاظِ بالجنَى لنفسِهِ.

اليوم، يفرُشُ أمامَنَا ربيعًا غنيًّا مكتملَ العناصرِ والحضور، ويشرِكُنا فرحةَ ولادةِ توائِمه الثلاثة، “زهرٌ ونحل”، “أشهدُ كنتُ هناك” و”لأنّي لك ابنًا”.

يقولُ إنّها “كتابات وقعت عفوًا على الورق”، وأوراقُه هذهِ مبلّلةٌ بعطرِ الحبيبةِ ذاتِ الحضورِ الطاغي والتفاصيلِ الجميلة، فيقولُ لها:

“مغريةٌ وجميلةٌ/تفاصيلُك الصغيرة /وأنا أحبُّها./ في الليلِ /أقفلُ عليها الرموش/ويغالبُ السهرُ غفوي./في الصباحِ /أتلمّسُها على الجفونِ/ندًى جميلاً/نضراً/يوقظُ الغفوَ/ ويرسمُ ابتسامةً /تحفظُ للنهارِ حلمَ ليلٍ/حاكتْهُ/تفاصيلُك الصغيرة”.

***

"زهر ونحل"
“زهر ونحل”

كتاباتُه “تراكمُ الهمسِ المرصودِ للمرأةِ الحبيبة” هذا ما يعلنُهُ بوضوحٍ في مُستهلِ الكتابِ الأوّلِ “زهر ونحل”، وما لم يَبُحْ بِهِ يتركُ لنا دهشةَ اكتشافِه، لا بل استشفافِه ممّا وراءَ الكلمات، وما بينَ السطورِ، فحبيبتُه هي مَقْصَدُ النهرِ، ومليكةُ الفراشاتِ، واختصارُ الزهرِ البرّيّ، وآمرةُ الليلِ والنهارِ، والمتربعةُ على عرشِ الأسرارِ، تخبّئُها في قلبِها، ولا نعرفُ من هذه الأسرارِ إلاّ ما سقَطَ سهوًا على حفافي الطرقاتِ وحيثُ تركتْ آثارَ مرورِها الساكنِ في المسامِ وحدقاتِ العيون.

لها وحدها كتبَ، فهو يقول:

“على الهواءِ /كتبتُ لكِ القصائدَ/مضى الهواءُ/ ومضيتِ/إقرئي/لو عرفتِ/على الهواءِ/القراءة”.

“على المياهِ/كتبتُ لكِ الرسائلَ/مشتِ المياهُ/ومشيتِ/إقرئي،/لو عرفتِ/على المياهِ القراءة”.

“على بياضِ عينيَّ/كتبتُ لكِ/شهقةَ الدمعِ لحنًا/وانتظرتُ/لأسمعَ/إن ما كتبتُ تدندنين/كتبتُ لك … كتبتُ لك!”.

وليحسمَ اللغطَ ويقتلَ الشكَّ لديها، يقول:

“أقلامي ترفضُ الكتابةَ إلاَّ لكِ”!

***

"أشهدُ كنتُ هناك"
“أشهدُ كنتُ هناك”

هذه الكتاباتُ الموزعةُ على الإصداراتِ الثلاثة، يصفها بو لّطوف بأنَّها “ما تناثرَ من حلقاتِ هذه السلسلةِ من طقوسِ المرور”، فهو أوقفَ قطارَ الوقتِ في محطةِ الكلمةِ وحصَدَ ملءَ يديهِ من لونِ القمحِ وبركةِ الزيتون واشتهاءِ الدفء، وقدّمَ لنا بطاقاتِ عبورٍ تأخُذُنا إلى عنابرِ غلّةِ العمرِ، وتقرأ على مسامِعنا رسائلَ الحبِّ والخيبةِ والشوقِ والانكسارات، وتعيدُ رسمَ الأحلامِ الضائعةِ في ضجيجِ الوجوهِ ولهاثِ الأيامِ، ثم تُرجِعُنا إلى نقطةِ البدايةِ محمّلينَ بشوقِ الاستزادةِ أكثرَ فأكثرَ، فنستعينَ بما قالَهُ حينَ اختصرَ غايةَ الشوقِ لها قائلاً:

“شربتُ من عينيكِ/بحرًا/وبقيَ عطشي/إلى نظرة”.

ها هو الياس بو لطوف يأخذُنا، يطوفُ بنا في بحرِ جمالاتِه، ويُعيدنُا عطشى إلى المزيد!

الـ ندى عيد
الـ ندى عيد

___________________________

*مداخلة عن الكتب الثلاثة في ندوة أقيمت ببلدية الجديدة – المتن.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s