الزَّواج عَبرَ التّاريخ

زواج... بريشة الفنانة التشكيلية فريال فياض
زفاف… بريشة الفنانة التشكيلية فريال فياض
د. نسيم شلهوب

يبدو أنَّ سِفرَ التّكوينِ ليسَ إلّا قصّةً أو روايةً حديثَةَ التّكوينِ بالنِّسبةِ لعمرِ الخليقةِ، ومن تفاصيلِ أحداثِها تَثبُتُ حداثتُها، إذ أنَّها أتتْ على ذكرِ مُمارسةِ الزّراعةِ على يدِ “قايين”، وذَكرَتْ مهمَّةَ الرّعيِ للماشيةِ بعدَ تدجينِ الحيوانِ على يدِ”هابيل”، ومنَ المعلومِ أنّ هاتينِ المُمارسَتَينِ عُرِفتا في حَقبَةٍ مُتقدِّمةٍ من التّاريخ، وبعد مرورِ كمٍّ لا يُستهانُ بهِ من العصورِ وآلافِ السّنواتِ وليس مع آدمَ في بدءِ الخليقةِ. كذلكَ مفهومُ العائلةِ المؤلَّفةِ من أبٍ واحدٍ وأمٍّ واحدةٍ والأولاد هو تقليدٌ مُحدَثٌ لم تعتمِدْهُ بعدُ كلُّ الأديان، ولم تعرفْهُ الخليقةُ إلّا بعدَ انقِضاءِ آلافِ السّنين لا بل ملايينَها على بدءِ سيرةِ الخَلقِ، وبعدَ اكتشافِ الإنسان لفضيلةِ التّعاونِ الجَماعيِّ في حياةِ الزِّراعةِ والاحتماءِ من خطرِ الحيوانِ، والتّوقُّفِ عن مسيرةِ التّشرُّدِ لِصالحِ المُكوثِ في مكانٍ واحدٍ بالقربِ ممّا زَرَع وبانتظارِ مَوسمِ القطاف .

وفي مُراجَعَةٍ سريعةٍ لأحداثِ التّاريخِ وما حَمَلتْهُ آلافُ صفحاتِهِ نقرأ: كم سَعى الإنسانُ وراءَ رزقِهِ شاردًا في بِطاحِ الأرضِ وبَراريها الخَطِرة، مُعذَّبًا من قَساوةِ ظروفِها، مُتألِّمًا من ضراوةِ حيوانِها ووعورةِ مَسالكِها، يبحثُ عن ثَمَرٍ أو عشبٍ، قد يكونُ في بعضِ الأحيانِ سامًّا، يقتاتُ بهِ، يُغنيهِ عن جوعٍ لفترةٍ قصيرةٍ، وفي بعضِ الأحيانِ يُصادِفُ حيوانًا ضعيفًا يقتلُهُ، يأكلُ لحمَهُ ويكتسي بجِلْدِهِ، وكثيرًا ما أضحى هو لُقمةً سائغَةً لحيوانٍ ضارٍ.

لم يعرفِ الإنسانُ الإسقرارَ والعائلةَ إلّا بعدَ انقضاءِ عصورٍ مَديدةٍ كالعصرِ الجليديِّ والعصرِ الحجريِّ وما تلاهُما من عصورِ التَّخلُّفِ المديدةِ، بل كانَ فَردًا ضعيفًا تائهًا يخافُ الآخر، وقلّما اصطحبَ أُنثاهُ في بَحثِهِ عمّا تَجودُ عليهِ الأرضُ من ثَمَرٍ أو نباتٍ، وبما يلتقيهِ من ضَعيفِ الطَيرِ والحيوان.

***

هكذا استمرَّ الإنسانُ البِدائيُّ يهيمُ مُنفردًا أو بصحبةِ أُنثى تبقى إلى جانِبِهِ فترةً قد تقصُرُ أو تطولُ وفقَ ما تقتضيهِ الحاجةُ وما تَفرضُهُ ظروفُ الحياةِ القاسيةِ من مأساةٍ وجَورٍ، وما تَستلزِمُهُ طبيعةُ المكان من حذرٍ وصعوبةٍ في التّنقُّلِ.

بعد عصورٍ كثيرةٍ وسنواتٍ طالَ عدُّها عَرَفَ الإنسانُ الزّراعةَ الّتي قادتْهُ إلى حياة الجماعةِ في السّهول وقربَ منابعِ المِياهِ ومَصبّاتِ الأنهرِ، هناكَ اكتشفَ فضيلةَ التّعاونِ والاستقرار والالتزامِ بالآخرِ، واضطُرَّ إلى انتظارِ المحصولِ سنةً بعدَ أُخرى فنشأتِ التّجمُّعاتُ والدّساكرُ والقُرى، ومن هُناكَ بدأتْ نُواةُ العائلةِ تتكوّنُ بمَفاهيمِها البِدائيّةِ. وفي كلِّ تلكَ الأزمِنةِ لم يكنْ لِمفهومِ الزّواجِ الأحاديِّ أو المُتعدِّدِ أيّ أثرٍ، ولم يكنْ هذا النّمطُ المعيشيُّ عادةً أو تقليدًا، بل كانتْ كلُّ النّساءِ لكلِّ الرِّجالِ والعكسُ صحيحٌ، يلتقونَ صدفةً، يتعاشَرونَ بالغريزةِ لفترةٍ لا تحكُمُها شريعةٌ ولا تَرعاها قاعِدةٌ، وقد تُنجِبُ المرأةُ طِفلَها بحضورِ عَشيرها وغالبًا بعدَ رَحيلهِ أو ضَياعِهِ، وفي كثيرٍ منَ الأحيانِ يكونُ الأبُ مجهولًا لكثرةِ رجالِ المرأةِ الواحِدةِ.

قد تلتزمُ الأمُّ تنشئةَ طفلِها وحيدةً، إن استطاعَتْ، وقد تُجبرُها قَسوةُ العَيشِ وصَلَفِهِ على تَركِهِ فريسةً لنوائبِ الدّهرِ أو ضحيّةً لفرائضِ الطّبيعةِ.

نتيجةً لعدَمِ مَعرفةِ الأبِ في غالبِ الأحيانِ نشأت عائلةُ الأنثى الأم وغابَ الأبُ ومعهُ غابَ دورُهُ الفاعلُ. ومع تطوّرِ الأجيالِ عَرَفتِ البشريّةُ المجتمعَ الذّكوريِّ لتفوُّقِه بقوّتهِ العضليّةِ، ومعهُ ظهرتْ عائلةُ الـ ” طوطمِ” او الأب الأعلى للعشيرة وهو الجدُّ الأكبر المُهيمن على سائر أفرادِها، لهُ جميع نسائها، حتى اللّواتي يُفترضْنَ بناته، ولا يُمكنُ لسِواهُ مُعاشرةَ إحداهُنَّ إلّا إذا سَمَحَ هو بذلك، وهو الشّخصُ المرهوبُ المحبوبُ والمكروهُ على السّواءِ في آنٍ معًا.

***

بعدَ مَرِّ الدّهور وانتظارٍ طويل عَرفتِ البشريّةُ حياةَ الأُسرةِ المؤلَّفة من أُمٍّ أو أكثرومن أبٍ واحدٍ معروفٍ يُلازمُ أُسرتَهُ، يتعاونُ وإيّاها على مواجهةِ رزايا الأيّام، توفيرِوسائلِ العيش وتأمينِ حِمايتِها. ومعَ استشرافِ وجودِ الله والشّروعِ في عِبادتِهِ والتزامِ تعاليم أنبيائهِ ورسُلهِ بدأتْ حياةُ البشرِ تعرفُ بعضَ الانتظامِ والتّنظيمِ، وأصبحَ الكيانُ العائليُّ من اهتماماتِ الشّريعةِ، وأضحتْ العائلةُ وَحدةً إجتماعيّةً لها مُكوِّناتها من صِلةِ قرابَةٍ إلى امتِلاكِ أرضٍ تقومُ على حِراثتِها وزَرعِها وجَني مَحاصيلِها. كان ذلكَ في العالَمِ القديمِ مع الزّردشتيّةِ واليهوديّةِ وما عاصرَهُما من شعوبِ البحرِ الأبيضِ المُتوسِّط من حضاراتٍ كالفينيقيّةِ والكنعانيّةِ وغيرهُما.

إلا أنَّ الزّواجَ المُلتزمَ بأحاديّةِ الطّرفَين إمرأة واحدة لزوجٍ واحدٍ لم يُعرفْ قبلَ المسيحيّة، وعلى سبيل المِثالِ نذكرُ المَلكَ سُليمان الحَكيم الّذي تزوّجَ من ألفِ امرأةٍ بين حرّةٍ وجاريةٍ، وغيرهُ كثيرون عرفوا الزّواجَ من نساءٍ كثيرات، حتّى جاءَ السّيّدُ المسيح بتعاليمِهِ الّتي ربَطَتْ بين رجلٍ واحدٍ وامرأةٍ واحدةٍ برِباطٍ أبديٍّ اعتُبرَ سرًّا إلهيًّا، لله وحدهُ أن يربِطَهُ ولهُ وحدهُ أن يحلّهُ، وأصبحَتْ العائلةُ الشّرعيّةُ مؤلّفةً من أمٍّ واحدةٍ وأبٍ واحدٍ والأولاد، إلّا أنَّ هذا التّشريعَ لم يُعَمَّم على كلِّ المُعتقداتِ، لأنّنا حتّى الآن نجدُ أكثرَ من مُعتقدٍ يُجيزُ تعدُّدَ الزّوجات لرجلٍ واحدٍ.

أمّا بالنّسبةِ لزواج الكَهَنةِ في المسيحيّةِ فما كانَ جائزًا لآجالٍ كثيرةٍ غدا ممنوعًا في أيّامِنا هذه، ففي المسيحيّةِ الأولى، حتى القرون الوسطى، كان للكاهنِ أن يتزوّجَ وما من مانِعٍ يحولُ دون ترقيتِهِ في سلكِ الكهنوتِ حتّى بلوغِ السدّةِ البطريركيّةِ ولا يُعيقُهُ زَواجُهُ في شيءٍ. أما الآن فيحقُّ لمُتزوِّجٍ أن يُصبحَ كاهنًا ويقفَ عندَ هذا الحَد من دونِ تدرُّجٍ في سلكِ الكهنوتِ، ولا يمنعُهُ زواجُهُ من أن يكونَ بارًّا تقيًّا، إلّا أنّهُ لا يحقُّ للكاهنِ العازبِ أن يتزوَّجَ لأيِّ علّةٍ كانتْ إذ يمنعُهُ سرُّ الكهنوتِ من مُمارسةِ سرِّ الزّواجِ، هذا يعني أنّهُ منَ الجائزِ لسرِّ الزّواجِ أن يسبِقَ سرَّ الكهنوتِ ويحدَّ من ترقياتِهِ، ولا يجوزُ له أن يَلحقَ بهِ.

هذه مُطالعةٌ موجزةٌ حولَ الزّواجِ والعائلةِ، عبرَ التّاريخِ والعصورِ مَرَرْتُ بها سَريعًا فوق مُمارساتِ الشّعوبِ من خِلالِ مُعاشرَةِ الرِّجالِ للنّساءِ، من دونِ ارتباطٍ إلى الإرتباطِ الجزئيِّ والمُتعدِّدِ وصولًا إلى الزّواج المعهودِ في أيّامنا هذه، رجلٌ واحدٌ لامرأةٍ واحدةٍ يسهرانِ على عائلةٍ تُعتبَرُ مُبارَكَةً من عند الله.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s