العابر إلى… الحياة

د. ناتالي الخوري غريب
د. ناتالي الخوري غريب
د. ناتالي الخوري غريب

وحيدًا يمرّ العابر في المدينة. يبحث عن ذاته التي أضاعها يومًا. في يمناه يحمل قنديل ديوجين، وفي يسراه يحمل حَدْسًا لم يصل إليه النور. وما أبصر الحفرة المستطيلة في الدرب الطويلة.

***

دورة إثر دورة، يجدّد العابر عودته، مثقلًا بآلام قديمة، علّموه بأنّ الخلاص في خشبة، يحملها على كتفيه؛ خشبةً صار، في نعشٍ من زوايا مستديرة، والحكمة تستعيد مجدها في حكايا من جروح مستديمة.

***

طفلًا كان، من دهشة؛ وكان العبور من غيبوبة؛ ومجاهل الظلمة شاهدة. فجأة كبيرًا صار،  وكان الوعي؛ فجفل العابر مّما وعى، على مفرق من قرار: في الهروب، رقصٌ تحت أعين السماء، في زخّات من مطر، وفي العودة إلى الغيبوبة، عيشٌ في مطبّات الجهل والحفر؛ وفي الوعي كلّ الألم…

***

وعى متأخّرًا  تواطؤ التاريخ مع الزمن، وأنّه لن يُذكر في خبر كان، فالزمن لا ينتظره، والتاريخ يسجّل الأحداث الكبيرة المحرّكة للآتي، وهو مسكين، شريد الأرض والسماء. وفي قلوب مَنْ مرّ مرّة، كان ضيفًا وعَبَر.

***

وصار يحمل منفاه في قلبه، بعدما اعترفت له الأرض أنّها ليست منه وليس منها، وصار يبحث عن بقعة أخرى: من عدم، من فضاء لا همّ، لم يجد. والمجرّات الأخرى بعيدة بعيدة، الصوت لا يضيء، والضوء أخرس لا يصل.

***

وخبر العابر في ترحاله  متعة الصفحات الأبكار،  فأخذ عهدًا على نفسه تثقيف ريشة جديدة، لا تُغمّس إلا في محابر الانعتاق، لأن السطور حين تُكتب، تحبّ أن تستعرض بلاغة شوقها في الهواء، لتتلو بيان الندى على من تشاء…

***

وراح يؤسّس لهويّة جديدة، تعبّر عنه وينتمي إليها، ما وجد اسمًا يناسبه، ولم يسعه منزل إليه يأوي. والأوطان التي مرّ بها، ضاقت به وضاق بحدودها.

***

اصطدم بالموت، أخبروه أنّه حياة جديدة، يسمّونها قيامة، من نصيب الأبرار، وفي البرّ أشواك الدرب كثيرة،  ضمانةُ بلسمها في العالم الآخر. والإيمان مسكّن الألم. وفي الغياب حكمة الخبز في تغذية الضمير، والخمير هنا فاسد، صالح هناك. والماء هنا يُميت، يُحيي هناك… وال”هنا” محطة حتمية لل”هناك”.

***

رفض أن يصدّق ما جاء في الأساطير، وقرّر كتابة “أسطورته الشخصيّة”، لم يعنه القلم؛ خيميائيُّ كويللو كاذبٌ، وقولةُ محمود درويش”بأنّ على الأرض ما يستحقّ أن يعاش”، شعار غير محقّق إلا في حيّز الوعد.

***

حاول أن يدرك الغاية من وجوده، وأنّه خُصّ بفكّ الأسرار والرموز في سلوك المتاهة التي تنتهي بالجنّة. وأن ثمّة ظلالًا لها هنا، متى أدركها أدرك تلك. أحبّ المتاهة، وما عاد يريد الخروج منها، مدركًا أنّ السعادة في معاقل بعيدة لا تطال، تحرسها وحوش لا تروّض، ولا رضاها، يُنال. وما تمرّد.

***

ويجول العابر في الدّنى، يعبر قارّات ومحيطات، وفي الجيب زوّادةٌ من أسئلة خصبة في تناسلها، والإجابات عنها في الخارج عاقرات، يحاول تبنّي بعض ما يناسب تقلّباته، ولا يقتنع.

***

هذي ملحمة العابر، وكلّنا عابرون… هذي قصّة الهارب من الأرض التي يحرقها من أجل لحظة يعيشها، لأنّه يعرف أنّ قيمته لا تساوي إلا اللحظة… وكلنا هاربون، إلى أن نقنع بضرورة العبور من ضفّة إلى أخرى، ولا بديل من جسور العبث.

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s