رسالةُ حبٍّ

الى طلابي في الفرير طرابلس!

مدرسة الفرير - طرابلس
مدرسة الفرير – طرابلس
انطوان السبعلاني

وطلابيَ اليومَ هم النازلون في قلوبنا، وفي  وجداننا  على  الذكريات الألف، في مدرسة الفرير،  طرابلس . ألمدرسةُ العملاقةُ التي إليها ننتسبُ جميعاً. وأكرمْ بهِ من نَسب!  وبَنُوكِ يا أمَّ البنين، هولاءِ المنتشرون في لبنان، وتحتَ كل سماء، ما زلت أذكرُهم واحداً، واحداً. ومن أسمائهم أنا أعرفُهم، ومن نخْوتهم، واندفاعِهم ،ووفائهم أنا أعرفُهم، ومن خفقةٍ في  جوانحي أعرفُهم: “أنا أعرفُ الأحبابَ مِنْ/لمْسِ الثّيابِ ومن يَديَّا”.

ويا طلابيَ في المدارس العشْر التي علمت فيها: في الشمال الحبيب، وبيروت، وفي جبل لبنان، وفي الجامعة اليسوعية، كلكم كلكم نحبُّكم، لكنِ اسمحوا لي أن أعود بطلابيَ القدامى الى هاتيك السنين الأطيب في معهد الفرير الذي ضوَّى علينا جميعاً، وأطْلقنا في العالمِين ، والذي يهزُّنا، ويهزُّنا  الحنينُ الى ملاعبِه،والى أشجاره ، ومسرحه و مقاعده الخشب، ونقول مع   الأخطل الصغير: “هلاَّ رجَعتَ بنا الى/ زَمن الشَّبابِ، الى هناكْ…”.  وبنا حنين الى تلك المدرسة القلعة التي كانت في جيرة قلعة طرابلس …ألمدرسة العائشة على الدهر في قلوب أجيال وأجيال، أضْحَوا رسلَ علم، وحبٍّ، ووفاءٍ في دنيا الله الواسعة… وكأن المتنبي عناها قبلَ أن تكونَ بقوله: “لكِ يا منازلُ في القلوبِ منازِلُ/أقفرْتِ أنتِ وهُنَّ منكِ أوَاهِلُ”.

ويا طلابيَ الأحباءَ الذين كنا هنا في هذا الصرح التربوي منذ أكثرَ من خمسين عاماً كأنها أمسِ أو أولُ من أمسِ ها هنا في فيحاءِ الحب والوفاء ومصنع الوطنية… نحن وأنتم من، ها هنا، انطلقنا ،وما زلنا على تلك  المبادىءِ عائشين….

يا طلابيَ من هاتيك السنين، أنا أعترف الساعةَ أمامكم أني البارحةَ منذ خمسين ويزيدُ حملت الطبشورةالبيضاءَ الأولى معلماً وأنا  أحملها اليوم كأنهاالأولى!

كأن اللوحَ الأسود، ألملعبَ، “الشنطةَ”، كأن جرسَ المدرسة، أللهُ، أللهُ على  العمرِ الممتدِ بين ضِفتيِّ الهُناكَ، والهُنا!  دنياي ها هنا… وأنا هاهنا . وبستانٌ من الذكرياتِ أخضَرُ!

ويا طلابيَ جئتكم اليومَ حاملاً على أكتافيَ أكياسَ الكتبِ، والطبشورِ والألف باء التي بِعتها، من سنين، فوقُ،في ساحة الضيعة  لإنَّ سلطانَ المدينة طرَدني، من مدينته، خوفاً من صوتٍ عالٍ يقول: بالحريةِ، وبالشَّمسِ، وبالكبرياء! جئتكم اليوم قلبي على يدي، والبسماتُ رضىً لإنيَّ هنا بين عشيرتي…

ويا طلابيَ الأحباءَ  جئتكم معترفاً أمامكم،و كاشفاً رأسي ،وخطاياي واحدةً ،واحدةً ،معلماً منذُ ما يزيدُ على الخمسين وأنا أقول، من  فجرِ دخوليَ، صدفةً، عالمَ المعلمين: إنَّ وصية” سقراط” العظيم لتلميذه، “كريتون”، وكانتْ آخر كلماته: نحنُ مديونون بثمنِ ديكٍ ادفعْهُ ،لاتنَس…

إن هذه الكلماتِ بكلِّ أباطرةِ أثينة!  وإن أبلغَ درس أعطاهُ هذا الشهيدُ المعلمُ  هو رفضُه الهربَ من السجن احتراماً  لقوانين أثينة، وإنْ جائرةً!

وكتبتُ بيدي، من هاتيك السنين، بالطبشورة البيضاءِ الأولى، أنا  كتبتُ: “ما دمتَ محترماً حقي فأنت أخي”. وكتبتُ:” إجعلني يا اللهُ فريسةَ الأسدِ قبلَ أن تجعلَ الأرنبَ فريستي” وقَدَمي على المالِ الذليل. ويا ربِّ كفافَ يومِنا.

ويا طلابيَ أنا أعترفُ أمامكم بهذه الحقيقة الثابتة: لو رجعت شاباً وقيلَ لي:أدخلْ كلية الطبِّ، وبعد أسبوعٍ تصير طبيباًمسؤولاً عن مستشفىً كبيرٍ لكنت رفضتُ لأنَّ ثوبَ الطبيبِ الأبيضَ يُوجِعُني كثيراً لحملهِ أوجاعَ الناسِ المعذبين! ولو قيلَ لي: ادخلِ المدرسة الحربية، وفي أسبوع تصير قائدَ جيشٍ، لقلت: أللونُ الكاكي، مع احترامي لِلابِسيهِ، يُذكِّرُني لونَ مخفر سبعل، عهدَ كنت صيَّاداً صغيراً في الضيعة.

ويا طلابيَ، لو رجعت شاباً، لقلتُ وبصوتٍ عالٍ: أريد أن أكون معلماً بالرغم من كل ما عرفت من عذاب واضطهاد، بالرغم من مكاتيب صرفي الستة من الخدمة جراءَ رفضيَ المساومة، وقراريَ الحرِّ حتى الجنون…. ولكنتُ قدتُ  الثورة   البيضاء على النقابة المزرعة، كما فعلنا في الستينات ولكنتُ استدنتُ تنكة البنزين، في تنقلي من  الشمال الى بيروت، وطوال ثلاثين عاماً، كي يبقى الصوتُ قوياً، وقوياً جداً…

ويا طلابي، ولقلتُ : “مشيناها خطىً كُتبتْ علينا/ومَنْ كُتبتْ عليهِ خُطىً مشاها”،ولكنني ، لقلت أخيراً:

Je le ferais encor si j avais a le faire…

“أسماؤكمْ  هَجَمتْ  عليَّا/فرأيتُكمْ  فيْها، وفِيَّا / فعرفتكُمْ مِنْ صوتكمْ/  مِن  رَفَّةٍ  في مُقلتيَّا/رحَّبْتُ  فيها  مثلما/  لو كنتمُ  أنتمْ  لديَّا/ أهلاً بوفْدِ  الحبِّ/فاْجَأني فَخَمَّشَ وجْنتيَّا/سقيكَ من كَرْمِ الوَفا/عِنباً وخَمراً سِبْعَليَّا/ألمانِعُونَ    قصَائدي/ هلْ أمَّموا الضؤَ السَّخيَّا/مَنْ يَعْلُ فوقَ المالِ يبقَ/الدَّهْرَ إنساناً  قويَّا/ بيني  وبينَ  أحِبَّتي/  سرٌّ  يقرِّبهمْ  إليَّا/ إنِّي ختمتُ رِسالتي/ وكأنَّني ما قلتُ شَيَّا”.

حاشية: ويا عشيرةَ مدرسة الفرير طرابلس، المنتشرةَ في لبنان وفي القارات جميعا والمتواصلة في أفراحها،وفي أحزانها، تحية لكم و لرسائل فيليب قندلفت التي تذكرنا بالرسائلِ الفاتيكانية، وقد يأتي يومٌ يخاطبنا فيها بلغة المتنبي!

بمحبة

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s