كلّنا مزاجيّون

د. ناتالي الخوري غريب
د. ناتالي الخوري غريب
د. ناتالي الخوري غريب

كلّنا مزاجيّون، نعم، وصيّادون في مهبّ البحر وأهوائه؛ أمواجُه تحدّد مسارَ قواربنا، والعواصفُ توقّت مواعيد رحلتنا… والسمك قريب منا وبعيد، والشِّباك لا تُؤمن نوافذها، والطعم قد يغدو لنا فخًّا. هكذا نحن، مزاجيّون مرتهنون لظرفيّات تتحكّم بنا، ولأفلاك نربط حركتها بتحرّكاتنا.

كلّنا مزاجيّون، ولنا في مزاجيّتنا فنون، اعترفنا بذلك أم لم نعترف.

في المزاجيّة تمرّسٌ في الحريّة، وصدقٌ مع الذات في تحرّرها من ربقة المكبوت والمقموع، في أن تعبّر عن انفعالاتها من دون قيود؛ وهذا ما نفتقده في المنظومة العلائقيّة الاجتماعيّة التي ترسم لنا ما يجب وليس ما نحن عليه. والتقلّبُ يصبح إيجابيّا يحمل ديمومة الاتزان في إمكانيّة إيجاد البدائل… ألا تغنّي الطيور على هواها، لمن تشاء، وكيفما تشاء؟! ألا تثمر الأرض على هواها بما يلائم مناخها؟ ألا تتساقط الأمطار في فصل الصيف؟!

في المزاجيّة استسلامٌ لمشاعر ضبابيّة نحافظ عليها تارة، وتارة نحاول إلغاءها، وغالبًا ما تترافق مع التيه عند غفلة الوعي. وحدهم الضائعون مزاجيون، وكلّنا ضائعون… والفوضى حاضرة، تنتظر الفرصة، واللومُ منفذٌ، والعاتبون كثر، فنستدعي خبراتنا السابقة من الذاكرة، لنكرّر أخطاءنا عينها؛ نعلم ذلك، ونعيد… ونقع في فخّ إدانة الذات، ويحضر الضمير مؤنّبًا، بعد ان كان نائمًا، فتصرخ إواليّات الدفاع بإلقاء اللوم على التعب، والملل من كثرة العتب.

ويبقى أثبت ما في الحياة، تقلّباتها وتغيّراتها، في هذه التقلّبات يعيش الإنسان، ويريدون منه أن يكون ساكنا في حركاته، غير متقلّب في مواقفه. يقف على الشاطئ يرقب القوارب التائهة التي قد تصل وقد لاتصل…

حاسدون هم الذين يرقبون من الشاطئ من رحلوا وصاروا في منتصف البحر، يتمنّون لو كانت لديهم جرأة الإقدام، ومتحسّرون هم من أقدموا، لا هم بعد يستطيعون العودة إلى شاطئ الأمان، ولا يعرفون في أيّ ميناء سيرسون.

في كلّنا يعشعش الحزن والفرح معًا، الطموح والخيبة ومعًا، الإقدام والاستسلام، الحبّ والكراهية معًا. في كلّنا تناقضات كثيرة وكبيرة، تعيش في صراع دائم، من ينتصر منها يخرج مزهوا الى العلن، والآخر يقبع ينتظر فرصته ليعلن انتصاره، والصراع ليس داخليًّا فحسب، فالبحر تارة ساكن، وتارة هائج… والقارب في الوسط، والمجذاف تعوب.

هل المزاجيّة هي التي توقعنا في التناقضات الكبيرة، أم أنّ التناقضات التي نشعر بها هي التي تصنع المزاجيّة، وفق ما نريد أو ما لا نريد؟! فتجعلنا في حال من الإرباكات، لا نعرف معها أن نتّخذ قرارًا، لأنّنا نشعر بإحساسين مختلفين في اللحظة عينها. قد يسميها بعضهم مزاجيّة، لكنها تجسّد صراعًا يتخبّط فيه المرء ليجد مستقرا يلائم وضعه.

كلّنا يتحكّم فينا جموح تحقيق رغبات كثيرة. فيتغيّر المزاج أو حال الوجدان نتيجة اتساع الهوّة بين الواقع والتمنّي. ويصبح البحث عن السعادة هاجسًا في تحقيق هذا التمنّي، أو في خلعه… وما يقرّره الإنسان أو ضميره يحدّد أحواله وتقلّباته ومزاجه.

ليست المزاجيّة هلوسات انفعاليّة، أو ربّما تكون كذلك، لكنّها في الحالين محاولة إجابة عن الما بعد في الآن. وتبقى الربّما سيّدة كل المواقف، تتحكّم بها الظروف التي تجبرنا على رؤيتها كما تشاء.

كلّنا مزاجيّون حتى في طريقة السلام وردّ السلام وقراءة السلام… نعطيه المعنى الذي يناسب حالنا الوجدانية لحظتذاك.

قد يُؤخذ على المزاجيين تقلّب الأحوال والأفعال من دون أن ينظروا إليها على أنّها ردّات أفعال. وغالبًا ما يُؤخذ على المشتغلين بالأدب مزاجية تستحوذ على كيانهم، في غلّو الحال، ليصوّروا ما يعيشونه، صادقين أو متخيّلين، وينقلون تجربتهم إلى القارئ، وتقع الكوارث إذا صدّقها هذا الأخير أو نفاها. لكنّهم أناس متعبون من الحياة وتغيراتها، يحاولون التكيّف مع تلوّناتها، يتخبّطون في حيطانها وظلال أنوائها، يحاولون تعبيد دروبها، المتعرّجة، والهابطة، والصاعدة، ولن تستقيم.

المزاجيّون أناس حقيقيّون في انفعالاتهم وصادقون، ومن يجد في تقلّباتهم تناقضًا، لا يعرف كيف يقرأ أسباب ذلك، وهم يختلفون عن المتلاعبين بمشاعر الناس كأطفال يدركون أصول اللعبة، يمارسونها على من يهتمّ لأمرهم، ليحصلوا على ما يريدون.

المزاجية المرضيّة استثناء، والمزاجيّة العرضية، تجعلنا أحيانًا نطير من الفرح، أو نغرق حزنا على مرأى أمر بسيط نستحضر به كلّ آلامنا وكلّ أفراحنا…

يقول علم النفس إنّ المزاجيّين لا يرتبطون باللحظة، فإمّا انّهم يبقون أسرى الماضي، أم رهائن القلق من الغد، ولكن حين نتعلّم كيف نصنع أقدارنا ونجدّد ذواتنا، لا تغدو المسألة مسألة تحكّم بالمزاج، بل تغدو تعلّم فنّ خلق مزاج، يولّد طاقة إيجابيّة، تحلّي الباقي من العمر

Advertisements

One thought on “كلّنا مزاجيّون”

  1. “كلّنا يتحكّم فينا جموح تحقيق رغبات كثيرة. فيتغيّر المزاج أو حال الوجدان نتيجة اتساع الهوّة بين الواقع والتمنّي. ويصبح البحث عن السعادة هاجسًا في تحقيق هذا التمنّي، أو في خلعه… وما يقرّره الإنسان أو ضميره يحدّد أحواله وتقلّباته ومزاجه”. دائما الدكتورة Nathalie Khoury تعالج موضوع مقالتها من كل جوانبه، ولا تغادره من دون أن تترك لنا خلاصة قيّمة تعكس تصوّرها وحكمتها.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s