جوزف الغصين…

من اليمين: د. أنيس مسلّم، سعيد عقل وجوزف غصين
من اليمين: العميد د. أنيس مسلّم، سعيد عقل وجوزف غصين

هذا الشاعر الناسك

د. أنيس مسلِّم

لم أعرف في حياتي شاعِرًا نَذَرَ نَفسَهُ للشِّعْرِّ كما فَعَلَ صديقي جوزف الغصين. فهوَ، مُنْذُ عُقُوْدٍ، مُتنسِّكٌ في صَوْمَعَتِهِ الزَّحْليَّة، ينظمُ الشعرَ، على مدى النهارِ، في جيرةِ سجَّاداتِهِ العَجَمِيَّةِ المُتنوِّعةِ وأعوادِهِ المَمْشوقةِ، ذاتِ الأوتارِ بليغةِ الصَّمتِ والإيحاء.

تدخلُ محَلَّهُ في حي مار جريس، فيستقبلكَ ببشاشتِهِ المعهودةِ، وقَبْلَ أن يَعْرِضَ عليكَ فِنْجانَ القهوةِ والكَعْكَةَ المُحمَّصةَ، المُؤَمَّرَةَ، يستلُّ وَرَقَةً مِن على طاوِلَةٍ يكتبُ عليها قائلاً: “سماع هالبيتين الجدد”. ودونَ أنْ ينتظرَ الجوابَ، يَبْدَأُ بالقراءةِ وكأنَّهُ يتلو آيةً أو يُغازِلُ جميلةً.

يُمَثِّلُ جوزف الغصين بامتيازٍ تلكَ النُّخْبَةَ الصامتَةَ  التي يُظنُّ أنَّ لا صوتَ لها، في هذا المُجتمعِ الاستهلاكيِّ المُتردِّي والتي، في تقديري، سيكونُ لها، الصوتَ الأقوى، وربما الأكثر فعاليَّة في الآتي من الأيام. لماذا؟ لأنَّ التاريخَ كانَ يُنصِفُ الشُّرفاءَ منَ الشعراءِ والأدباءِ والفَنَّانينَ الذين كانوا، في حياتهم، من أصحابِ المبادِئِ، الزَّاهدين بالجاهِ، المترفِّعين عنِ التَّلفيقِ والمساومات ومَسحِ الجوخ؛ وهذا ما يؤمِنُ بهِ شاعرنا:

“كَتَبْتُ شِعْرًا حياتي مِلءَ قامَتِها،/بَعْدَ الفَناءِ لَعَلَّ المَجدَ يَكْتُبُني!” 1

ثَمَّةَ زُمْرَةٌ في لبنان لا يُسْتهانُ بها منَ “المُتوَجْهِنين” والمُتاجرين بالقيمِ والمبادِئ تَتجاهَلُ المُبدعين، وتصدُّ عامَّةَ الناسِ عن تَعَرُّفِهم؛ ويَذهبُ الأشرارُ منهم إلى حَدِّ تخدير الذاكرة العامَّة وتَعمِيةِ المواطنين ليحرمُوهم مِنْ رؤيةِ أفضلِ ما في مجتمعهم، عن طريقِ حفلاتِ تكريمٍ وتبجيلٍ وتبخير لغيرِ المُسْتَحِقِّين. هكذا يُخْرِجُ السَّماسرةُ والدَّجَّالونَ الناسَ من الجِدِّيةِ والاضطلاعِ بالمسؤوليَّةِ إلى العبثيَّةِ واللامبالاة، يُعِينُهُم على ذلكّ بعضُ محطَّاتِ التليفزيون بمشهديَّاتٍ لا تمتُّ بِصِلةٍ إلى همومِهم ولا إلى الأحداثِ الثقافيَّةِ والفنِّيَّةِ الجديرةِ بالذِّكْرِ، التي تشوِّهُ الذوقَ السليم؛ كأن لا يكفي المواطنَ طَوَفانُ الأخبار والإعلامِ المُسَخَّرِ والمُبْتَذلِ وما ينتجُ مِنْكُلِّ ذلكَ منَ فَوْضَى ذِّهْنيَّةِ وكَسَلٍ وجهل؟

مُتْعَة الأحلام

جوزف الغصين الصامتُ، البعيدُ عنِ الأضواءِ والضَّجيجِ مُبْدِعٌ، يدعونا في شِعْرِهِ المُتمَكِّنِ مِنَ التِّقْنيَّةِ، إلى أسلوبٍ خاصٍ بِرُؤْيَةِ الناسِ والأشياءِ، يُعِيْدُ إلينا مُتْعَةَ الأحلامِ وبَهْجةَ الأطفالِ وَهُمْ يشيدونَ برمالِ الشَّواطئِ قصورَهم، ويحْفِزُنا، في الآنِ عينِهِ، على الطموحِ والْبَدْعِ، وقد أهَّلَنَا لتذوُّقِ الجمالِ وبالتالي لبَرْئِهِ.

ويبدو لنا جوزف الغصين، أستاذُ الأدبِ العربيِّ، وكَأنَّهُ نقلَ صَفَّهُ من ثانويَّةِ البنات، في حيِّ الرَّاسيَّةِ حيثُ تجاوَزَ مُمَارَسَةَ التَّعْليمَ كأستاذٍ يؤَهِّلُ تلاميذَهُ للنجاح في البكالوريا إلى نَسْجٍ مُناخاتٍ شِعْرِيًّةٍ لتُهيِّئُ سامعيهِ لولوجِ ملكوتِ الشِّعرِ والتَّنَعُّمِ بنَعيمِهِ.

من هنا، أنَّ مُقاربَةَ مواضيعِهِ يَخْتلِفُ في جوهَرِهِ وشَكْلِهِ عن مُقاربات سواه؛ وبخاصَّةٍ موضوع المرأةِ. فالمَرْأةُ عندهُ ليست امرأةَ الدواوينِ والكتبِ، كما عند سعيد عقل وصلاح لبكي، ولا امرأةَ المِتعةِ والخيانة، كما عند نزار قَبَّاني والياس أبو شبكة، إنَّما هيَ الحبيبةُ والخطيبةُ والزَّوجَةُ والرَّفيقةُ والأختُ والأمُّ؛ هيَ بنتُ الحُلْمِ وبنتُ الواقِعِ وبِنْتُ الشُّوقِ والتَّوْقِ في آنٍ.

ثَمَّةَ علاقةٌ بين الفضيلةِ والحبِّ والسَّعادة، توقَّف عندها مُطوَّلاً آلن قُرْبان،Alain Corbin  في كتابهِ المُمْتعِ ” بناتُ الأحلام” Les Fillesde Reve شارِحًا الصِّلَةَ بينَ بناتِ الأحلام والسَّماء، أي بينَ الحبِّ، في أصفى مظاهِرِهِ، والجنَّةِ؛ وهذا ما نقعُ عليه في دواوينِ الغصينِ الغزليَّة.

القدِّيسُ أوغسطينوس أشارَ، غيرَ مرَّةٍ، إلى أنَّ للعَذْراءِ دَمًا ولَحْمًا ليسا منَ اللحمِ والدَّمِ؛ أي فيها شيءٌ من الملاكِ:

“دُنْيا بِلا “مَرْأَةٍ” صَحراءُ قاحِلةٌ،/بَلْ واحةٌ حُبِسَتْ في بالِ ظمآنِ/حَوَّاءُ في عَدَنٍ، مِن غيرِ ما رَجُلٍ/ليلٌ بِلا قَمَرٍ، شَمْسٌ  لِعُمْيانِ”2

القيم الأخلاقيَّة

يُحاولُ جوزف الغصين، في مُعْظَمِ قصائِدِهِ، إشْرَاكَنا في إعجابِهِ بالقيمِ الأخلاقيَّةِ التي رَبِيَ عليها، وفي إكبارِهِ المَبادِئَ السياسيَّةَ النَّبيلةَ التي أمست، معَ الأيامِ، رموزًا وطنيَّةً، أَرْسَخَهَا سعيد عقل في قَدْمُوس وغنَّاها الرحابِنَةُ وفيروز ووديع الصافي ونَصْري شَمْس الدين والشُّحْرُورَةُ صَباح:

“آخِدْ عَهْدْ ما خون وَعْدي والعَهْدْ/من قبل مَ الإيَّام تطويلي جناح” 3

يقضي جوزف الغصين أيامَهُ بعيدًا عنِ الأضواءِ، وهو بقَدْرِ ما يقتربُ من المُتنبِّي في التِّقْنِيَّاتِ والعنفوانِ والطموحِ، يَبْتعدُ عَنْهُ في العيشِ ببساطةٍ وتواضُعٍ، وأكاد أقولُ بِزُهدٍ؛ ويتمَيَّزُ عن كبيرِ شُعرائنا سعيد عقل بالحُنُوِّ والمرونةِ ورَهافَةِ العلاقةِ التي يمتازُ بها الآباء عن الذين ظلُّوا في العزوبَةِ ولم يتَذوَّقُوا أطيابَالعطْفِ الأبويِّ ولا الودادَ العائليَّ وزَهوَ أنْسَامِهِ.

إنَّهُ من قلائلَ يُتْقِنُونَ الْغَوْصَ في أغوارِ الشعرِ؛ ضليعٌ في حقولِ اللُّغةِ والإيقاعِ، وبعيدٌ عنِ المساومةِ والتواطؤ، من هُنا تَفَرُّدُهُ في وُلُوْجِ الأعماقِ سَعيًا وراءَ اللؤلؤِ. صادِقٌ تُراثيُّ النَّخوةِ والوفاءِ؛ بكُلِّ قلبِهِ وعقلِهِ يُحِبُّ زحلةَ؛ يراها أمَّ الدُّنيا ولا يضنُّ عليها بغالٍ أو ثمين، ويَضِيمُهُ أنَّ بَعْضَ شُعَرائِها، لا يكتبونَ بأقلامٍ برجوازيَّةٍ وحَسْبُ، بل يتصرَّفونَ كأنَّ جُرْثُومَةَ الجاهِ وَوَباءَ عِبَادةِ المالِ أصاباهم، فَغَدَوْا مَرْضَى لا أملَ في شفائهم، يقولُ:

“كَتَبْتُ بقلبي، لَمْ أداهِنْ تَمَلُّقًا،/عروسةَ لبنانٍ بحُبُّكِ لي عُذْرُ!.”.4

كثيرونَ يَخْشَوْنَ بلوغَ الرُّشْدِ؛ هوَ يَسْتَمتِعُ بالشَّيخُوخَةِ كما سبقَ وقطفَ زهْوَ الشبابِ، وبقي نَضِرًا، على مدى الكهولةِ، ولا يزالُ. فَظَلَّ شِعْرُهُ سائِغًا، شَفيفًا، لا تُبارِحُ أرْجاءَهُ الطفولةُ، بل تواكِبُ حِكْمةَ الشيخوخَةِ ورَحْبَ آفاقِها.

إذا دَخَلَ قارِئٌ عالَمَ جوزف الغصين بتَأنٍّ، يَفْقِدُ كُلَّ رَغبةٍ في الخروجِ من حدائِقِهِ ومَغَانيهِ السَّاحِرَةِ، فشاعرُنا يَهْتَمُّ بما يُهْمِلُهُ مُعْظَمُنا، و”يَسْتَنْبِشُ”مُخَبَّآت النَّفْسِ، مُسلِّطًا الضوءَ على القيمِ السَّامِيةِ وغيرَ مُتجاهلٍ تعقيداتِ العلائِقِ  البشريَّةِ وما تَحَصَّلَ مِنْها من سوءَ فَهْم. بينَ الوَشْوشةِ والصُّداحِ يوزِّعُ سِرَّ بَدْعِهِ؛ ولعَلَّ جُلَّ ابْتِكارِهِ يَتَجَلَّى في هذا المُناخِ المُوسيقيِّ، يترَجَّحُ بينَ الصَّمْتِ والغناءِ، بينَ الكَتْمِ والْبَوْحِ والجُزْءِ والكُلِّ والضَّوءِ والظِّلال، كما لو أنَّ الشِّعرَ لديهِ هوَ كُلُّ هذه وأكثر. يُقارِبُ جوزف الغصين موضوعَ الوطَنيَّةِ، في كُلِّ أبعادِهِ، بنبرةٍ طفوليَّةٍ ناصِعةِ في طهرِها وصدقِهاِ وبِحِسٍّ شبابيٍّ مُفْرِطٍ في حَمَاسَتِهِ. إنَّهُ مؤمنٌ بربِّهِ وتعلُّقُهُ بلبنان، يَكادُ يُوَازي العبادةَ:

“وَالعهدُ لا نَنحني إلا لِخالِقِنا،/إلاَّ لِلبنانَ لا دَيْنٌ ولا نَسَبُ”5

وكذلِكَ عِشْقُهُ زحلة من ضمنِ ما برأ الخالِقُ من مآثر:

“حُبِّي وزَحْلة، ولبنانُ الجمالِ، أنا نَفْتَنُّ نُورَكَ يا الله نَنْبَهِرُ”6

غريب عنِ الأرضِ

إنَّهُ يصِلُ بشِعْرِهِ، ذي النَّكْهَةِ الْخَمْرِيَّةِ، إلى حيثُ يَبْدو غريبًا عنِ الأرضِ ومَشاكِلِها؛ شديدَ الرَّغبةِ في الحفاظِ على عالمِهِ المثاليِّ الذي لا يُشْبِهُ سواه، يقول:

“أنا اعْتَزَلْتُ عنِ الدُّنيا بِمَنْسَكَةٍ/أجْري الطقُوسَ ويُصْغي الليلُ والقَمَرُ”7

إنَّهُ يثابِرُ على النَّظمِ ولا يتوقَّفُ، وكأنَّهُ يحمِلُ على مِنكبيهِ لبنانَ لِيُنْقِذَهُ من الغرقِ في هذا التسونامي المُدَمِّرِ الذي يجتاحُ البلادَ العربيَّةَ ولا يوفِّرُ الشرقين الأدنى والأوسط وأَفْرِيقيا:

“لُبْنانُ أُمَّتُنا، تاريخُنا قِمَمٌ، لانَرْتَقيها، إلَيْنا تَرْتَقي القِمَمُ”8

ويؤلِمُهُ، حَقًّا، سُوءُ تَصَرُّفِ اللبنانيِّين المُخْجِل، فهم يُثابرونَ على المآدِبَ والحفلاتِ الصَّاخِبةِ، ويسهرون حتى الفجرِ، ويُغنُّونَ وهم ينحدرونَ صوبَ الهاويةِ، يقولُ:

“أينَ المَفَرُّ وأينَ اختَطَّ “مَمْلَكَةً”؟!/  أقدِمْ يراعي فلا إلاَّكَ يَفْدينا”9

ولأنَّ العربيَّةَ، في نَشْأتِها، كانت تَشُدُّ بأهلِها إلى إيرادِ الحِكْمَةِ في أيٍّ من ضروبِ الشعرِ، حتَّى في الوجدَانيَّاتِ، لذا يقولُ:

“أَقْسَى المَوَاجِعِ أَنْ تكون مُفارِقًا، وَتَلَفَّتَتْ عينُ الحبيبِ تُوَدِّعُ!”10

الخُلاصَةُ جوزف الغصين، في تساميهِ وغَوْصِهِ، في أسلوبِ عيشِهِ، البسيطِ، المُمَيَّزِ، يُؤكِّدُ أهميَّةَ الشِّعْرِ في حياةِ الزَّحليِّين، الذين يعتبرونه كُنْهَ حياتهم وخَمرةَ موائدهم والأوكسيجين الذي يبقيهم جديرين بجمالِ الفنِّ وكرامَةِ الكلمةِ.

——————————————

1-“حَصاد العُمر”، غرافيك برس، زحلة، 2000، صفحة 53. 2-“أنداء وأصداء” ، جوزف الغصين، منشورات دار الفكر العربي، بيروت، 1997، صفحة 122.  3-“زحلة الديوان”، أندريه عقل، الجزء الثالث، 2007، صفحة71. 4-“زحلة الديوان”، أندريه عقل، الجزء الأوَّل، 2004صفحة 80. 5-“اليراعُ الجريح”، غرافيك برس،، 2012، صفحة 26. 6-“اليراعُ الجريح”، غرافيك برس، صفحة 26. 7-“لبنانُ باقٍ”، نشيد: مآثر وعظائم، غرافيك برس، زحلة، 2002 صفحة20. 8-من قصيدة القاها جوزف الغصين في حفلِ أحياء ذكرى أنيس خوري، في فندق قادري الكبير  24 تشرين أول 2014. 9-“اليراع الجريح”، غرافيك برس، صفحة 42. 10-“جمارُ الحنين”، جوزف غصين، غرافيك برس، 2010، صفحة 17.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s