“آه الشاشة والمسرح”

ليلى كرم
ليلى كرم
د. جورج شبلي

الفارق في الأداء بين المُجيد والمُبدع كالفارق بين مَن يُسمِّع قصيدة حفظها بإتقان، فيقال له أحسنت، وبين مَن يجبل عبارات القصيدة بقلبه فتنطقها زفراته لا شفتاه، فيقال له آه.

ليلى كرم هي آه الشاشة والمسرح، رُزِقا بها مورداً أكبر من حِملهما، فقُبِضت منهما الشّفاه لكنهما ما اعتدّا إلاّ بودّها. لم آمَن عليهما منها، فإذا ناما هالهما منها طيف، وإذا انتبها راعهما منها حضورفأتتهما معها السَكتة، ومع ذلك أكلا يديهما ندماً عندما شاء القَدر أن يتحرَرا من رقّها.

عندما انطفأت وِقدة ليلى كرم، أحسّت الخشبة وكأنّ الموت سباها. فبعد أن غرفت من مواهب ليلى كثير الخير، أُترِكت مكالمةَ النجاح لأنها عجزت عن الإتيان بمثلها، وكأنها الإعجاز نفسه.فليلى هي سلاح النجاح السرّي لأيّ عمل في المسرح أو التلفزيون، أو هي التي أوصى بها الإبداع لأنها من سلالته، فعندما يغتبط الكبار إذا قُدِّر أن يرتادوا الحديقة الخلفية للتمثيل، تكون ليلى الباب المولج الى داره، فما أكثر العيون التي تحدج بالحسد.

ليلى كرم، أو “المعلّمة” ذات الوجه الوضّاح، تمنع أن يكون صعود أيّ عمل متعسّراً، لأنها لم تخلق للمسرح إلاّ ألوفاً من الأصدقاء. فمعها كلّ الأعناق تتطاول بالفخر لأنها بيان الروعة، وهي تلك الفتوّة التي نراها مجسَّمة في الخشبة لما فيها من طبيعة صافية، تغلب عليها صبغة الإبتكار أكثر مما تغلب نزعة النقل والتقليد.والإبتكار معها يجري ببساطة تتناسب مع مَن تخاطب، هؤلاء الذين لم يقع تذوّقهم فنّها اتّفاقاً وبلا استعداد، ولا يقلّ أثرها في أذواقهم عمّا يقدّم الشعر البليغ من صنوف اللذة والإمتاع.

ليلى كرم المتمرّسة في صنع النجاح تفرض سيادتها على الخشبة وكأنّ بينهما تحدّياً. وسيادتها ليست منحولة، لأنها لم تصل الى العرش عن طريق المفاوضات، فمقدرتها التكوينية ذات الفاعلية المتفرّدة أو موهبتها الفذّة في الأداء المتميّز، وارتفاع مستوى الثقة بالنفس لديها، قد منحاها النصيب الأوفر في إنجاز مكانتهاالقيادية. وإذا كانت الخشبة قد ائتزرت بإزارها وخفضت لها جناحها، فليس لأنّ ليلى غمزتها.

إنّ مكوّنات موهبتها أنتجت لديها طائفة من المهارت الإبداعية والإبتكارية وذكاءً في إدارة الموقف والوقت في التمثيل، ماشكّل مقاييس ثابتة للتعرّف على الموهوبين. وإنجازاتها في فنّ الأداء والتي حافظت جميعها على التزام التميّز وإثراء العمل التمثيلي، انطلقت من دافعية عالية ومن ساحة انتباه واسعة لضبط الذات ومن قدرة متفوّقة على نقل الحالة المشهدية الى العيون لاقتباسها بالعدوى.

ليلى كرم مسألة مسرحية ستبقى معقّدة صعبة الحلّ، لأنه لا يمكن الوصول الى يقين في تحديد خواصها الفنية، لذا قيل إنها ظاهرة. وهي تاج لنهضة مسرحية أكبر في الحدود مما يمكن أن يحصل لهذا الفنّ، لأنها بروحها وأسلوبها نقلت التمثيل من أسلوب الى أسلوب، ومن روح الى روح، وهذا التطور مع غيرها يتطلّب مدّة طويلة. لقد وصل فنّ التمثيل معها الى عهد القوّة، ما يدلّ على أنه تعدّى طور بداياته منذ أزمان.ولو كان يكفي أن يكون الإنسان ممثلاً ليفعل ما فعلته ليلى كرم، لما رأينا ممثّلين أخفقوا ولم يصلوا لأن موهبتهم لم تكن صالحة للبعث والنهوض.

إنّ التمثيل بعدها عفّت لغته وباد أهلها وانقرض القوم الذين كانوا يتفاوضون بها، لأنّ ليلى لم تُبايع أحداً وبقيت من مُخبَّآت الصناديق المَصونة في وجدانه. فلو ظفر غيرها بشيمة وحيدة من فنّها لملأ التصانيف واستقام له أنس الفنّ. لا شكّ في أنّ الإبداع هو عنصر أصيل في صميم التمثيل، وعندنا لذلك شاهد لا يُجحَد هو ليلى كرم.

إنّ قدَر “الدنيي هيك” وعد الفنّ الأدائي بتذكرة طيّبة تكون تحفة له كلما تذكّر ليلى كرم في أيام طوافه على العزّ، وكأني به يقول فيها ما قاله العُذريّ في حبيبته: “لو جُذَّ بالسيف رأسي في مودّتها/لَمَرَّ يهوي سريعاً نحوها راسي”.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s