ألتّربية والتّعليم، ألدّعوة والمهنة

ألتّربية والتّعليم
ألتّربية والتّعليم
إيلي مارون خليل

ألسّؤالُ: هل التّعليمُ/التّربية دعوةٌ أم مهنةٌ!؟ أمرٌ مشروع. 

ألتّعليم عمليّة تلقينٍ تقوم على نقل المعلومة ببرودةٍ، ومن دون حماسة ولا شَغَفٍ، لا بالمعلومة، ولا بالمنقولة إليه.

أن تُعَلِّم؟ هو أن تبقى حياديًّا. فأنت تحمل أمرًا تريد إيصالَه إلى آخر بأقلّ تعبٍ ممكن، بأقلّ زمن، بأقلّ فرح. وإن تميّزتَ، فبشيء من العطف. أمّا أن تُرَبّي، فتلك هي المسألة! في التّربية تَواصُل وانفتاحٌ لامحدود. ألتّربيةُ انتباهٌ وإشرافٌ ومرافَقة، لينمو مَن نُربّيه “بالنّعمة والقامة”. أنت تُرَبّي؟ فأنت تُقيم علاقةَ تَواصُلٍ غيرِ منقطِع بينك وبين آخر عُهِدَ به إليك، لثقة؛ فتتعهّده جسدًا وروحًا وفكرًا. تُدَرِّبُه على التّفكير. تسلّمُه المفاتيح الصّحيحة. تراقبُه وهو يعمل، وتوجِّهه حيث ينبغي، وتشجِّعُه لحظة تلوح المناسَبة. تَبني رؤيتَه السّليمةَ، ورؤياه الصّائبةَ، فتُنتِج منه إنسان بصرٍ وبصيرةٍ، رؤيةٍ ورؤيا، لا يجهل حاضرًا، ولا يُخطئ مستقبَلًا! أنت لا تقدّم إليه سمكة، بل أنت تُرَبّيه على المسؤوليّة، فتدرِّبُه على الصّيد! لذلك فأنت تُحيي فيه الثّقة الوعْيَ الشَّغَفَ المسؤوليّةَ… فيكون الإنسان الخلّاق! بدل أن يكون المرءَ المكتفي…

ألستَ ترى، إذًا، أنّ التّعليم مهنةٌ، وأنّ التّربيةَ دعوةٌ!؟

فالدّعوة نداءٌ من علُ يهبط عليك، أو منك ينبُع! “نورٌ قذفه الله في الصّدر”، على قول الغزالي.  هذا النّداءُ الـمِن علُ، ينبثق عمّن هو في عَلُ! في هذي الحال، تكون، أنت، وتستمرّ، مُشرِقًا كأنّك في فردوِسك الأوّل، راقيًا كأنّك المِثال، رافِلًا بنور النِّعمةِ، مطمئنّ النّفسِ، رَضيَّ البال. هانئًا، قانعًا، سعيدًا. هذه الدّعوةُ الهابطةُ عليك، أو المنبثقةُ منك، تقيك الظّلم والظّلاميّة، تُبعدُك من عفونة الرّوح، تشيح بك عنِ الأسَن. ترفع من نفِسك وبك ترتقي، فتسفِّه المادّة الزّائلة الّتي ليست، مطلَقًا، زادَ روحِك نحو الأبديّة الّتي ليست عدَمًا، والّتي ترغب في أن تجعلها بالألوان تُضيء، بالأريج تضوع، بالألحان تَموج، بالسّعادة تَمور.

 

دَعوةٌ قُدْسيّةٌ

هذه، على ما يبدو ويُرجى، دَعوةٌ قُدْسيّةٌ ليست مُعطاةً للجميع. بل قد تكون لنُخبةٍ مُختارةٍ. وهذه النُّخبةُ المُصْطَفاةُ، تُرَبّي قبل تعلِّم! ألتّعليم تلقينٌ حِياديٌّ، “تحفيظٌ”. يعرف “المدعوُّ” أنّ ما يُحفَظ يُنسى. لذلك يُربّي على التّفكير التّحليل التّأويل. بهذا يغتني المتعلِّم ويخصب خيالُه. مثلُه لا ينسى، كونه كشّافَ معرفة. ألمُحَلِّل يُفتِّقُ بحثًا عن الُّلبّ، عن الجوهر. هذا المُفَتِّقُ الباحثُ يكتشف. إكتشافُ المعرفة يُسعِد ذهنَ الإنسان، ويَشرحُ قلبَه. والمُكتشِف لا يَمَلُّ، لا ييأسُ، لا يتشاءمُ، بل هو مُصْغٍ دائم لصوت الرّوحِ، لرغة فيه، لا تعرف تعبًا ولا نهاية! والمُصْغي لصوت الرّوحِ مُلَبٍّ قادرٌ للأحلام المتمثّلة بالإرادة، للعزم الهادر في النفْس. هذه نفسٌ “أمّارةٌ” بالطّموح، بالرّغبة، بالحلم، بالرّؤى.

هذا المُرَبّي على التّحليل في سبيل المعرفة، باذِرُ خيرٍ قِيَمٍ حقوقٍ جَمال! وهو “نِعمة” تتأتّى للمحظوظين! إنّه نعمةُ النِّعَم! من دونه كيف يتمّ للمتعلِّم أن يرتفعَ إلى مرتبة الباحث؟ وهذا، كيف يَحصُل له أن ينعمَ بالإدراك؟ وتاليًا، كيف يؤثِّر في المتعلّم ويوحي إليه!؟ مثلُ هذا المتعلِّم يصنع ثقافتَه بنفْسِه ونفَسِه. وهذه غاية أساسيّة بين غايات التّربية الّتي يُتقنها صاحبُ “الدّعوة”.

أمّا “المهنةُ”، فمن الأرض، من المادّة، إليك تصعد. فصوتُها مادّيّ، وكذلك نفَسُها والرّغبة لأنّ المادّةَ، في هذا المجالِ، هي غاية الغايات. ألتّعليم ــ المادّة “نورٌ يقذفُه اللهُ في الجَيب!” لكنّما التّربيةُ عن طريق “الدّعوة” روحيّة مِثاليّة. يبقى حقُّ الجسدِ عليك، بل حقوقُه، ولن تصلَ إليها، لن تحقِّقَها، إلّا عن طريق “المادّة”.

إنّ الشّيءَ إلى شبيهه ينجذب. ألمادّيّ إلى “المادّة”، والرّوحيّ إلى “الدّعوة”. والإنسان “مَدْرَحيٌّ” على قول كمال يوسف الحاج. وعليه أن يوازي بين النّزعتَين فيه. وإلّا مالَ إلى، أو تطرّف نحو! والإنسانُ، بعامّةٍ، للمَيل، للتّطرّف. فالحياديّ لا رأي له، كأنّما لا يعنيه أمر.

لا يستطيع الإنسان المعلّم ــ المُرَبّي أن لا يَميل أو يتطرّف! ألحقيقة لا تظهر، كاملةً، مع الحياديّ! ألمعلّم، حياديًّا، لا ينجح. يرى الحياديّ الحقائقَ متساوية، ما لا يقرّه ذهن. فالحقيقة العلميّة لا تتساوى والأدبيّة ولا الفنّيّة. كلٌّ منها حقيقة، لكنّها تختلف. هنالك حقيقة باردة وحقيقة وِجدانيّة. ألباردة هي الحياديّة، لكنّها ليست بمعنى موضوعيّة.

عمليّة فنّيّة جماليّة

ألتّعليم عمليّة آليّة لا روح لها، ولا قلب. يبقى المُلَقّنُ بعيدًا من المُتلقّن. لأنّ التّلقين نقلٌ جافٌّ لمعلومة يابسة تنتهي إلى المتعلّم من دون تحليل أو تأويل، فتبقى مجرَد معلومة. ألمهمّ أن ترسخ في ذهن التّلميذ، ليُعيدَها، عند الامتحان، تمامًا كما انتهت إليه، فيُعتبَر “ناجحًا”. في هذي الحال، يُعِدُّ الملَقّن جيلًا ببّغائيًا يكتفي بالتّكرار، بعيدًا من البحث والاكتشاف والتّأويل، إذ الحقيقة الواحدة حقائق بحب القدرة التّأويليّة والأخرى الاستيحائيّة. ألتّربية تعطي قدرة ورغبة وعزمًا وشغَفًا… ما يجعل من البحث عمليّة فنّيّة جماليّة تتجاوز المألوف الّذي لا يستطيع الملقّن تخَطّيه.

وبعدُ؛ فما غاية المُلَقِّن، وتاليًا ما غايةُ المُرَبّي؟

ما لا شكّ فيه أنّ غايةَ المُلَقِّنِ مادّيّة. وسيلة عيش، ولم أقل وسيلة حياة. وغاية أخرى بسيطة وفي صلب التّلقين، هي نقل المعرفة، تعميمُها في المجتمعات، صغرى وكبرى على السّواء. فتنتشر بين النّاس: قلّة كانوا، أم كثرة. بينما تبدو غاية المربّي أكثر أهمّيّة. هو يريد نحْتَ الشّخصيّة وصَقْلها على كلّ صعيد: نفسيًّا وتربويًّا واجتماعيّا وفكريًّا ودينيًّا وعلميًّا وأدبيًا… ما يجعل من التّلميذ مرجعًا ذا شخصيّةٍ غنيّةٍ منفتحة واعية ناضجة مسؤولة مُحِبّة. وهذا في سبيل مستقبل الفرد والجماعة معًا. من هنا أهمّيّة دور المنسّق، أو الإدارة، في اختيار الكتاب المدرسيّ: مضمونًا وإخراجًا وأسلوبًا وطريقة، مُراعين في ذلك البيئةَ وأجواءَها وتقاليدها وعاداتها وثقافتها…

وعليه، فمن أهمّ صفات المُرَبّي: المحبّة، الحنان، العناية، الحرص على عدم الوقوع في الغلط، فهو المِثالُ الحيِّ بالنّسبة إلى المتعلّم. فبالمحبّة يشجّع، وبالحنان يحتضن، وبالعناية يرافق ويُرشِد، وبعدم الوقوع في الغلط يُتَّخَذُ نِبْراسًا.

***

ثَمّةَ سؤالٌ ضروريّ مُلِحّ: ألا يستطيع المُلَقِّنُ أن يكونَ مُرَبّيًا!؟

لا، وبَلى! يعود الأمر إلى شخصيّة الفرد. أهو يُحِبّ ما يقوم به!؟ أبه شَغَفٌ إليه!؟ أيُحِبّ المتعلّمين، ويَغار على مصالحهم ومستقبلِهِم وبيئاتهم وأوطانهم!؟ هل ينكبّ بعينيه وقلبه على أوراق المتعلّمين، فيصحّح ويُنبّه ويوجّه ويُرِشد ويُشجّع حين يجب!؟ هل يعتبر ما يقوم به مجرَّد وسيلة عيش!؟ هل يؤدّي وظيفة منتظرًا آخرَ النّهار، وتاليًا آخرَ الشّهر!؟

أؤمن بأنّ الإجابة عن السّؤال الأوّل، في البَدء، تفترضُ الإجابة الواضحةَ الصّريحة الجريئة، عن هذه الأسئلة الختاميّة. والحصيلة الأخيرة هي أنّ التّعليمَ مهنةٌ يَعتاشُ المرءُ منها، قد يمزجها بنوعٍ من رسالة، وأنّ التّربية رسالة تبني الإنسان وتنحتُ شخصيّته وتصقلُها وتجعلُها رؤيويّة خلّاقة، قد يمزجها بشيءٍ من مهنة!

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s