فيلم طويل عن جدي وجدتي

eiad

د. إياد قحْوش

رميت كاميرا الفيديو على طاولة في غرفة الجلوس في بيت جدي، وغادرت لألحق بأصحابي الذين تجمعوا للتو في كافيتيريا مرمريتا، للاحتفال بفوز فريق ضيعتنا لكرة الطائرة على منتخب بلغاريا. كان يوما سعيداً جداً لأهل ضيعتي ، بالرغم من أنني لم أعرف كيف أسجل المباراة بكاميرا الفيديو الجديدة التي أرسلها إلي أخي المغترب منذ زمن.

عندما استفقت في صباح الغد بعد تلك السهرة الطويلة، قصدت بيت جدي لآخذ الكاميرا، لأكتشف أن بطاريتها قد نفذتْ وأن الفيلم قد لُفَّ الى نهايته، فأدركتُ أن الكاميرا التي لم أعرف كيف أستعملها خلال المباراة كانت تصور طوال المساء، وهي ملقية على الطاولة. كان حزني كبيراً. أخذتُ الفيلم ورميته في أحد الأدراج .

ومرَّتِ الأيام، وبالأمس عندما عدتُ في زيارة سريعة للوطن، تفقدتُ بعض أغراضي الشخصية، ووجدتُ الفيلم إياه. وضعتُ الفيلم في الكاميرا التي كانت لاتزال في الدّرْج نفسه لأتفاجأ بفيلم أهملتُه لثلاثين سنة يصوِّر جدي وجدتي لعدة ساعات في ذلك المساء.

تجلس جدتي على كرسيٍّ صغير بعيداً عن الطاولة، وهي ترتق جوارب جدي بصبر وأناة، أراها تحاول لمرات ومرات أن تضع الخيط في ثقب الإبرة، وبدون تأفُّفٍ تفشل لعشرات المرات الى أن تقول: “وهالمرة هاه” بعد أن أفلحتْ. تنهض جدتي قليلاً، تستطيع خلالها سماع صوتها مدندناً: “حوِّلْ ياغنَّام حوِّلْ .. باتْ الليله هينْ”، صوتٌ ضعيفٌ يقطِّعه صوتُ حنفية الماء، ثم تقترب جدتي بعد دقائق وبيدها كأسُ “زهورات” تضعها على الطاولة. تجلس جدتي الآن أمام الكاميرا، وقد جلبتْ معها طنجرةً وطاسةً صغيرة وتبدأ بلفِّ ورق العنب. تنهض بعد قليل، وقبل أن تعود تستطيع أن تسمع صوت المرحوم رياض شرارة من تلفزيونهما الصغير، في برنامجه الشهير آنذاك “مين الأول؟” عَ الـ”إل. بي. سي.”. ترشف جدتي بعض الزهورات ثم تضحك بصوت خفيض مراتٍ ومرات وهي تنقل نظرها بين ورق العنب والتلفزيون. عندما يأتي جدي، تنهض جدتي من كرسيِّها، تغسل يديها بسرعة، تأخذ سترته الخفيفة، تنشرها على كرسيها وتدخل قليلاً لتعود ومعها طبق من القشّ وفيه صحنٌ من أقراص الكبَّة وجاطُ لبن. لاتستطيع رؤية جدي وجدتي لكنك تستطيع سماع ضحكاتهما وتفاعلهما مع برنامج المرحوم رياض شرارة. ينتهيان من العشاء، لتعود جدتي الى لفِّ ورق العنب وأسمع من بعيد جدي يحاول أن يثلِّث بيتَ “عتابا” يقول: “بقَر شرّق بقر غرّب بقر جاع .. حبيبي طالت الغيبه بقى ارجاع ..”، يعود جدي بعد قليل لابساً بيجامته، ليرد على صوت الهاتف ويبدو أن المتَّصل قريبته من بيروت تخبره بأنها قادمة لزيارتهم ولتمضي بعض الوقت في ربوع الوادي الجميل. أسمع جدتي تقول: “قلّها صايمِه شي! قبل عيد السيده؟ لأني عم لفّ ورق عنب”. يردُّ جدي بعد أن يغلق السماعة: تقول “بدنا نعمل مشاوي، معناها لنّها صايمِه وَلا مَنْ يحزنون”. تحمل جدتي الطنجرة والطاسة وتدخل بهما الى المطبخ، بينما تستطيع سماع مذيع التلفزيون الآن وهو يتحدث بلهجة مصرية. بينما جدي يتمتم: “كل الأخبار عن إسرائيل، الله يحرق إسرائيل”. ثم يدخل جدي الى غرفة النوم بعد أن يقبِّل جدتي على كتفها، بينما هي تقوم بمسح الطاولة قائلة: “تصبح على خير، أنا سأتأخر لأني وعدتُ “إياد” بأن أنتهي من تطريز هذا المنديل له بوردة حمراء وقلبين، قال أنه سيهديه لصبية جميلة”. ثم تقول: “سأترك شباك الباب مفتوحاً ليتمكن إياد من فتح الباب عندما يعود متأخراً لأنه قال سيعود ليأكل من الكبة التي عملناها اليوم على منقل الفحم . ينتهي الفيلم هنا، ليبدأ شريط ذكرياتي أنا، فأشرد لدقائق في تلك الحقبة الجميلة من حياتي، عندما كان لي بالاضافة لأهلي جدان وجدتان، لايقلون حبا لي عن أهلي.

أشعر بالألم أحيانا وأنا أرى جيل اليوم يتأخر في الزواج لأسباب عديدة وقد تكون قسريّة,فتتباطأ دورة الحياة,ويبدأ نسيج العائلة بالإهتراء ,ويندثر التماسك بين الأجيال.

اليوم .. بعد ثلاثين سنة، مازلتُ أشعر برقَّةِ وحنان جدتي، ولطفِ ومحبة جدي، وأحسُّ بنكهة الكبَّة في فمي وخبز التنُّور والزيت والزعتر. أشتاقُ لهدوء ذلك البيت وبساطته، أشتاق لجرَّة الماء، ولسلَّة العنب، ولزبيب جدي ولليرة جدتي صباح العيد، وأحتاج أكثر ما أحتاج لذلك الحب المجاني الكبير الذي عشنا به وترعرعنا على دفئه.

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s