ايلي م. خليل في يومِهِ…

النّقاء في الوطنيّة والأدب

القاضي د. غالب غانم وإيلي مارون خليل خلال تكريمه في بلدته وطى الجوز
القاضي د. غالب غانم وإيلي مارون خليل خلال تكريمه في بلدته وطى الجوز
د. غالب غانم

هذهِ فتاةٌ أُخرى من فتيات الأعالي، من صواحبِ الضوء والبركة والمشاهدِ الأبكار… تشكُرُ اليدَ الربّانيّة التي رشّتْ على تراباتها قمحاً من القيمِ كثيراً، وأغدقتْ عليها ضروباً من الطّيب والنّقاء… وزادت، وزادت… فأطلقتْ إلى عالم الكلمة، على غِرار ما فعلتْهُ أخواتها الحسناواتُ في هذه الربوع، وفي مَناحي الجبل الأخضر ومساحب الأرضِ العبقريّةِ جميعاً، منْ كانت الكتابةُ “قضيّتَهُ لا مهنتَهُ…” مَن كان القَلَمُ حرّيتَهُ لا مطيّتَهُ. من كان الحُبُّ جَمرَتَهُ لا ألعوبَتَهُ. من كان الإنسانُ صُحبَتَهُ لا عُزلَتَهُ. ومَن كان لبنانُ مَغناتَهُ وكأسَهُ وخمرَتَهُ وسكرَتَهُ!.

***

“وطى الجوز” يا من لم يذكركِ فتاك البار بالاسم إلّا بالنّدرى، “في الرّيف الشاعر”، حيث يقول: “وطى الجوز…/ قريةُ “قدّ” القلب/مُعَمشقٌ بها الفضاءُ والحبّ/هي، إلى الله، درب/وبيتُنا، فيها، سماء.” وفي “زهرة المدى المكسور”: “أصغرُ شجرةٍ في وطى الجوز، تُشرفُ على أبراجِ الدنيا كلّها. جوزتا كنيسةِ السيّدة، تفوقانِ أهمَّ أشجار باريس. خروفُ قيصر، جارِنا، أعظمُ من مصانع شركة رينو. فلا تقُلْ شيئاً بعد، روحانيّةً أريدُ لا ماديّة.” (ص174).

لم يذكركِ بالاسم إلّا بالنّدرى. ولكنّ ما في حصادِ قلمِهِ من أقاصيص وروايات وقصائد ونجاوى وأناشيد وكلمات ذات نداوة حيناً وذات عصيانٍ حيناً آخر… كُلُّها، كُلُّها استقت من ماءتِكِ وأكلت من تفّاحتِكِ مباحةً كانت أم محرّمة، وتعمّدت بأجرانك المقدّسة، وبرتْ أقلامها على صخورك، ودندنت أجراسك في تضاعيفها وتراجيعها وآهاتها، وهبّت عليها من مساكنكِ العُليا نسائم الحرّية ورياحُ العنفوان…  وها أنتِ الآن على اعتزازٍ بابنك وعلى وفاء. فبوركتُما: أمّاً كثيرةَ الحنانِ واللّيان، والجمالِ والدّلال… وابناً وسيعَ الرؤيا سخيَّ العطاء.

الأمّ وفتاها. الشجرةُ وثمرتُها. الريشَةُ ومُلهمتُها. مساحةُ النّقاء في الوطن ومساحةُ النّقاء في الأدب. بورِكتُما: وطى الجوز، وايلي مارون خليل…

***

هذه – وأنا أعرفُ ذلك وأقصدُهُ- مطالعُ في باب الانطباع والوجدان لا محطّاتٌ في بابِ الدراسةِ والتعميق والتقويم. عشرات المؤلّفات تنهمر عليك انهماراً، فماذا تفعل؟ أكوامُ ورد، عبقاتُ طيبٍ منشورةٌ حيثما كان، أسرارُ قلب، همومُ وطن، أزماتُ مجتمع، عُقَدُ حياةٍ وعُقَد قصص، أنوال لغة… هذه جميعاً تُطوّقك السّاعةَ، وكلٌّ منها يطالب بحقّه في صدارةِ الاهتمام، وفي تصدّر المقام… فماذا تفعل؟ وماذا تختار   إنّني، ولا جُناحَ عليّ، عاجزٌ عن ذلك. ثمّ إنّ الأوانَ هو أوان احتفاء، ومشاركةٌ في عرسٍ من أعراس الكلمة.

أنتَ هُنا الآن، أيّها المشاركُ في التّكرمة، حتى تكتفي بزهرةٍ من مرجٍ مُنبسط، بنَشقةٍ من نسيم عليل، بقَطفةٍ من شجرةِ أحلام، بياقوتةٍ من كنزٍ مرصود… وإنّي لفاعلٌ ذلك.

أفعلُ ذلك، شريطةَ ألّا يفلتَ من يديّ سلكٌ داخليّ يشدُّ القطوفَ بعضاً إلى بعض، بالحدّ الأدنى على الأقلّ. هذا السلك هو، كما سبق ذكرُهُ، مساحةُ النّقاء في الأدب، بمعناه الجمالي، وبمعناه الإنساني.

***

تجلّت مساحة النقاء هذه، عند صاحبنا، عبر الخطّ التعبيري الذي انتهجه حريصاً على ثوب الكلمة البهيّ، حرص الأدباء اللبنانيين النهوضيين الذين أضافوا إلى العربية إشراقاً تلو إشراق. كان النهضويون اللبنانيون، على الإجمال، “صاغةً مهرة يفضّلون أن يقدّموا للقارئ هديّة صغيرة قد تكون ماسة مكتنزة برّاقة، بديلاً من أن يقدّموا هديّة ثقيلة غاب عنها النبض والبريق”.

(كتابي: من الشائع إلى الأصيل، الطبعة الثانية، ص144). وكان صاحبُنا نقيّ التجربة رقراقَ الشعور لدى توجّهه إلى ربّةِ الإلهام وملكيةِ القلب:  “إغفري لي/فأنا أحبّكِ/كلَّ يوم/أقلَّ من غدِهِ”. (متناثراً في كلماتي، ص 37).

وكان بالغَ النّقاء في حُزنِهِ على أيقونةِ المدن، حيث تضافر الحنين والزمنُ المنكسر وضياعُ الذات، للتعبير عن المأساة عبر الدوران حول كلمة واحدة تكرّرت فاستطاعت أن تتحوّلَ بذاتها إلى مرثاة: “بيروت؟ يا بيروت. هل سترجعين إلى بيروت؟ هل سترجعين بيروت؟ يا بيروت، أينَ أنتِ؟ يا بيروت، كيفَ أنتِ؟ يا بيروت، إلامَ أنتِ؟ يا بيروت…” (عنكبوت الذاكرة والزمن، ص 45).  وكان شديدَ النّقاء، لا في سَكناتِهِ وحسب، بل في غضباتِهِ أيضاً. لقَّنَهُ معلّمه، فارس، أنّ الأمّية هي جهلُ القراءة والكتابة. ولكنّه، يومَ نضج، رأى في ما رأى، -والكلام له، وعلى مسؤوليته طبعاً- “أساتذةً أمّيين، وشعراءَ، وفنّانين، ومحامين، وراهبات، ودكاترةً أميّين؟ بل رأيتُ أمّةً بكاملها أميّة! إنّها نحن!” (أنا أُمّي، ص11). ونقيّاً كان في توجّهه إلى الآخر: “الآخر نعيمُك… حاوِرهُ”. “الآخر نقيضُك، لكنّه النّقيض المكمّ”. “إختراقُ الحجُب هو اقتحامُكَ بفرح، بشوق، بصفاء، عوالم الآخر…” (على حافّة الكلام، الصفحات 11-12-33). ونقيّاً كان في دعوتِهِ إلى “فنّ الإصغاءِ الجميل” في حومةِ “الصّراخ، والضجيج، والصّخب، والفوضى…” (ذاتهُ، ص105).

في هذه الحومة، وهذه الأبراج البابليّة، إلى مثل هذا النّقاء نحتاج، وإلى “الإصغاء الجميل” كما وصَفَهُ ايلي مارون خليل، أو قبلَهُ إيليّا أبو ماضي: “يا رفيقي… أنا لولا أنتَ ما وقّعتُ لحنا/ربّما كنتُ غنيّاً غيرَ أنّي بكَ أغنى/   هذهِ أصداءُ روحي، فلتكُنْ روحُكَ أُذْنا/إنّ بعضَ القولِ فنٌّ فاجعلِ الإصغاءَ فَنَّا”.

***

بيروت، يا بيروت. لبنانَ، يا لبنان، وطى الجوز، يا وطى الجوز. ويا أريافَنا والضّفاف، ورُبانا والمنبسطات… ويا تُراباتنا المقدّسةَ جميعاً!. إلى مثلِ هذينِ النّقاءِ والإصغاءِ فَلْنَدْعُ.

ايلي مارون خليل نقيُّ لغةٍ، ونقيُّ طويّة، ونقيُّ وطنيّة. كفانا أحابيلَ، وأنانيّات، وما شاع من نهمٍ إلى الماديّات، ومن استهتار بالأدبي والإنساني والروحي، وما فاح من جيوب أرباب الفساد، وما أحدثتْهُ أيادينا المطارق وأيادينا الفؤوس في الطبيعة… وما تشهدونهُ –يا لَلْغَضب- مرميّاً على الطرقات وهابّةً فَوْحاتُهُ على الأنوف والأكبادِ والكرامات.

والسّلام على الحبيب لبنان.

——————

*كلمة الرّئيس الأوّل القاضي غالب غانم، الأحد 6 أيلول الجاري، في وطى الجوز، لمناسبة تكريم الأديب ايلي مارون خليل.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s