“موعد جورج يمّين الثّقافي”

“بخّور الصّدى”

الفنانة جاهدة وهبي خلال
الفنانة جاهدة وهبي خلال “الموعد” الثقافي
لميا أ.و. الدويهي

لم نكن نحن على الموعد لهذا العام مع “موعد جورج يمّين الثّقافي”، وإنّما إهدن هي من كانت على الموعد معه… لقد أبت بالرّغم من موجة الحرّ إلاّ أن ترتدي عباءتها الضّبابيّة وتتزيّا بحلّتها الغزليّة لتسامر عينا جورج بطلّتها التي عشقها وهوى حللها، وليشتمّ عبيرها السّرمديّ في كلّ من حفظ لجورج موعدًا يلتقيه فيه من عامٍ لآخر، ويعانقه عناق المشتاق لسيل أشعاره، الهادرة كمياه نبع  مار سركيس، النّاعمة كنسائم العروس السّابحة على رأس النّسر، الرّابض من حولها الأسود، حامية دارها وأهلها، المشرّعة أبوابها، مٌكرّمةً من زارها وكأنّه مجبولٌ من ترابها…
ومن يستطيع أن يمجّد العروس، إلاّ من كانت بالصّوت عروسًا، يصدح صوتها في جبل مار سركيس برنّاتٍ يتردّد صداها في باب الهوى، حيث من آلاف السّنين، استوى تمثال الإله لبنان واقفًا في مهبّ الأزمنة العاتية، معاندًا بجبهته أخطار التّاريخ، حارسًا لم ينمْ قرير العين إلاّ حين تبنّت الأرض اسمه… من غيرها يوحّد صوتها قمم الجبال بأعماق الوديان ويغازل التّلال، محاكيًا الأرض والإنسان، محرّكًا أشجان القلب والفؤاد، مرندحةً أشعار جورج يمّين على ألحانٍ سكبتْها من روحها وأطلقتها تارةً صادحةً في أرجاء دير مار سركيس وباخوس الأثريّ وطورًا مرنّمةً عشقها الأبديّ للكلمة والنّغمة التي ردّدها رنّاتٍ، الحشد المتراص والذي تغلّب على ذاته بالعدد هذا العام، ليستقي خمرة الجاهدة المعتّقة في خوابي جورج يمّين الأزليّة…

نعم، هكذا كان الموعد لهذه السّنة والذي حمل عنوان: “بخّور الصّدى”، والذي رفعته على مذابح الفنّ عطرًا مقدّسًا الرّاقية في الإحساس والأداء الفنّانة جاهدة وهبي… فبدايةً كانت الكلمة للسيّدة ماريّا يمّين، التي افتتحت الموعد الثّابت والمتجدّد للعام الخامس عشر على التّوالي ورحّبت بالضّيفة التي وبحسب تعبيرها “اتّكأت على صوتها وشرّعتْ أبواب الصّدى من دون ميكروفون، لتكون إسوارة اللّقاء في معصم القصيدة وخاتمًا في إصبعها وعقدًا من ياسمين وقرنفلٍ على جيدها هي التي تمّ اختيارها منذ عامين من جامعة كامبريدج-لندن لتكون من ضمن ألفي شخصيّة مثقّفة في هذا القرن يخصّص عن سيرتها ملفٌّ كاملٌ ضمن معجّم الجامعة العالمي”، والذي لا يسعنا ذكر الكثير عنه الآن، فاستعضنا بفيض أريج صوتها الذي ما لبث أن ملأ رحْب الدّير أنغامًا متصاعدة مع بخّور صدى روحها المتنقّلة من زهرةٍ موسيقيّةٍ إلى أخرى، وهي تقطر عسلاً في نفوس من كان على الموعد، متشوّقًا للانخطاف بمساحات خامتها الفائقة التميّز في مداها وأناقة شذاها… فتوالت الأغاني المنسكبة مع قراءاتٍ لأشعار جورج، والتي جعلت مداميك الدير تتمايل طربًا على هزيز صوتها العملاق، الذي افتتح الموعد بمزمور “الله لنا  46” من ألحانها، وتتالى من بعده “يا ليل إهدن” موال لجورج يمين – “أعطني الناي وغنّ” (جبران)، “بتتطلّعي” (جرمانوس  جرمانوس، ألحان جاهدة)، “لندع” (أنسي الحاج ،ألحان جاهدة)، “يا ريت” (طلال حيدر، ألحان جاهدة)، “قصيدة المطر” (نزار قباني)، “رح حلفك” (ميشال طراد/ الرحابنة)، “محمد” (شعر غسّان مطر)، “نشيد الرجاء”  (جورج يمين ألحان جاهدة)… قراءة: “جئت لأوصد صمتًا”( جورج يمين)، “بيروت” (لميعة عمارة ألحان جاهدة)، والختام مع “إهدن” (جرمانوس جرمانوس ألحان جاهدة)، وقد رافقها  الموسيقيون ارمين كيشيك على البيانو،  ربيع حدّاد على العود والبزق، وإيلي يمّوني إيقاعات…
وكم كلّفنا من جهدٍ أن نترك مقاعدنا تشغر بعد أن تسمّرنا لحوالي السّاعة ونحن نشعر بأرواحنا الطّائرة تتلقّف بخّور صداها فتتنشّقه أنفاسًا في سماها، بيد أنّ النّهاية تبشّر دومًا بدنوّ إشراقةٍ جديدةٍ تضفي إلى رصيد الإبداع جوهرةً تغنيه وتضفي عليه إثراءً ما بعده إثراء…

فإلى اللقاء، إن شاء الله، في العام المقبل مع “موعد جورج يمّين الثّقافي”…

*  أقيم إحتفال”موعد جورج يمين الثقافي”  في دير مار باخوس وبولس في اهدن، بحضور وزير الثقافة ريمون عريجي والسيدة ريما سليمان فرنجيه ورئيس بلدية زغرتا – اهدن شهوان الغزال معوض ورئيس دير مار سركيس اهدن الاب ابراهيم ابو راجل ورئيس الجامعة الانطونية فرع مجدليا الاب فرنشيسكو خوري ووجوه ثقافية، فنية واعلامية.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s