قراءة في كتاب

“صارت الأرض رقصة فلامنكو” لـ اسكندر داغر

اسكندر داغر
اسكندر داغر
انطوان يزبك

هو الإنسان في مشاعره الساكنة في اعماقه السرّيٍة، أم الخبرات الطارئة على النفس البشرية، التي تجعل من الأحاسيس كتابات والأفكار انفعالات واللغة أدباً يعطي أجود ما فيه نصوصاً وشعراً مكتوباً بشغاف القلب.

مع اسكندر داغر ندخل الى عالم القراءة المميّزة المتفلّتة من كل القيود، إذ غالباً ما تأتي المعاني الراقية على شكل مضامين شعرّية، تعبّر عن أفكار صاحبها ورؤيته للوجود من زاوية المشاعر واختلاجات القلب وسفرات الروح على جناح الذاكرة العائدة من بُعدٍ سرمديّ وأحلام عذبة…  لكن في كتاب اسكندر داغر الجديد: “صارت الأرض رقصة فلامنكو” نرى، الى هذه النمطية المعتادة في كتب الوجدان والبوح العاطفي، تبدلاً عميقاً وارتحال حالة الإستشكاف لدى القارىء الى حالة من التماهي مع الكاتب، فكلّ قارىء ورع، مجرّب ومحّب للكلمة، يشعر أنّه يسكن في واحد من هذه النصوص، أو كأنه كتبه بُعيد تجربة أو حالة حب شديدة مع إمرأة ما… وعليه لم يعد النص القائم على سلسلة من الإعترافات والبوح الوجداني لدى اسكندر داغر، نصاً منعزلاً يعاني من وحدة شاقة، وعزلة مفروضة، بل تعدّى ذاتية الكتابة الى حالات متنوعة، يشعر بها كل واحد منّا، إذ كلّنا نبحث عن الحب، ونسعى إليه، وأكثر من ذلك، نشعر بلذة المشاركة في عملية البحث، واسكندر ينقلنا الى مدار حبيبة مجهولة، نحاول أن نرسم وجهها ونتعرّف الى أطوارها وحركاتها وسكناتها علّها تصير ذلك الكائن المحبب المتجسّد أمامنا، ومن يدري إذا كانت تلك المرأة عدّة نساء ذات صفات متنوعة مسكوبة في كينونة إمرأة واحدة!

"صارت الأرض رقصة فلامنكو"
“صارت الأرض رقصة فلامنكو”

رجل معرفة ومنطق

واسكندر كما عرفته يتمتع بشخصية هادئة، خفرة، عذبٌ هو، يكتب بنبل وشفافية كي لا يخدش مشاعر أحد، نصوصه متوارية خلف صخب الحياة بارتواء قدسي من مناهل العشق الصافية، بيد أننا نشك أحياناً في مدى كثافة اللحظة العشقية: L’Intensité du moment passionnel  واسكندر كما أعرفه، رجل معرفة ومنطق. صحافي، يتناول في تحليله المسائل الأدبية والفكرية بجدية قصوى، فهل نحن الآن أمام رجل آخر في مسألة التعامل مع الكلمة المقرونة بالحب والعشق في الفضاء النسائي، بكل أبعاده من روح وجسد ووصال وذوبان في الآخر؟

وكلّما توغّلنا في قراءة نصوص اسكندر داغر نغوص في عالم من الأحاسيس، وذلك لأن الرجل صريحٌ جداً، لا يخفي مشاعره مع المرأة بل يدخلنا معه إلى ايقاع خفقان القلب وسيل الحب وما يعتريه من حالات داخلّية، والحال أننا نطمئن حين يطمئن هو، ونزهو حين يزهو، ونقلق حين يقلق، لنصل الى حالة ارتفاع، فنرتفع معه حين يرتفع بخياله الفتّي في زوغان الحب الأوّل الذي دمغه، لنرقى الى محجّة جبل الأولمب الأسطوري، في أعلى قمّة يصل إليها اسكندر بعد أن هام في وجد رحلة حبّ، هو لا يلبث أن يعود لامتحان حبّه هذا فيجده قد زال كما الإنقطاع في آخر كل نصّ، والقارىء يشعر أن ثمّة تفاصيل ضائعة أم مسكوت عنها، على الرغم من نشدان الصراحة والإنفتاح…

فضلاً عن كل هذه المشاعر الراقية في عملية تناول الحب، نشعر ونحن نقرأ هذا النمط الشعري الذي عماده الحب على شكل بوح، أننا دخلنا الى عالم من القناعة والإستسلام للمصير.

فإلى جانب الحقائق الدامغة والفرادة في النص، يصبح يقيناً أن التجارب التي تناولها اسكندر هي خاصة به وحده دون سواه، إذ لم تكن بمتناول آخر بالمعنى اللاواعي، فهو وحده يمتلك ناصية تلك التجارب تعبيراً وأسلوباً، لذلك أتى الكتاب برقته كمثل دفعة من الحب والعشق الكوني يحتشد مثل أسراب الفلامنكو المتلّونة بمروحة ألوان خرافية، وكأنّ اسكندر يرى الى رقصة الفلامنكو ذات الإيقاعات المشبعة بالشبق والإغراء، اختزالاً لرقصة الدراويش المفعمة بشحنات جارفة من العشق الرّباني والوجد الصوفي، لحظات ثمينة من الوله يليه الإنقشاع فالتسامي الروحي غير المحدود.

يرمي اسكندر  من خلال هذه الرؤى، الى تعرية النفس من أدرانها، بغية الإنعتاق وتحرير جسد الحبيب هذه المرّة من حصار التقاليد الإجتماعية وبشاعة الصدّ والمنع متى حصل تداخل بين الحب العاطفي والحب الجسدي. فتندلع معارك استعادية حول العلاقات بين الحبّ المحرّم والمادة والروح والدين والعفاف والممنوع والمرغوب والفضيلة والعقاب والخطيئة!!

طيور مليونيّة

أمّا إذا تأمّلنا قليلاً في هذه الطبيعة فيجب أن نعلم أن أسراب طيور الفلامنكو، تعيش في تجمعات تصل أعدادها الى مليوني طير، وعليه يعتبر كل سرب من أسرابها من أكبر تجمّعات الأحياء في الطبيعة، فهل أراد اسكندر أن يكون الحب موازياً لمليون طير في آن، طير يعيش في تجمعات مليونيّة، تجمعات لونيّة من إغراء ونزوّ وتوالد، عشق أندلسيّ يتدلّل منسكباً على جسد راقصة اسبانية متحفزّة نزقة وجامحة تمارس طقوس لعبة الإغراء الأبدية منذ كان الإنسان ومنذ كانت البشرية؟!

يبدو من ذلك، أن قلب اسكندر ينبض على ايقاع رقص الشابات الأندلسيّات والألحان المليئة بالفتّوة والصحة والإنفعال، وشعره يصير محاكاةً لشعر يكتب على رسم استدارات الراقصات في الحلبة، وحين تنحسر فساتين راقصات الفلامنكو عن سيقانهنّ البضّة، يتصاعد رحيق الصّحة والقّوة والشباب والدعوة باللذة الفائقة والتحدّي الذكوري في غمار العمر الجميل.

تعيش الموسيقى في خيال اسكندر داغر، وكلّما استمع الى هذه الألحان، تعود به الذاكرة الى تلك الراقصات، الى النساء الجامحات اللواتي تنسكب اللذة من لحاظهنّ ويتقّطر عسل الغرام من شفاههن في أمسيات حميمة وسهرات موسيقية بالحانها العشقية الشجيّة، كانت تقدم أهم الفنانين في سبعينات القرن العشرين حين بدأ اسكندر يتثقف أدبياً وموسيقياً وينفتح على عالم الأنثى بكل ألوانه وتفرّعاته ومغرياته ومشاكله وحلوه ومرّه!!

“عمري باللون الأزرق”

لم ينحصر هذا التكوّن الشعري في دواخل اسكند داغر بل ظهر لديه انعكاس نفسي من الداخل نحو فضاء الخارج، لم يرض اسكندر بسجن الروح وسجن السكن على اليابسة بل أراد دوماً الرحيل، الرحيل الى أبعد نقطة جغرافية يمكنه أن يصل اليها، وها هو يجد ذلك المدى الذي يمثل بالنسبة له الفرار والخلاص والانعتاق: هذا المدى ليس سوى البحر إذ نقرأ في القصيدة الأولى ص 15 تحت عنوان: “عمري باللون الأزرق” وهي الإعلان الصريح لعلاقة اسكندر بالبحر، ما يلي: “بيني وبين البحر صداقة قديمة/عرفت باكراً: خريطة البحر… المدّ والجزر…/ حنين السفر… ورجفة القلب…”.

أو قد تكون خريطة البحر تمثلاً لجسد الأنثى؟ والمد والجزر كناية عن العلاقات المتقلبة المتبدلة والتحولات المستمرة بين الرجل والمرأة أو حتى ببساطة، تشبيهاً للعلاقة الحميمة؟!.

وكذلك في “متى تعرفين؟” (ص 17) يقول: “يا حاملة الليل على رأسك، والبحر في عينيك…”. وتكرّ السبحة على هذا المنوال. في “حنين” (ص 19): “ضجيج الموانىء، طائر النورس، الأمواج..”.  و”ساحرة البحار” (ص 25): “قرب البحر/اشتهيت/ان ارسمك/يا ساحرة البحار!…”.

ماهي تلك العلاقة بين الإشتهاء والرسم والسحر والبحر؟ وحده اسكندر يعرف ماهية هذه الأسرار، ويعرف كيف تكون الثورة والتمّرد، أكان ذكورياً أم أنثوياً، فها هو يقول صفحة 34: “يثور البحر في داخلك”، وصفحة 37: “أراكِ في زرقة البحر..”.

رمز الغابة

إضافة الى عامل البحر والسفر والإبتعاد نحو دروب المغامرة والإنعتاق، لا يني اسكندر يستعيد رمز الغابة، تلك الغابة الإفريقية الساحرة، الدافئة، الغابة التي تحمل الأسرار الملغزّة بألف لغز ولغز، غابة الثورة والنسغ الجديد، غابة الابنوس واللون الأسود الذي يتفجّر التماعاً (ص 22)، مذكراً بما قاله يوماً “مونش” رسّام لوحة “الصرخة”: أن السواد عندما يشتّد حلكةً يبدأ بالإلتماع!!

«غابة عينيك»، التي هي في الواقع، الغابة الأمّ التي منها ينطلق كل شيء ويتفجّر ماء الحياة: نهر النيل، ثورات جومو كينياتا واستشهاد باتريس لومومبا، غابات تنضح زئيراً وثواراً وآلاف الشهداء، غابات همنغواي ورومنسيات كلارك غيبل وآفاغاردنر  وبيكاسو… ها هو اسكندر داغر الإفريقي، الفخور بهذه القارة، يجبل ترابها وانهارها بالحب والثورة والثقافة وكل ما هو جميل فيه، والابنوس الذي يحمل سر اللون الأسود ولا يتوقف عن ذكره (ص: 32 – 39 – 51 – 53 – الخ…)، حيث سرّ الحياة، يتففيّأ الأشجار الباسقة العملاقة منذ ملايين السنين، ومن يدري، ربما سّر الوجود والخلق والتكوين، فالحياة البشرية الأولى بدأت في افريقيا كما أجمع كل علماء الإناسة والعلوم.

ويبقى السؤال: ما الذي يجمع بين الغابة والبحر، هذان الرمزان المكرران في كل مكان… واسكندر لا يملّ من ذكر البحر (صفحة: 43- 44 – 47 – 52 – 64 – 68…)، لربما هو منظر أشجار المانغروف التي تنبت على رمال الشاطىء في افريقيا وتغطس جذورها في الماء المالحة حتى تخال أن الغابة تمشي نحو البحر. هذا المنظر الفريد جعل من اسكندر ساحراً بامتياز، مخترعاً يبتكر أبجدية جديدة للحب من عناصر البحر والغابة والثورة، ثورة حركة تحرر جديدة تعود بنا الى ستينات القرن الماضي. فصورة حبيبته ص 24 مستلّة من منجم نحاس، في استعادة لقصائد بابلونيرودا المعّمدة بنحاس المناجم، الباتشيكو، أرض النار في تشيلي البعيدة. ثالوث جديد: بحر، غابة، ثورة، على لحن اسباني حارّ ينعش الذاكرة والحنين، بوح عذب يكشف فيه اسكندر في بقعة الضوء ما كان مخبوءاً، شعر أخرجه على شكل قيمة جمالية تؤنس وحشة الحياة، من خلال استعادة كل ما هو مذهل ومتفّوق.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s