الإغتراب عن الأوطان!!

الشاعر محمد نعيم بربر
الشاعر محمد نعيم بربر
محمد نعيم بربر

إلى متى سيبقى الإغتراب عن الأوطان كابوساً يلاحق البشر!! أنا أفهم من منطلق البحوث والدراسات في العلوم الإجتماعية والإحصاءات السكانية والتحولات الديموغرافية، بعض هذه الأسباب الطبيعية في العلاقات الإنسانية والإقتصادية والسياسية وغيرها من العلاقات.. ولست هنا في معرض التحليل والمقارنة والبحث عن الحلول، فهناك العديد من العلماء والإختصاصيين السابقين والحاليين الذين أخذوا على عاتقهم مناقشة وتحليل هذه الظاهرات والبحث عن التصورات والحلول لمثل هذه الحالات المتزايدة في العالم وخاصة في مجتمعاتنا، إلا أنه على ما يبدو، فلا آذان تسمع، ولا قلوب تخشع، عند أهل الحلّ وأصحاب القرار ممن تعاقبوا على إدارة شؤون الناس في لبنان من إقتصاديين وسياسيين ومسؤولين على مختلف مشاربهم وانتماءاتهم!!

لا أريد الآن الإسْهاب في هذا الموضوع وغيره من الموضوعات الهامة التي بدأت تتجذر في حياة اللبنانيين وتؤذيهم إلى درجة اليأس الذي أصبح يقلق الأكثرية الساحقة منهم، والذي بدأ يلقي بظلاله على المسؤولين من خلال الحَراك الشعبي العارم لتحقيق مفهوم المواطنة الصحيحة التي تؤسس للعدالة الإجتماعية وتكافؤ الفرص في العمل والعيش الكريم بين جميع أبناء الوطن الواحد.. إلا أنني أريد الإطلالة على موضوع الإغتراب من زاوية وجدانية، أن تتغيّر الأحوال.. لعلّها تخفّف بعض الشيء من ثقل ما يحمله الأهل من معاناة صارخة تجاه أبنائهم .

لقد سافرت خارج الوطن، إلى إحدى الدول الخليجية، أثناء الحرب اللبنانية المؤلمة، سعياً وراء العيش الكريم لي ولعائلتي، ثم رزقني الله بالأولاد الذين نعمت في رؤيتهم وتربيتهم والتعاطف معهم وهم ما زالوا صغاراً، بكل محبة وحنان وتضحية من أجل بناء مستقبلهم.. إلى أن حانت ساعة الحقيقة التي عشت فيها لحظات من الصراع مع نفسي، لتأمين مستقبل لائق، من أجل أبنائي!! لقد كانت عندي قناعة تامة، أن التعليم الصحيح هو أساس بناء الإنسان منذ صغر سنّه، وبعد ذلك تأتي الأمور الأخرى من رفاهية ومعيشة كريمة حسب أحوال الناس..

من هنا كان القرار الصعب في أن أعيش غربة ثانية مؤلمة من أجل أبنائي أيضاً، عندما قررت أن يتابعوا تعليمهم بعيدين عني، في لبنان، ابتداء من صفوف الروضة حتى التعليم الثانوي.. وأن أبقى أنا وحيداً في بلاد الإغتراب لتأمين أسباب التعليم والعيش الكريم ومستلزمات الحياة الصعبة.. لقد كانت تلك المرحلة في البعد عن الأهل والأولاد من أصعب حالات المعاناة التي يعيشها المغتربون عن أوطانهم وأهلهم، ولقد كانت بالنسبة لي من أخصب المراحل التي كتبت فيها أعمق شعري الوجداني، وخاصّة في بُعدي عن أولادي..

ولقد توالت الأيام وكبرالأولاد، وأكملوا دراساتهم الجامعية، وأنا قد عدت إلى الوطن من مدة.. وانقلبت عقارب الزمان.. الأولاد أصبحوا شباباً متسلحين بالعلم والمعرفة والأخلاق الحميدة، وهم بدورهم يعيشون تجربة الإغتراب عن الأهل والوطن من أجل المستقبل والعيش الكريم.. وهي غربة جديدة أخرى تمدُّ بخناقها إلى صدري وإلى صدور الغالبية العظمى من الناس الذين لاحول ولا قوة لهم أمام هذه الإستهانة بكرامتهم وحقوقهم المشروعة في العيش الكريم في دولة قوية وعادلة، تعيد المغتربين إلى الوطن كقوة إقتصادية وعلمية وثقافية تبني من جهة وتستحق أيضاً أن تتنعم في رفاهية وعيش كريم من خلال تكافؤ الفرص في التعليم والعمل والصحة والإنماء إلخ..!! لكنني أخشى أن نعيش غربة ثانية أقسى وأمرّ داخل الوطن فتقضي على كل طموحاتنا وآمالنا، ويبقى المغتربون خزّاناً للتحويلات المالية والإستثمارات فقط !!  فهل هناك آذان تسمع وقلوب تخشع أيها المسؤولون عن إدارة وأمور ومقدرات الناس ؟! أم إنكم من أصحاب من خاطبهم الله تعالى بقوله : ” ثم قستْ قلوبكُم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشدّ قسوة، وإنّ من الحجارة لمَا يتفجَّر منه الأنهار، وإنّ منها لمَا يشقّق فيخرج منه الماء، وإنّ منها لمَا يهبط من خشية الله، وما الله بغافل عمّا تعملون”.

هي صرختي وصرخة الكثيرين من الأهل الذين احترقوا مع أعصابهم، ودفعوا من جهدهم ومالهم بل بكل أموالهم لتعليم أولادهم وتحضيرهم لمواجهة المستقبل الحالك بل العاصف الذي عصف بمجتمعاتنا وأوطاننا.. فهل من مجيب ؟!

أود أن أختم هذه المداخلة بقصيدة لي خاصة بأولادي، بعنوان “ثلاثة أقمار”، لعلّها تخفف عني وعنهم وعن من يطّلع عليها ويقرؤها من الأهل الذين يتشوقون للقاء أبنائهم، بعض معاناة الغربة القاسية:

أَبْنَاءِ الشَّاعِر: نَعِيْم وسُهَاد وسَارِي
أَبْنَاءِ الشَّاعِر: نَعِيْم وسُهَاد وسَارِي

ثَلاثَةُ أَقْمَارٍ

ثَلاثَةُ أَقْمَارٍ، نَظَمْتُ مَدَارَهَا

كَأَنَّ مَدَارَ الْعُمْرِ فِي أُفْقِهَا دَارَا

نَظَمْتُ بِهَا رُوْحِي وَنَجْوَى طُفُوْلَتِي

       وَهَبْتُ لَهَا قَلْبِي حَنِيْناً وَأَشْعَارَا

كَأَنَ مَدَارَ الْعُمْرِ حِيْنَ يَدُوْرُ بِي

     يُؤَجِّجُ لِي قَلْبِي، فَيُشْعِلُ بِي نَارَا

أَحِنُّ إِلَيْهَا كُلَّمَا هَاجَ وَحْدَتِي

     بِأُفْقِ السَّمَا نَجْمٌ فَأَسْرِي كَمَا سَارَا

أَهِيْمُ وَفِي صَحْرَاءِ قَلْبِيَ وَاحَةٌ

     أُرَوِّي بِهَا مِنْ وَاحَةِ الْحُبِّ أَزْهَارَا

وَأَسْرِي وَفِي الظَّلْمَاءِ كَمْ سَارَ تَائِهٌ

       فَأَشْعَلَ مِنْ طَيْفِ الأَحِبَّةِ أَنْوَارَا

أَعُوْدُ إلَى مَاضِي الْهَوَى حِيْنَ وَصْلِهَا

   فَتُرْجِعُ لِي مِنْ صُوْرَةِ الْعُمْرِ تَذْكَارَا

يَنَامُ علَى جَفْنِ السُّهَادِ سُهَادُهَا*

      وَيَعْزِفُ سِارِي* اللَّيْلِ، لِلَّيْلِ أَوْتَارَا

كَأَنَّ نَعِيْمَ* الْخُلْدِ لاحَ لِنَاظِرِي

   نَعِيْماً جَرَى فِي الأَرْضِ خَيْراً وَأَنْهَارَا

تُعَانِقُ فِيْهَا الشَّمْسُ طَيْفِي كَأَنَّمَا

    تَعَانِقُ فِي قَلْبِي بُدُوْراً وَأَقْمَارَا

علَى عَهْدِهَا أَحْيَا، وَتَحْيَا بِمُهْجَتِي

  فَأَسْكُنُ رَغْمَ الْبُعْدِ مِنْ دَارِهَا دَارَا

أَطُوْفُ عَلَيْهَا مَثْلَ طَيْفٍ بِخَاطِرِي

     أَبُوْحُ إِلَيْهَا مِنْ لَظَى الْحُبِّ أَسْرَارَا

وَأُقْرِئُــــهَا عِنْدَ الْبُعَادِ،  تَحِيَّةً

   فَتَقْرَأُ مِنْ فِكْرِي دُرُوْساً وَأَفْكَارَا

تواصل خوف الهجر للود حبله

  وتحفظ عهد الود حباً وإيثارا

توزع فيها القلب وصلاً وغربة

    لتأخذ من قلبي سنيناً وأعمارا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*نَعِيْم وسُهَاد وسَارِي: أَسْمَاءُ أَبْنَاءِ الشَّاعِر.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s