وتبقى نِعمُه

 

د. نسيم شلهوب
د. نسيم شلهوب
د. نسيم شلهوب

منذُ ذلكَ الحين، مع كونٍ بكلمةِ ” كُنْ ” تكوَّن، لم ينقصِ الوجودُ مقدارَ خردلةٍ وما زادَ على مُكوِّناتِهِ أنملةً. إلّا أنَّ هذا لا يعني أنَّ الثّباتَ وعدمَ التَغيُّرِ هُما سُنّتا الطّبيعةِ والكون. ولسنا بحاجةٍ لعظيمِ جهدٍ كي نُدرِكَ أنَّ التّغيُّرَ والتّطوُّرَ والتّحوُّل، حركاتٌ طبعتِ الكونَ، سادتِ العالمَ، تقودُ كلَّ موجودٍ إلى مَصيرٍ محتومٍ لا مفرَّ من بلوغِهِ. لذلكَ قيل : “ما من مُحدَثٍ، وما من زائلٍ، الكلُّ إلى تحوُّلٍ مائل”. هذا مبدأُ الحياةِ وشُرعتُها في وجهِها المادّيِّ الّذي لا يتعدّى الطّاقةَ والمادّةَ وما بينهُما من تبادُلِ وجودٍ وتكامُلِ أدوارٍ.

ما أن نبتعِدَ قليلًا عن الطّبيعةِ الفيزيولوجيّةِ للعناصِرِ الكونيّةِ والعالَميّةِ حتّى تُطالِعَنا وَزَناتُ الخالقِ ونِعمُهُ، الّتي على ذاتِها تُضافُ لتَغمُرَ بفَيضِها الإنسانَ والوجود. يجودُ اللهُ مَثلًا، على إنسانٍ بنعمةِ الصّوتِ العَذبِ والمَقدِرةِ على الغِناءِ والإطرابِ. بعدَ حينٍ ، يقصُرُ أو يطولُ، يذهبُ المُغنّي، وفقَ مبدأِ التّحوُّلِ والتّبدُّل، وتبقى المَوهِبةُ على حالِها مَدرسَةً تُعلِّمُ أجيالًا، تُضفي على الأجواءِ حبورًا، تُسهِمُ في تراكمِ خُبراتٍ، تُطوِّرُ فنًّا، ترفعُ ، في البناءِ الكَونيِّ، لُبنةً، تدفعُ بالموسيقى إلى أعلى.

قد يُنعِمُ الخالقُ من غيرِ حِسابٍ على أحدِهم فيُبرِزُهُ عالِمًا، يكشفُ أمامَ بَصيرتِهِ ما احتجبَ على ذكاءِ أقرانِهِ، يخصُّهُ بموهِبةِ الاكتشافِ والإختراع فيرودُ فيافيًا بكرًا عَصَتْ على كلِّ مَن عَداه، فيكتشفَ، كما حدثَ لكثيرين: الكهرباءَ، التبريدَ، الهاتِفَ، السيّارةَ أو الطّيارةَ والسّفينة َ وفي هتينِ الأخيرتينِ خَرقٌ لنواميسِ الطّبيعةِ حيثُ يطفو الثّقيلُ فوقَ الخفيفِ.

وما قولُكَ بريادةِ الفضاءِ والتغلُّبِ على قوةِ الأرضِ الجاذبةِ، واكتشافِ المجهولِ في ما تناهى بُعدًا عن كوكبنا؟! وصولًا إلى عالمِ الإلكترونيّاتِ والميديا و… والكمبيوتر وما كان يُحتسبُ قبلَ أعوامٍ قليلةٍ من عالَمِ الأساطيرِ والعجائبِ. واختراعاتٌ أُخرى لا حصرَ لها، واللّائحةُ تطولُ، اشتركَ مُخترعوها ومُكتشفوها بأمرَينِ لا ثالثَ لهُما : نِعمةُ الإبداعِ وآفةُ الزّوالِ.

إلّا أنَّ مَواهبَ الخالِقِ، ونِعمةَ كَشفِهِ الّتي وفَّرَها لأحدِ هؤلاءِ المُنعَمِ عليهم، لا يحكمُها زوالٌ ولا غمَرَها نسيانٌ، فاستمرَّتْ مِدماكًا ثابتًا يُضافُ إلى هيكلِ بِناءِ الحضارةِ الكونيِّ، يدفعُهُ قُدُمًا في مَدارجِ التطوّرِ والتّقدُّمِ نحو ما شاءهُ اللهُ من كَشفٍ لأسرارِ عالَمِه، وتحقيقٍ لجزءٍ من هدفيّةِ وجودِ إنسانِ هذه الأرض. مواهبُ اللهِ الفكريّةِ والعلميّةِ، الإستشرافيّةِ والفلسفيّةِ، لا تنضوي تحت مبدأ التّحوُّلِ الدّائريِّ حيثُ يكونُ العَودُ على بدءٍ شريعةَ زَوالِ الصّورةِ الأخيرةِ لاستِعادةِ صورةِ البَداءةِ الأولى ويُعيدُ التّكوُّنُ مسيرتَهُ.

نِعَمُ اللهِ المُتجَدِّدةُ دائمًا، المُتفوِّقةُ على ذاتِها، الضّاربَةُ في مَعرفةِ المَجهولِ أبدًا، مُعليةً أفقَ المَعرفةِ، دائبةً في توسيعِ رقعةِ الكَشفِ عن بعضِ أسرارِ الوجودِ، ساعيةً إلى تحقيقِ ما خَلقَ اللهُ الإنسانَ لأجلِهِ، لا يُمكِنُ إخضاعُها لصيرورةِ الزّوالِ، لأنَّها من نورِ إبداعِهِ انحَدَرَتْ، للكَونِ تُنيرُ، بهِ تبقى شَمسَ هِدايةٍ، وقمرَ استئناسٍ، تُبعِدُ ظلامَ شبَحِ الجَهلِ والعَماهةِ، توقِدُ سِراجَ البحثِ عن حقائقَ طالما قَبَعتْ أزمِنةً طويلةً في كَهفِ الخُرافةِ والأساطير. ومن بَواكيرِ نِعَمِهِ وأسماها تلكَ الّتي بها خصَّ الإنسانَ وميّزهُ على مَن عَداهُ من مَخلوقاتِهِ، فأعطاهُ أن يستشرفَ وجودَ باريهِ، أن يتواصَلَ مع خالقِهِ، يعبُدُهُ يُناجيهِ، يلجأُ إليهِ بتضرُّعٍ أو صلاةٍ، يرتمي في أحضانِهِ في نقمةٍ، وهو الّذي دَعاهُ بقولهِ: ” تعالوا إليَّ يا ثقيلي الأحمالِ وأنا أُريحُكم”، يشكرُهُ في نعمةٍ وفي غفرانٍ ورحمةٍ، يُسامِرُهُ في وَحدةٍ، يأنَسُ إليهِ في وَحشةٍ، يكونُ مَلاذَهُ في مرَضٍ وضَعفٍ وقُصورٍ، ويكونُ عزُّهُ في برءٍ وهناءٍ وسرور.

إنّها أمُّ النِّعمِ ورأسُها، بها أضحى الإنسانُ إنسانًا، علا فوقَ مُكوِّناتِ الوجودِ قاطِبةً، بفعلِها نشأتْ بين الخالقِ والمخلوقِ جدليّةٌ أبديّةٌ يعترفُ بها الطّرفانِ، على غيرِ تكافُئهما، الواحِدُ بالآخر، يسجُدُ العابدُ لعَظَمةِ مَعبودِهِ وخالقِهِ، ويُكرمُ المَعبودُ عابِدَهُ، يرعاهُ وإلى هدفيةِ وجودِهِ يُرشِدُهُ.

يذهبُ الموهوبُ وتبقى المَوهِبةُ، يغيبُ العابدُ وتبقى العِبادةُ، يفنى المُغنّي وتبقى الأغنيةُ، ينتقلُ الكاتبُ ويبقى الكِتابُ، يُطوِّرُ الإختراعُ العالمَ ويغيبُ المُخترعُ ، تُخلِّدُ القصيدةُ شاعِرَها، والسمفونيّةُ مؤلِّفَها… السُّبحةُ لا تنتهي، الحياةُ للنِّعمةِ، وتبقى نِعَمُهُ.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s