د. ناتالي الخوري غريب

الرصانة المنهجيّة في كتاب مهى الخوري نصّار

“البنية الأسلوبيّة في شعر الحاج، الخال والبياتي”

الدكتورة مهى الخوري نصّار
الدكتورة مهى الخوري نصّار

صدر حديثًا عن دار سائر المشرق كتاب “البنية الأسلوبيّة في شعر أنسي الحاج ويوسف الخال وعبد الوهاب  البيّاتي”، في 500 صفحة، للدكتورة مهى الخوري نصّار، الأستاذة في الجامعة اللبنانيّة، كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة، الفرع الثاني.

لا يكتسب الموضوع جدّيته من  أهميّة أسماء الشعراء موضوع الدراسة فقط، بل من الرصانة المنهجيّة التي اعتمدتها الكاتبة، والدقّة التنظيميّة في التبويب والتقسيم والتسلسل والمنطقي، كذلك عدّتها البحثيّة المكتملة ولغتها الأنيقة والموضوعيّة الخالية من شوائب الأخطاء الشائعة والمبالغات النقديّة.

غلاف كتاب "البنية الأسلوبيّة في شعر أنسي الحاج ويوسف الخال وعبد الوهاب  البيّاتي"
غلاف كتاب “البنية الأسلوبيّة في شعر أنسي الحاج ويوسف الخال وعبد الوهاب البيّاتي”

منهج نقدي رصين

أسس كثيرة تجعل هذا الكتاب يكتسب فرادته وأهميّته. بالنسبة الى موضوع البحث، يحمل الكتاب عنوان البنية الأسلوبيّة، ما يحيلنا إلى منهج نقدي رصين، يعدّ “ثورة في النقد الأدبي الحديث، أحدثتها معادلة دي سوسير المفرّقة بين اللغة (التي تمثّل الثابت- المعيار) والكلام (الذي يمثّل المتحوّل- الانحراف والعدول)، وهذا ما أوضحه عبد السلام المسدّي حين قال إنّ النحو مجال للقيود والأسلوبيّة مجال للحرّيات” (ص 15).

أمّا تطبيق منهج الأسلوبيّة، فجاء على نتاج شعراء كان لهم كبير الأثر في تشكيل ملامح الحداثة الشعريّة، رؤيةً وفنًّا. فأنسي الحاج يمثّل بوضوح التيّار السرّياليّ في الشعر الحديث، ويوسف الخال يمثّل نموذجًا للحداثة في اللغة انطلاقًا من دعوته إلى العربيّة الحديثة، وعبد الوهاب البيّاتي، هو نموذج لافت للتيّار الاشتراكي في الحداثة. وقد تكون الدراسات التي تناولت هذه الثلّة من الشعراء كثيرة، ولكنّها، بمعظمها، لم تركّز على البنية الأسلوبيّة، كما لم تُعنَ بالتركيز على اللغة الشعريّة لديهم، انطلاقًا من منهج نقديّ حديث، في قراءته بآليّات المناهج النقديّة الحديثة، التي تمكّن من مقاربة النصوص، والدخول إلى كُنْه عوالمها الإيحائيّة، وتبيان ما تخبّئه من أسرار تُجسّد براعة الشعراء، وتُظهر مواقفهم من الحياة والواقع.

تحاول الباحثة في كتابها الإجابة عن عدد من التساؤلات حول حدود العلاقة بين قصائد الشعراء الثلاثة من جهة والتراث العربيّ من جهة ثانية، وقدرة قصائدهم على تحويل هذا التراث إلى طاقة تتحرّك القصيدة الحديثة من خلالها، وتاليًا، كيفيّة تفرّد كلّ منهم على المستوى الإيقاعي والبلاغي والتركيبي والمعجمي والظواهر الأسلوبيّة اللافتة التي تميّز بصمتهم ومدى علاقة التحوّلات في بنية أسلوبهم باختبارات واقعهم وبعمق رؤياهم لتخرج الى البنية الدلاليّة الكبرى بعيدًا من الإسقاطات والأحكام المسبقة، بل انطلاقًا من داخل النصوص إلى خارجها.

قسمت المؤلّفة كتابها استنادًا إلى قراءتين: قراءة أسلوبيّة لغويّة عُنيت بدراسة المستويات اللغويّة المكوّنة لهذا الشعر، وقراءة أخرى رؤيويّة اختصّت بتقصّي رؤية الشعراء الثلاثة إلى العالم، وقد جاء كتابها في بابين.

الباحثة د. مهى الخوري نصّار
الباحثة د. مهى الخوري نصّار

دراسة المستوى الإيقاعيّ

وخصّصت الفصل الأوّل من الباب الأوّل لدراسة المستوى الإيقاعيّ في نصوص الشعراء الثلاثة، كعمارة كلاسيكيّة أو حرّة، وتوصّلت إلى تأكيد خروج أنسي الحاج عن الموروث، وابتعاده من البحور الخليليّة الكلاسيكيّة، وذلك خلال مراحله الشعريّة الثلاث، وتفاعل يوسف الخال الواضح مع العروض الخليليّ في بداياته وتحوّله في مرحلة لاحقة إلى الاكتفاء بالتفعيلة كوحدة عروضيّة لينتهى في مرحلته الشعريّة الأخيرة إلى كتابة القصيدة بالنثر التي تتخلّى كلّيًّا عن التفعيلة كا فعل عبد الوهاب البياتي. وتناولت في الفصل الثاني من الباب الأوّل، المستوى التركيبيّ، الصرفيّ- النحويّ، والتشكيل البلاغي (في بناء الجملة والضمائر والتقديم والتأخير والتوكيد واستخدام حروف العطف وخرق الأصول التركيبيّة) وفي دلالات الجمل الإنشائيّة في نصوص الشعراء، وما أظهره هذا الفصل أنّ الشعراء الثلاثة لا يطرحون رؤيتهم إلى العالم، في شكل إخبار وتقرير، بل اقترنت رؤيتهم الشعريّة الحديثة باللغة الإبداعيّة في صوغهم الشعريّ وتماثل المبنى والمعنى بطريقةٍ متكاملة. وتوصّل الفصل الذي درس المستوى المعجميّ الدلاليّ إلى التقاء معجم الشعراء الثلاثة في قدرته على الإيحاء، وعلى انتقاء الكلمات الأكثر قدرةً على إيصال الأفكار مع تميّز كلّ شاعر بفرادته لغةً وفكرًا وصورًا وتركيبًا، معبِّرًا كلٌّ منهم عن رؤيا شعريّة خاصّة به.

دراسة الصورة الشعريّة

د. مهى الخوري نصّار
د. مهى الخوري نصّار

أمّا الباب الثاني، فقد اهتمّ الفصل الأوّل منه بدراسة الصورة الشعريّة، وأثبت أنّ أطراف الصورة عند أنسي الحاج تتباعد لتصل إلى مرحلة تنعدم فيها العلاقات، ما يعكس صورة جدليّة، تقوم على هدم الواقع لإقامة واقع جديد على أنقاضه وأنّه يستخدم صورًا ديناميّةً غامضة، طالعة من عتمة الداخل، بعيدة من التنسيق المنطقيّ الذي يحكم العالم الخارجيّ، لكنّها صور كفيلة بتصوير الأعماق، وبالإيحاء بكثافة الشعور.كذلك، أظهر أنّ الخال والبيّاتي يستغلّان الصورة بجميع دلالاتها، فترتقي عندهما، لتحمل وظيفة نفسيّة ووجوديّة وحضاريّة. وعُني الفصل الثاني بالتناصّ الدينيّ والأدبيّ والتراثيّ في نصّ الشعراء، وقد خلص إلى أنّ أنسي الحاج يحرص على صوغ الأسطورة بطريقة مغايِرةً للإخراج الذي وردت فيه في التوراة، كما يسعى إلى تكرار الآيات مشوّهة ومحرّفة عمّا أتى في الإنجيل المقدّس، وإلى إضافة عناصر وحذف تفاصيل، على سبيل التنظير، متّخذًا منها وسائط فنّيّة لتكثيف الإحساس بلعنته وتمرّده على الواقع. كما أظهر أنّ التجربة الصوفيّة هي أحد مصادر الرؤيا في شعر كلٍّ من أنسي الحاج وعبد الوهّاب البيّاتي، وأنّ العلاقة وثيقة بين الحداثة الشعريّة والتجربة الصوفيّة. كذلك، بيّن هذا الفصل أنّ الخال والبيّاتي يلجأان إلى التراث لا ليلتقطا أحداثًا برمّتها، بل ليعيدا النظر فيه، ويرتّباه، ويستقيا منه ما يخدم موضوعاتهما، وما يسهم في نموّ الأحداث وفي إنارة النظرة إلى الحياة.

منهل التجارب الإنسانيّة

د. مهى الخوري نصّار
د. مهى الخوري نصّار

بالإضافة إلى ذلك، بيّنت المؤلّفة أنّ الشعراء الثلاثة ينهلون من التجارب الإنسانيّة، فيحمّلون إذ ذاك شعرهم قضيّة الإنسان ومشاكله وقضاياه وصراعه مع الفقر والحُكم والحكّام والانصياع والتبعيّة والذلّ والخنوع وما إلى ذلك من موضوعات يعاني منها الإنسان في كلّ مكانٍ وزمان. وقد تجلّت في تجربة التناصّ لديهم، إنْ على صعيد القرآن والإنجيل والتوراة، أو على صعيد الأشعار والأمثال والأساطير التي كانت مصدر إلهامهم، والتي خضعت لتجربتهم، وذابت فيها، الأمر الذي شكّل ثورةً في الأفكار والرؤى والتطلّعات، على المستويين الأسلوبيّ- البنائيّ والمضمونيّ. وقسمت الفصل الثالث والأخير من الباب الثاني إلى مبحثين. درسَت في المبحث الأوّل البنية الدلاليّة الكبرى، مؤكّدة أنّ ملامح البنية الإيقاعيّة والمعجميّة والتركيبيّة والتصويريّة تعضد البنية الدلاليّة الكبرى إيقاعيًّا وتركيبيًّا ومعجميًّا وتصويريًّا. “فهي بنية جدليّة انقطاعيّة تشير إلى الغموض والفوضى والتشتّت والتمرّد في نصّ أنسي الحاج، وصراعيّة تواصليّة تشير إلى التناقض والتفاعل والسعي إلى الخلاص في نصّ يوسف الخال، وصراعيّة تصادميّة تشير إلى الالتزام والرفض والمعاناة في نصّ البيّاتي”. وفي ختام البحث، عمدت المؤلّفة إلى رصد أبعاد التحوّلات في نصّ الشعراء الثلاثة، انطلاقًا من المستويات والخصائص الأسلوبيّة اللافتة والبنية الكلّيّة، التي أظهرت أبعادًا رومنسيّة وواقعيّة وميتافيزيقيّة وسرّياليّة وصوفيّة وقوميّة واشتراكيّة وروحيّة دينيّة، نهلوا منها وتأثّروا بها، فشكّلت منطلق بنيتهم الأسلوبيّة ومحور رؤيتهم إلى ذواتهم، وإلى العالم.

في الختام، نبارك للصديقة الباحثة كتابها الجدّي الرصين، الذي يثري المكتبة العربية موضوعًا ومنهجًا رصينًا ولغة ترتفع بالنقد الى فضاءات الإبداع.

د. مهى الخوري نصّار
د. مهى الخوري نصّار
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s