أهلاً وسهلاً

antoine
مطانيوس ناعسي

أنعم الله على الأخوة الثلاثة بمائدة يوميَّة كبيرة، عليها ما لذَّ وطاب من طعام وشراب، كما بمنزل رحب، وبفائض في الملابس.

ولمّا كان الله قد مَنَّ عليهم أيضًا بحُسن الخُلُق، ارتأى هؤلاء أن يُشاركوا غيرهم من الناس، ولاسيَّما المُحتاجين منهم، نِعَمَ الخالق تلك، فالطعام والشراب وافران، ويفوقان حاجتهم بكثير، أمَّا حفظهما في الثلاّجات والبرّادات فلا مبرّر له، ما دام هنالك مع كلّ طلعة شمس، مائدة جديدة!

ولذلك، قرَّروا ترك أبواب منزلهم ونوافذه مفتوحة للزائرين، حتّى في أثناء غيابهم، وأهلاً وسهلاً بالجميع.

فراح الناس يتهافتون إلى تلك الدار، يأكلون ويشربون ويستريحون، من دون حسيب أو رقيب، فيما الأخوة الثلاثة يشعرون بفرح عارم.

إلاّ أنَّ الأمور، وبعد مرور أسبوعين على هذا المنوال، بدأت تأخذ منحى آخَر، فعلى الرغم من التزام قسم من الزوّار بآداب الزيارة، بدأ آخرون بالتصرّف وكأنَّهم في بيوتهم، أمَّا الباقون، وهم أكثريَّة، فباتوا يقومون بتصرّفات يرفضون هم أنفسهم ممارستها في بيوتهم، كأن يتركوا أطباقهم المُتَّسخة على الطاولة بُعَيْدَ انتهائهم من تناول الطعام، ويُلطِّخوا الأثاث بأنواع شتَّى من البقايا، ويمتنعوا عن تنظيف أيّ جزء من أجزاء المنزل الذي بخيراته ينعمون!

أمّا الأخوة الثلاثة، فكان صبرهم عظيمًا في تلك الأثناء، وأملهم كبيرًا بأنَّ الأمر يُمكن إصلاحه بحُسن التدبير والإرشاد، وببعض التوصيات، وأمسوا، عند عودتهم من العمل، يكدّون لتنظيف ما خلَّفه زوّارهم من قاذورات، ويجهدون لاستيعاب تصرّفات الّذين لا يبرحون المكان، ويأتون على ما تبقَّى من طعام عشائهم، ويشغلون كنباتهم وأسرَّتهم، ويتحكّمون بتلفازهم، وذلك من دون أن يتزعزع إيمانهم بسموّ ما يفعلون.

ولأنَّ للصبر حدودًا، وبعدما ضاع الإرشاد هباءً، وسقطت التوصيات، وباءت تدابير الأخوة جميعها بالفشل، وبعد ليلة فاق في خلالها إزعاج الزوّار العابرين والمُقيمين كلّ حدٍّ، اجتمع أصحاب الدار الأصليّين على غفلة من الدخلاء، وقرّروا على مضض، إغلاق أبواب منزلهم ونوافذه في وجه الزوّار بحلول اليوم التالي!

ولمّا كان اليوم التالي يوم عطلة، انتهز الأخوة لحظة صباحيَّة مُناسبة، ونفّذوا ما اتّفقوا عليه في الليلة الفائتة، وانطلقوا بعدما تناولوا فطورهم، بحملة تنظيف وترتيب شاملة استمرّت طوال النهار، فيما المُتضرِّرون في الخارج يندِّدون بالقرار، ويشتمون ويسبّون، ويقرعون الأبواب والنوافذ، ويطالبون بفتحها فورًا!

عقب ذلك، شعر الأخوة الطيِّبون بالحزن الشديد، لأنَّ قسمًا من زوّارهم كانوا مؤدَّبين ومُحتاجين بالفعل، وما أزعجوهم يومًا، ولأنَّ إجراءهم ذاك ساوى الصالح بالطالح أُسوة بالعديد من الإجراءات المُجحفة في هذه الدنيا، وهذا ما لا يريدونه أو يرتضونه، لذا، عدَّلوا خطّتهم، وصاروا عند كلّ صباح، يُوضِّبون الفائض من طعامهم وشرابهم في أكياس، ويُوزِّعونه بالشكل المُناسب، قبل أن ينصرفوا إلى أعمالهم.

Advertisements

One thought on “أهلاً وسهلاً”

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s