عَمِيد الأَدَب العَرَبِي في ذِّكْرَي رحيله ال 42

قراءة في كِتَاب” أَدِيب” لـ طَهَ حُسِين

وإضاءة على رُمُوزِه الأَدَبِيَّة والإبداعيّة

عميد الأدب العربي مع زوجته الفرنسية سوزان، التي كانت تقرأ له أشعار راسين
عميد الأدب العربي مع زوجته الفرنسية سوزان، التي كانت تقرأ له أشعار راسين

د محمّد.م خطّابي* (غرناطة)

ولد عميد الأدب العربي د . طه حسين في 15 نوفمبر 1889 بقرية مغاغة (محافظة المِنيا) ، وإلتحق بالرّفيق الأعلى في يوم 28 أكتوبر (تشرين الأول) 1973 عن عمر يناهز 84 عاماً،. وفى هذا التاريخ من العام الحالي (2015) مرّت 42 سنة على رحيل هذا الرّائد فى  مختلف حقول التنوير، والتحديث ،والإبداع، والتعليم.،ونقوم بهذه المناسبة  بإطلالة على أحد أعماله الأدبية الشّهيرة، وهو كتابُه “أديب” الذي لم ينل حظّه الأوفر من العناية، والدّراسة، والتحليل مثل كتابه ” الأيّام ” ، وسائر أعماله الإبداعية الأخرى.

الأدَبُ والمُعَانَاةُ والخَلْق

لكلٍّ منّا ماضٍ منقضٍ وذكرى أو ذكريات عشناها فى طور الطفولة، أو فى شرخ الشّباب، إنّها جزءٌ من حياتنا قد ولّى ،أو شطرٌ من عمرنا قد إنقضى،لابدّ أن ينعكس على ما يصدر عنّا من أعمال إبداعيّة، أوفنيّة، هي المرآة التي نرى بها أو فيها أنفسنا، والتي نصوغها فى قوالبَ مختلفة، لها مُسمّياتها المعروفة فى ميدان الخلق الفنّي، ولكن طريقة هذا الإنعكاس غالباً ما لا يكون – أو ينبغي له أن لا يكون- مباشراً تقريريّاً لا يكلّف القارئَ كبيرَ عَناء فى إستكناه خفاياه ومعرفة حقيقته، فيُحرم بالتالي، من مُتعٍ شتىّ قد يجدها فيما يقتنيه من أعمال الآخرين،أمّا إذا كان ما يقدّمه لنا الكاتبُ شيئاً يعود عليه بالمتعة هو،قبل أن يعود علينا نحن،ويترك فى نفسه من الأثر أبلغَ ما يتركه فى أنفسنا، فإنّ ذلك لا يعدو أن يكون فنّاً ناقصاً أو غيرَ ناضج، ونعني بهذا الكاتب الذي يزجّ بنفسه فى عالم التّجربة للتّرجمة عن مشاعر الآخرين دون أن يعيش هذه التجربة معايشة حقيقية، كما يوجد من الكتّاب من يتعذّر عليه التعبير بوسائل فنيّة دون أخرى مثل القصّة أو الرّواية على سبيل المثال، ولستُ أزعمُ هنا البتة أنّ الجوانب الأخرى من التعبير التي تعتمد على السّرد المباشر دون إستعمال الرّمز أو الإشارة ..إلخ. ليست فنّاً، أو على الأقل لا تدخل فى إطاره، بل إنّه فنّ قائم ولا شكّ، ولكنّ تحقيقه هو الآخر يحتاج إلى مهارة فائقة،وجرأة خاصّة ليندرجَ تحت ما نسمّيه بالمذكّرات، أو الإعترافات، أوالتراجم، أوالسّير الذاتية،وهذا اللون من الكتابة لونٌ جميل، وشيّق، ومُغرٍ فى نفس الوقت،غيرَ أنه لكي يرقى إلى المستوى الفنّي اللاّئق ، فإنه يتطلّب من صاحبه أن يكون صادقاً فيما يَكتبه أو يُترجمه ،أميناً،جريئاً وصادقاً فى نقل الأحداث أوالوقائع، إذعليه أن يُصوّر لنا كلَّ ما مرّ به فى رحلته الحياتيّة من أحداث، أو صادفه من بؤس أوشقاء، أومباهج أو مسرّات ،أو أحزان أو آلام، وهنا يكمن رأس الحَربة فى الرقيّ بهذا الفنّ ..هنا يكمن السرّ الذي حبّب هذا الفنّ إلى نفوس النّاس، ذلك لأنّهم يبحثون دوماّ عن ” المتناقض” من الذّات نفسها،وعمّا خفي منها ، لهذا السّبب لم يكن من الغرابة فى شئ أن تحظى – على سبيل المثال – مذكّرات الأديب الرّوسي “ماكسيم جوكي” التي ضمّنها فى كتابه “حياتي” من نجاح كبير ،ولم يكن غريباً أيضاً أن تنالَ إعترافاتُ ” جان جاك روسّو” أو  “أنديه جيد” أو سواهم من الأدباء الذين خاضوا غمارَ هذا الفنّ من ذيوع صّيت، وشهرةٍ واسعة الشئ الكثير،غير أنّ هذه الجرأة قد لا تواتي جميع الكتّاب، وربّما إعترف البعضُ منهم بأنّ ما قاله فى قصّة أو مسرحية مثلاً يُعبّر بالتحديد عمّا يشعره أو يحسّ به ،ويلقي بذلك مزيداً من الأضواء على أعماله، والأمثلة من هذا القبيل كثيرة جدّاً، فالكاتب الفرنسي “جوستاف فلوبير” كان يقول فى أخريات أيّامه ” إنّ مدام بوفاري هي أنا “! ، كما أنّ الكاتب الإسباني المعروف سيرفانتيس أجاب حينما سألوه وهو على فراش الموت : مَن الذي تقصد بدون كِيخُوتِه بطل قصّتك الرّائعة..؟ قال ” لا أقصد أحداً غيري” ! إلخ.

الأدب إذن إنما هو تعبيرٌعن الذّات فى حالاتها المختلفة، وهو فى الوقت نفسه تعبيرٌعن ظروف، أو ملابسات، أو معايشات ترتبط بهذه الذّات، أو تحيط بها. وطريق التعبير الذاتي أو الترجمة الذاتية طريق سهل واضح عند البعض، إلاّ أنه طريق قد يكون غامضاً،وصعباً عند الآخرين ،وكلا التعبيرين له مستواه الفنّي، وله مزاياه وعيوبُه التي تُحدِّد قيمتَه التي تضمن له النجاحَ والبقاء، أوالفشلَ والزّوال، لذا لم يكن من باب الصّدفة أن تخلّد أعمالٌ أدبية مثلما خلدت أخرى، أو أن ينال بعضُها من الشّهرة والذّيوع ما لم تحظ به غيرُها،- عند هذا الحدّ- يمكن القول بأنّ الأديب المبدع مسئول عمّا يقدّمه، أو ينتجه من أعمال،وما يقدّمه أو ينتتجه هو الذي يقرّر وجوده،ويُثبت ذاتَه دون دخلٍ لصاحبه، أو لذيوع صيته، وشهرته فيه ،لأنّه ربّما كانت هذه الشّهرة فى مجالٍ غير الذي نحن بصدده،وكم من أديبٍ لم تظفركلُّ أعماله بالنجاح والشّهرة، بقدر ما ظفر عملٌ واحد أو إثنان منها. وإذا نحن ألقينا اللّومَ على الكاتب، أو الأديب بصفته صانعاً لهذا الأدب، فذلك لأنّه إليه يؤول الفخرُ والإعجابُ، أوالنقيصةُ والصّغرُ فيما يُنتجه ،إذا إتفقنا على هذا كلّه، آن لنا أن ننتساءل عن هذا العمل الذي بين أيدينا الآن الذي تحت عنوان: “أديب” لعميد الأدب العربيّ الدّكتور طه حسين.

قصّة أم سّيرة ذاتية..؟

طه حسين
طه حسين

هل ” أديب” إن هو إلاّ صورة واضحة صريحة لطه حسين نفسه فى فترة معّينة من فترات حياته..؟ هل هو إمتداد لعملٍ مشهور ترجم فيه لحياته ،وهو” الأيّام” ..؟ أم هوعملٌ قائمٌ بذاته ، كتبه مؤلفه بدافع مّا..؟ أم هو قصّة لم تخضع للمقاييس المتعارف عليها فى هذا الباب ..؟ أم هو سلسلةُ أحاديثٍ ورسائلَ متلاحقةٍ مسهبة..أم ماذا..؟ لا ريب أن مثل هذه التساؤلات تواجه القارئ المجدّ عند قراءته لهذا الكتاب،لأنّه واجدٌ فيه (طه حسين نفسَه) أيّ الرّجل لا المؤلف، وهو يُفصح عن نفسه دون خوف أو تردّد فى بعض المواطن، ويتحفّظ فى أخرى..فماذا إذن فى “أديب” وماذا عن كاتبه؟!

يصوّر لنا الدكتور طه حسين فى هذا الكتاب شطراً من حياة شخصين ،كلاهما ينحدر من أقاصي الصعيد، إلى القاهرة  ليلتحقا بالأزهر ، ثم بالجامعة المصرية، وبعد مدّة سيحظى أحدُهما بفرصة السّفر إلى فرنسا ليواصلَ تعليمَه هناك، وعند وصوله إلى فرنسا نجده ينغمس منذ الوهلة الأولى فى الحياة الجديدة التي لا عهدَ له بها من قبل،هذه الحياة التي قِوامها اللّهو، والمرح ،والمجون،وقبل أن يصل إلى باريس، عند نزوله فى مرسيليا يلتقي بفتاةٍ تعمل فى الفندق الذي نزل به،ويتعلق بها على حين غرّة تعلقاً شديداً،وينسى زوجتَه “حميدة ” ويهيم هوىً وصبابة بهذه الفتاة “فرنند” ، ثم نجده سرعان ما يقتنع بأنّ الماء إنّما هو شراب الحمير ،وأنّ النبيذ المعتّق، والجّعة الجيّدة خيرُ شراب للإنسان،وتمتدّ يداه إلى إلى الكأس منذ الأيام الأولى، بل إنّه لا يتورّع من أن يسكر حتى الثّمالة، وهو بعد حديث العهد بالوصول إلى هذا الوسط المتفتّح والمتحرّر لدى البعض، والماجن المنحلّ لدى آخرين،قادماً من وسطٍ محافظ  مثل القاهرة حيث (الحِشمة والوقار) والنّهي عن الفحشاء والمنكر، واعتاد أثناء أسفاره على مراسلة صديقه الذي ظلّ فى القاهرة ،وبعد أن يختلف إلى السّوربون ويجتهد إجتهاداً لا نظير له، نراه ينقلب دون مسبّبات :” يكفي أن تعلم أنّ صديقك الذي كان جادّاً كلّ الجدّ،منصرفاً كلّ الإنصراف إلى الدّرس قد قطع الأسبابَ كلَّها بينه وبين الدّرس، ووصل الأسبابَ بينه وبين (إلين)..وداعاً أيّها الصديق، إنّ (إلين) تضيق بإنصرافي عنها إليك،ولئن مضيتُ فى الحديث لتمزقنّ كتابي إليك تمزيقاً، فلأنصرفنّ عنك إليها ،ولأستقبلنّ معها حياةَ المساء فى باريس المضطربة، فمن يدري عمّ يُسفر لنا الصّباح”؟ .

على هذا النحو أصبحت حياة “أديبنا” فى باريس حياةَ لهوٍ وعبثٍ ومُجونٍ حتى يصل به الأمر فى النهاية إلى التخبّط فى  دهاليزالجنون إنه يقول لصديقه : ” وداعاً يا سيّدي، إنّي لأرى شبحَ الجنون بغيضاً مُزعجاً، ولكنّي مع ذلك لا أهابه، ولا أتأخّر عنه،وإنّما أقدم عليه إقدامَ المُحبّ الجريئ، كيف لي أن أحجم عن الجنون وقد إتخذ لنفسه صورةَ ( إلين) ” !

وأخيراً أمسى صاحبنا يتخيّل أوهاماً غريبةً بعد أن يصبح طريحَ فراش المرض ، يُخيل إليه أنه ألمانيا ،وأنه النازي الغادر وأنّ الصّحف الفرنسية مجتمعةٌ على طرده من باريس المدينة التي وقف بجانبها، وساندها وساعدها عندما هوجمت،ويتوهمّ أنّ الحلفاء أجمعوا على نفيه إلى المغرب الأقصى،بعد أن إنقلب عليه أهلُ باريس جميعاً من سكّان، وصُحف، وأساتذة.

ونستنتج من إحدى الرسائل التي كتبها إلى صاحبه أنه قد خطب فتاةً من أستاذ من أساتذة السّوربون،وهذا ما غاض إلين، التي طالما تغنّى بحبّها ،والتي إنصرفت عنه بعد أن علمت بأمر هذه الخطبة ،ونصل إلى نهاية هذا المطاف ،عندما تحمل إليه ذاتَ مساءٍ صاحبةُ البيت الذي كان يقيم فيه حقيبةً ومعها خطاب .وبعد أن بلغ الجنونُ به مداه ،وبعد أن أصبح لا أمل بتاتاً فى علاجه، قدمت له الحقيبة، وأوصته بغرفة مُغلقة منذ عام بها كتبٌ كثيرة ،ولما إطّلع عليها إذا به يقف على أدبٍ حزين ،رائع، وصريح لا عهدَ للغتنا بمثله فيما يكتبه أدباؤُنا الشبّان ،ومن ثمّ همّ بنشره ، ومن بينه هذا الكتاب.!

هل إلتزم المؤلِّف منهجاً معيّناً فى كتابه

غلاف كتاب "اديب"
غلاف كتاب “اديب”

هل إلتزم طه حسين منهجاً معيّنا فى كتابه “أديب” أم أنّه أرسل الكلامَ على عواهنه طيّعاً منساباً دون التقيد بالأصول الأدبية أو ما شابهها؟ إنّ طه حسين نفسَه، يعترف بأنّه لا يلتزم طريقاً بعينها فيما يكتبه من أعماله القصصية أو ما شاكلها، وإذا ألقى القارئُ نظرةً عجلى على سبيل المثال على كتيّب آخر من كتبه وهو ” المعذّبون فى الأرض” لوجد أنّ الأقاصيص التي إحتواها هذا الكتاب لا تتوفّر على المقاييس اللاّزمة لكلّ قصّة. إذا كان الأمر كذلك، أيّ إذا كان طه حسين لا يُخضِع كتاباته للمقاييس المتّفق عليها ،فما هو المِعْول الذي نعمل به فى تناول مثل هذه الأعمال بالدّراسة والتحليل ؟خاصّة إذا وضعنا نصب أعيننا قولَ ناقدٍ وشاعرٍ كبير وهو “ت،س، إليوت “حينما يقول :” حتى وإن كانت عظمة الأدب لا يمكن أن تُحدّد فقط بالمقاييس الأدبيىة، إلاّ أنّه على الرّغم من ذلك يجب أن نُدرك أنّه سواء كانت الأعمال أدبية أم غير أدبية ، فلابدّ من تقييمها فى آخر المطاف وفقاً لهذه المقاييس”، بمعنى أنه لا مناص من أن تكون هناك مقاييس أدبية لوزن،وتقييم العمل الأدبي”.

فهل نعتبر ” أديب ” قصّةً توفّرت فيها كلُّ مقاييسها الضروريّة؟هل هناك رابطٌ يربط بين أحداثها ؟ أيّ هل توفّرت على حبكة محكمة قائمة ؟ بل هل كانت هذه الأحداث مسلسلة بطريقة منطقية سليمة البناء؟ أم هي قصّة من ذلك النّوع من القصص الذي يكون معظمه مخلخلَ البناء ، مفكّكَ الأحداث الذي يسمّيه الناقد الإنجليزي ” أدوين ميود” فى كتابه “بناء الرواية” بقصص الشّخوص، والذي يقول عنه:” الأحداث فيه مفكّكة يسيرة، طالما أن المقصود منه هو توضيح جوانب الشّخصّيات”.

هل تندرج قصّة ” أديب” تحت هذا النّوع من الكتابة ؟ أم يمكننا أن ندرجها تحت صنفٍ آخر من القصص المعاصر الذي يخرج عن نطاق القصص الذي لا يتّبع فيها مؤلفوها منهجية القصّة التقليدية ،ويحاولون خلق أشكالٍ جديدة تناسب مضمونَ قصصهم ،ولا ينبغي للشّخصيات فيها ” أن تتقيّد بمعامل الزّمن ،بل إنّها تتحرّك إلى الوراء وإلى الأمام وفق رغبتها ،لا تتحكّم فيها الحكاية، بل الحركة النفسية التي تكمنُ وراءها، وتجتمع فيها المشاهد المختلفة ، هذه الحركة هي التي تُضفي على العمل الرّوائي نوعاً من الوحدة والإتساق”.

الحقيقة أنّ ” أديب” ليست من هذه ولا من تلك فى شئ،ويمكننا أن ندرجها – بتحفظ شديد- تحت قصص الشّخوص لأنّنا واجدون طه حسين يتنقل بين الفينة والأخرى من مكانٍ إلى آخر بل حتى فى الزّمان ، دون مبرّر وإنما إرضاءً لأهواء نفسية معيّنة أثناء الكتابة ،كما تمثّل هذا أيضاً فى الإستطراد المبالغ فيه الذي نجده فى القصّة حتى يصل الأمر بالمؤلّف فى بعض الأحيان إلى إطلاق كلام لا طائل من ورائه، والذي يُفسد على القارئ متعةَ التتبّع أثناء القراءة.ولنضرب لذلك مثلاً سريعاً ، إنّه يقول فى بداية الفصل الثاني :” لقد عرفتُه فى القاهرة قبل أن يذهب إلى  باريس، ثم أدركتُه فى باريس بعد أن سبقني إليها” ، كان فى إمكان الكاتب أن يحذف هذه العبارة السابقة ويبدأ بالعبارة التي تليها وهي: “..عرفته مصادفةً وكرهته كرهاً شديداً حيث لقيتُه لأوّل مرّة عندما كنّا فى الجامعة المصرية القديمة “،وبهذا نظل نتطلع إلى معرفة ما لم نعرفه عن صاحبنا وصديقه بطريقة أكثر فنيّة، وأقلّ تقريراً ،كما فى هذه الحال. الأمر الذي يطرح التساؤل التالي: ما الذي سيدفع القارئ إلى إكمال فصول الكتاب مادام الكاتب قد أغفل عنصرَ الإثارة والتشويق فيه ؟ وليس هذا هو المثال الوحيد فى هذا الكتاب من هذا النوع، بل هناك عشرات الأمثلة ممّا يُضعف من قيمة العمل الأدبي،لأنّ الفنّ العظيم إتّسم دائماً بالطريقة اللاّمباشرة التي تخلق فينا تشوّقاً، وتطلّعاً نحو إستكناه المجهول، والكشف عن الخفيّ المستور،وإلّا فيمكن  القول بأنّ طه حسين إنما يكتب، أو يسترجع ذكرياته فى غَمرةٍ من الفرح، والغبطة غير مبالٍ أو محتفلٍ بهذه الملاحظات التي لم تكن بخافيةٍ عنه دون شك. ولئن صحّت هذه الملاحظة الأخيرة أمكننا أن نعتبر هذا المؤلَّف من التراجم أوالسّيرالذاتية التي تتوارىَ خلف قناعٍ خفيّ لا يُزيحه المؤلِّفُ عن نفسه إلاّ بعد مشقّة وعناء ،وهذه الملاحظة فى نظر النقاد هي الأقربُ إلى الصّواب من غيرها  لأنه عمل لا يسموإلى مرتبة أيِّ مؤلّفٍ آخر من أعمال طه حسين الأدبية مثل كتابه ” الأيّام”.

يقول الناقد فتحي غانم  :” إن طه حسين كثيراً ما يكتب على هواه غير عابئ وغير مرتبط بهدف ولا مسوق إلى غاية سوى غاية الفن والجمال،ولكننا ما نكاد نفحص أعماله حتى نجدها صدًى لنفسه ،وما نفسه إلاّ إنعكاس لظروف بيئته ومجتمعه ” ! هل بلغ طه حسين هذا الهدف وهل حقق هذه الغاية ؟ هل جاء كلّ ما كتبه فنّاً جميلاً؟ لا شك أن طه حسين كان ذا حظ كبير فى الإطلاع على أسرار الجمال، والإستمتاع بسحر الفنّ ،ولكن ليس كل فنّ أو جمال سواء، بل غالباً ما  يكون هناك تفاوت بين أيّ فن وآخر،وهنا يبرز لنا سؤال آخر على هذا النحو: فى أي مستوى يمكن أن ندرج هذا الفن ؟ لا شكّ أنه مستوى رفيع ، هذا فى أعمال بعينها دون الأخرى  ،ففي ” الأيام” ذلك السجلّ الحافل الذي لا يفتأ المرء يقرأه المرّة تلو الأخرى من غير أن يملّ من قراءته، تلك المرآة الناصعة التي تتجلىّ لنا فيها صورة لا يعتريها صدأ ولا يكتنفها غموض لطه حسين نفسه فى أوّل حياته وهو ضرير فقير،ذلك الصبيّ الشقيّ الذي كان يظلّ النّعل برجليه سنة أو ما قاربها ،والذي يقضي بقيّة العام حافياً ، ذلك الصبيّ الذي حفظ القرآن فى التاسعة من عمره،والذي لا يرى فى حفظ القرآن وتعليمه مخرجاً لما تتوق إليه نفسه من حياة ليس فيها شظف الريف وفقرها المذقع،هذه الصور المتعددة وسواها التي رسمها لنا طه حسين بريشة فنان تحفل بأنبل المشاعر، والتي لن يزيدها الزّمان إلاّ ضياء ،إن “الأيام” تلك التي عاشها طه حسين والتي جاءت فى كتابه هذا أيام من عمر طويل أو هي عمر من أيام قصيرة، لم تأت هذه المشاعر على هذه الصورة التي رأيناها عليها إلاّ لصدقٍ فى الإنطباع ولتألّمه وحسرته على تلك الأيام الخوالي التي مضت، وإنقضت ولم يبق منها سوى وميض الذكريات التي خشي عليها صاحبها من الضياع فسجّلها فى هذا الكتاب،وإذا نحن نبشنا فى أعماق هذه “الأيام ” لنرى أين يكمن السرّ الذي جعلها ذات قيمة أدبية عظمى لألفيناه دون شك يكمن فى صدق التعبير، وجمال التصوير ،وجماعية التجربة فى فرديتها،وشفافية الأسلوب ورقته،ونفاذه إلى القلوب دون جهد أو بعض عناء،كما يكمن السرّ فى كونها جاءت صورة للطبقة المتوسطة بفقرها وعجزها وجهلها القديم، وتصويراً دقيقاً للتقاليد العتيقة البالية التي كانت سائدة فى عصر المؤلّف، والتي ذهبت بعينيه وببصر العشرات من أمثاله،إذا كان هذا هو حال طه حسين فى ” أيامه”، فماذا عنه فى “أديب” ؟ ذلك الذي كان يرى فى أوربّا عامة، وفى فرنسا خاصة منقذته وكل بغيته ومناه،وما أن أدركها حتى جنّ جنونه..!

تطليقُه للماضي وعناقه للمُستقبل

إننا إذا حكمنا على أيّ عمل أدبي  بالنظرة الخاطفة ،أيّ على صورته الظاهرة فلابدّ أننا غافلون – لا محالة – عن جوانب هامة تختفي وراء هذا الظاهر، ولكي نبدّد هذا الضّباب دعنا نلقي بعضاً من الأسئلة التي تنبثق من خلال العمل الأدبي نفسه،منها: لماذا مدّد الأديب إقامته فى مرسيليا أياماّ أخرى وهوقاصد باريس؟ لماذا يعترف لنا بتوقّد عاطفته بسهولة وبسرعة نحو فتاة تعمل خادماً فى الفندق الذي نزل به؟ لماذا أباح لنفسه شربَ الخمر والنبيذ المعتق بهذه السرعة المذهلة أي إثر وصوله من القاهرة ،وهوالشيخ الأزهريّ التقيّ النقيّ، وهنا يكمن السرّ الذي ينبغي لنا أن نلتفّ وراءه من خلال هذه التساؤلات التي تبدو بديهية لأوّل وهلة غير أننا إذا تعمّقناها لألفيناها عكسّ ذلك، “فأديب ” هذا الذي نزل كما ينزل عامة الناس فى فندق من فنادق مرسيليا ليقضي ليلة أو بعضها ثم يواصل طريقه إلى باريس،كيف حدث له أن هام حبّاً بأوّل فتاة يلتقي بها وهي خادمة الفندق ” فرنند” ؟! هل كان محروما من الجنس اللطيف أثناء إقامته فى القاهرة ؟ أم هي صورة من  صور جنونه وخلاعته كما فسّرها بعض النقاد؟ الحقيقة لسيت هذه ولا تلك ،ذلك أنّ طه حسين على الرّغم من أنه أورد فى هذا الكتاب أنّه كان متزوّجاً،فإنّ الحقيقة تتعارض وهذا القول، ذلك أنه ليس هناك ما يثبت تاريخياً أنّ طه حسين كان متزوجاً قبل سفره إلى فرنسا،وما إشارته إلى تطليق زوجته ” حميدة ” سوى رمز إلى جفوته لنساء مصر اللائي كنّ يمثّلن فى نظره فى ذلك العهد صورة من صور الرّجعية والتخلّف والجهل، ويتأكد لنا هذا الرّمز، ويتجلّى بشكل أكثر وضوحاً فى إقباله المنقطع النظير على الحياة العصرية الجديدة فى فرنسا ،فما أن وطئت قدماه مرسيليا حتى أقبل على شرب الخمر بشراهة، كما  تمثل فى إقامته علاقة حبّ محمومة مع فتاة الفندق “فرنند” هذا الإقبال، وهذا الشّره، وهذا الإنفتاح ،وهذا الإنغماس فى الوسط الجديد، إن هو  فى الواقع إلاّ تفسير للشّوق الذي كان يعتمل فى نفس طه حسين منذ كان فى القرية فى مصر،كما أنه يفسّر طموحه نحو حياة أفضل وعالم جديد ، وتعطشه لحياة راقية حافلة بشتى أسباب النّعم والبذخ ، ففي شربه للخمر، وإقباله عليها بذلك النّهم كأنّما كان ” يشرب” الحياة الجديدة التي طالما تاقت نفسُه إليها، كما أنّ فى طلاقه من زوجته بهذا المعنى ليس سوى ” تطليق” لحياة التعاسة والبؤس التي كان يحياها على مضض فى مصر.

شَرَابُ الأخْطل..

” ولكني على كل حال ،قد دخلتُ النومَ حماراً وخرجتُ منه إنساناً يحسّ ويشعر ويتصل ويتذوّق الجمال،ويعرف كيف يستمتع بسحر العيون، أصبحتُ إنساناً، وتذكّرتُ قصةَ الأخطل فعفتُ شرابَ الحمار، وآليتُ ألا أروي الظمأ إلاّ بمثل ما رواه الأخطل”، فكأنّما صاحبنا وجد ” إنسانيته” فى فرنسا حيث بدأ ” يُحسّ ويَشعر ويتصل ويتذوّق الجمال ! ولنتمعّن معاً هذه العبارة ” لعلك تنكر أيها الصّديق إقبالي على الشّراب خالياً، وعلى الشراب بعد أن كذب الظنّ، وخااب الأمل، ولكن ما رأيك فى أن كذب الظنّ وخيبىة الأمل هما اللذان دفعاني إلى الشّراب دفعاً ، فقد أبيتُ أن أذعنَ لمكر الأقدار، وغدر الظروف ،وأقسمتُ ألاّ أذوّق النومَ حتّى أرى وجه هذه الفتاة المشرق ثغرُها “.

هذا التطوّر السّريع المفاجئ الذي طرأ على صاحبنا أو أديبنا إثر وصوله إلى مرسيليا ،وقبل أن يتغلغل فى الحياة الجديدة الصاخبة لا ينبغي لنا إغفاله، بل لابدّ من الوقوف عنده لنتعرّف على دلالاته وأبعاده،إنه لمن الخير أن نترك أديبنا يسائل نفسَه بنفسه :” كيف إنتقلتُ من طوْر إلى طوْر ،وكيف تغيّرتُ من حالٍ إلى حال،إنّني لفي حيرةٍ لا أعرف لها حدّاً ،ولكنّني مع ذلك كلِّه راضٍ على نفسي بعض الرضى ،بل كلّ الرضى”. لقد أعلنها صراحة ً،إنه راضٍ على نفسه كلّ الرضى، وقد وجد راحةَ البال وإطمئنان الخاطر،وهو الآن فى بلدٍ كله نعومة وظرف ولين..ألا تنتظره إلين..؟! يسوق لنا طه حسين هذا الصّراع الداخلي فى أسلوب سلس شيّق شفّاف يتضمّن أفكاراً ورموزاً هامّة تُفصح عن نفسية المؤلف ،وتصوّر الصراع الذي كان يعيشه فى تلك الفترة من حياته ، ولن تتضح لنا هذه الأفكار، ولن تنكشف هذه الرموز ما لم نتتبّع بتؤدة وتانٍ كلّ سطر من سطور هذا الكتاب.

بديهي أنّه ليس فى إمكان الجميع إستكناه المعنى الكامن فى هذا العمل أو ذاك،فقد يختلف القرّاء فى الحكم على عمل ،ولكن قيمته الحقيقية لا تمسّ بأذىً ، وكم من أدب نال من الطعن، والقدح الشئ الكثير، ولكنه تبيّن مع ذلك أنّه أدب قيم وجيّد وباقٍ ،لذا لا ينبغي الإسراع فى الحكم على عمل ما لم نتفحصه جّيداً ،ونبذل فيه من الجهد والكدّ ما هو قمين به، بعد ذلك يجوز لنا التساؤل على هذا المنوال : أين تكمنُ  قيمة “اديب” من حيث البناء الفنّي؟

إنّ طه حسين لا يعبأ بالوشي والتنميق للوجه الخارجي للعمل بقدر ما يهمّه ما بداخله من كنوز حتى إذا خالفه الكثير فى هذا الصنيع ،إنه لم يقدّم ” أديب” هذا فى عملٍ روائيّ متسلسل مُحكم البناء، له بداية ووسط ونهاية وإنما قدّمه لنا بوسيلة أقل تعقيداً فى نظره فعمد إلى الإسترسال فى الكتابة على سجيّته دون قيد من أيّ نوع ، تلبية لرغبة فى النّفس الغارقة فى نشوة الفكر والذكرى أثناء كتابته لهذا العمل أو إملائه، لقد جعل من ” الوسط” بدءاً ،ولكن يبدو أنّ هذا لا يهمّه  فى شئ بقدر ما يهمّه الإخبار أو الإسترسال فى سرد هذه الأخبار عن صديقه ( عن نفسه)  الأديب وعن مغامراته الطريفة فى مصر وفرنسا.

بقيت كلمة حول الجانب الفنيّ ، فالحقّ أنّ طه حسين ليس بارعاً فى هذا المضمار، ولقد أوضحتُ من قبل أسباب ذلك وقلتُ إنّ دراساته النقدية، والتحليلية تسمو كثيراً فوق هذه القصّة أو غيرها من أعمماله القصصية الاخرى باستثناء “الأيام” لعوامل متعدّدة منها  كما تقدّم  أنّ طه حسين لا يهمّه البناء بقدر ما يهمه الإخبار ،إن صحّ هذا التعبير، وهو لا يعنيه أرضي قارئه أم لم يرض ،والبناء الفني عنده ،أو التكنيك ليس أمراً ذا أهمية كما هو ملموس فى مختلف أعماله القصصية، وفى هذه الحال لا مجال للمقارنة بين هذا البناء لدى طه حسين وبين غيره من كتّابنا الذين برعوا فى هذا الفنّ، وعرفوا به،أعني به الفنّ الروائي، أمثال توفيق الحكيم، ونجيب محفوظ، على سبيل المثال وليس الحصر، إلاّ أنه على الرّغم من هذا التكنيك المهلهل ،والبناء المخلخل فإنّ أيَّ سطرٍ يكتبه طه حسين لهو جدير بالقراءة، والإهتمام لانه أبداً حافل بالمتعة ،زاخر بالعلم ،والطلاوة والسّحر.

وماذا عن النواحي التاريخية والإجتماعية فى هذا  العمل.؟ جدير بنا أن نلقي نظرة عجلى على بعض النواحي التاريخية والإجتماعية والبيئية فى هذا العمل الأدبي وغيرها من الجوانب التي أغفلت من طرف الكثيرين على الرغم  من تعرّضهم لهذا المؤلَّف .” فأديب” إن هو فى الواقع إلاّ إمتداد ” للأيام” ، فطه حسين يقصّ علينا هنا شطراً من حياته عاشه بعد أن إنتقل إلى القاهرة، ثم باريس بعد أن غادر القرية التي نشأ وترعرع فيها ،ففي الجزء الأوّل من من ” الأيام” – كما يقول مترجمُه إلى اللغة الفرنسية ” GASTON WIET “إنّه يحكي لنا أعوامه الأولى من طفولته ، حتىّ الثالثة من عمره،إنها قصة هادئة وبسيطة،ولكنّها مؤثّرة غاية التأثير ، إنها محاولة لإكتشاف العالم الخارجي الذي كان يعيش فى كنفه الطفل طهه حسين”. وأمّا الجزء الثاني من “الأيام” فإننا نجد- كما يقول المُترجم نفسُه- :” الإبن الصغير ، الإبن الضحيّة الذي لم يجد كبيرَ عناية ممّن كانوا يعيشون حوله، والذي فقد البصر منذ أعوامه الأولى، هذه المواقف المؤثّرة تفجّر فينا شحنةً من الإنفعال لا يقف عند  حدّ “.

هَجْرُهُ للأزهر والأزهرييّن

. إنّنا نجد طه حسين  يصل إلى القاهرة ويختلف إلى الأزهر ،ويطلعنا عمّا يدور فيه من شؤون ، ويحكي لنا كيف تركه غاضباً غير راضٍ عليه،وينتقل بعد ذلك إلى الجامعة العصرية ! فيصف لنا الحياة فى هذه الجامعة التي كانت حديثة العهد، ويصوّر لنا تلك الحقبة التاريخية أصدق تصوير،أضف  إلى ذلك وصفه للأزهر وللأزهرييّن حيث أعلن طه حسين بجرأة وحزم ثورته عليهم ..”إذن فأيّ فرق بيني وبين هذا الشيخ العتيق الذي كان يعرض بالأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده فيتغنّى فى بعض دروسه بهذه الجملة التي شاعت والتي كنّا نتندّر بها ونضحك منها ،وكنت أنا أشدّ الناس تندّراً بها  :” ومن ذهب إلى فرنسا فهو كافر أو على الأقل زنديق” ! كذلك قال الشيخ وبذلك كنا نتندّر فى الأزهر ،ومن ذلك كنّا نضحك فى أنديتنا الحرّة التي كان الأزهريون يرونها أندية إبتداع وضلال . يضاف إلى هذه السّخرية التي تصوّر مقدار ما وصل إليه بعضُ الازهرييّن من التزمّت والإنغلاق ، وصف المؤلّف الشيّق عندما كان فى باريس عن أخطار الحرب، والهلع الذي سبّبه النازيّون فى أوربا ، وخوفه من الدمار والقضاء على أروع ما أنتجته العبقرية الإنسانية من إبداع فى الفنون ،وروائع الأدب، فقد أفاض المؤلف فى وصف تلك الفترة وصفا ودقيقا.

إنّ “أديب” لا يصوّر حياة أفراد بعينهم بقدر ما يلقي الضوءَ على حياة فرد واحد، وهو أديب، لذا فقد خلا الكتاب من قيم ذات بال تتعلق بالنواحي الإجتماية إلاّ القليل مثل إشاراته لحياة البؤس، شظف العيش، وقلّة ذات اليد ،والظروف القاسية التي كان يعيش عليها المصريّون فى البوادي على وجه الخصوص، كما نقل  فى الكتاب بعض مظاهر الحياة العامة فى مصر بالقياس إلى الحياة المتحرّرة فى فرنسا فقدّم لنا وسطيْن مختلفيْن فى مصر وفرنسا.

من الجوانب المشرقة فى هذا الكتاب الأسلوب الذي عُرف به طه حسين، لأنّ مقدرته البيانية الهائلة المتّسمة بالسهولة واليسر والوضوح تضفي على هذا الكتاب قيمة أدبية مُضافة، إنك لا تجد نفسك أمام أسلوب هادئ، وعبارات رشيقة ، أمام سهولةٍ لا تسفّ، وعمقٍ لا يجارَى،ولقد سبق لكثير ممّن درسوا طه حسين وتتبعوا أعماله أن لاحظوا هذه الظاهرة فى كتاباته وأعماله التي تتمثّل فى البساطة فى التعبير لا تتأتىّ عفواً وإنّما تأتي بعد طول عناء ومران، ويرى بعضُ النقاد أنّ الكاتب لا يُعَدّ كاتباً حقّاً ما لم يأتِ بأسلوب جديد يميّزه عن غيره من الكتّاب الآخرين.

وتأثير الكاتب فى هذا الكتاب بما درسه من علم أو معرفة أو أدب واضح للعيان ، فهو تارةً ينقلننا معه فى رحلة شّيقة عبر الأدب العربي،وطوراً  ينهل من مَعين الآداب اليونانية، ومرّة ثالثة يستشهد بالآداب الغربية، وهكذا. يقول فى حوار له مع صاحبه بعد طول نقاش :”إنني من أنصار الحُسن الطبيعي الذي لا يُجتلب، ولا يشترى،هذا الحُسن الذي تحدّث عنه المتنبّي أتذكر بيته ؟ إنّه مشهور: حُسنُ الحضارة مجلوبٌ بتطريةٍ…وفى البداوة حُسْنٌ غيرُ مَجلوب. وهكذا نلتقي بين صفحة وأخرى ببي أو ببيتين مشهورين، أو حكاية عربية طريفة أو نظرة نقدية رائعة..ويظهر تأثيره بالأدب اليوناني بشكلٍ جليّ فى هذا الكتاب عند وصفه للنّهر :” إنّها لجميلة حين تتقدّم فى رشاقةٍ وخفّةٍ بما تحمل من زهرٍ وتمرٍ وورقٍ نضرٍ، وأغصانٍ لدنةٍ إلى القناة ،كأنّها تريد أن تهدي هذا كله إلى هذا الماء حين يجري فيها قويّاً هادئاً موفور النشاط كأنه إله شاب من آلهة الاساطير” هذا التشبيه يكاد لا يوجد له نظير فى العربية “كأنه إله من آلهة الأساطير” بقدر ما هو موجود فى الآداب اليونانية، وأمّا تأثير المؤلف بالثقافة الفرنسية فأمر لا يحتاج إلى دليل .

“أديب” فى لغة راسّين

طه وسوزان في باريس
طه وسوزان في باريس

وكما تُرجِم الجزءُ الأوّل من “الأيام” إلى الفرنسية سنة 1934 على يد المستشرق الفرنسي  Jean Le Cerf وكذلك الجزء الثاني منه على يد المستشرق الفرنسي  Gaston Wiet فقد تُرجم أيضا كتابُه أديب عام 1960  والذي قام بترجمته إلى الفرنسية هما نجلا الكاتب أمينة ومؤنس طه حسين. وقد وضعا له  فى الفرنسية العنوان التالي: “Adib ou L’Aventure  Occidentale ,Dar el Maarif  Le Caire 1960.، وقد جاءت ترجمتهما لهذا الكتاب سهلة ومبسطة غير أنّهما أسقطا من الترجمة مقدّمة الكتاب الأصلي أو الإهداء الذي تصدّر الكتاب،وكان حريّاً بهما أن يثبتاه لأنه يلقي ً الأضواءَ على الكتاب نفسه،جاء فى هذه المقدّمة مثلا:”كنتُ اوّلَ المعزّين له حين أخرجه الجور من الجامعة، وأوّلَ المهنّئين له حين ردّه العدلُ إليها”.فطه حسين هنا إنّما يعزّي نفسَه بنفسِه، لأنّه هو الذي أخرجه الجورُ من الجامعة، ووهو الذي ردّه العدلُ إليها.!

*كاتب،وباحث، ومترجم من المغرب ،عضو الأكاديمية الإسبانية الأمريكية للآداب والعلوم – بوغوتا- ( كولومبيا).

 

Advertisements

One thought on “عَمِيد الأَدَب العَرَبِي في ذِّكْرَي رحيله ال 42”

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s