قراءة في ديوان

“المعلّم والوردة” لـ كابي الفغالي

جيهان فغالي... وغلاف الكتاب
جيهان فغالي… وغلاف الكتاب
جيهان الفغالي

لقد عنونَ د. منيف موسى مقدّمة ديوان “المعلّم والوردة” بعبارة “صلاة الشعر”، ولم أجد ما أضيف على هذا العنوان، لأنّه خير تعبير عنه.

مَن يقرأ هذا الديوان يُدرك أنه يقسم إلى قسمين: الأول تحت عنوان المعلّم، والثاني الوردة.

يستهلّ الشاعر نتاجه بمشهد السيّد المسيح وهو يسير على طريق الجلجلة، ترافقه أمّه العذراء، وجماعة المؤمنين باسمه. وقد استطاع أن يرسمَ لوحةً واقعيّة تجسّد لمحة عن العذاب الذي مرّ به المسيح: “الشوك يجرح جبهتي ودمائي تخرج من فمي والسّوط يُلهب قامتي”، “أنشودة المسمار في كفّي.. في قدميّ”. وضمير المتكلّم هو المهيمن في الديوان (بذرتُ، رفعتُ، عندي، عبرتُ). فيسوع هو المناجي، معترفًا بمجيئه من الأبد، من ديار الربّ: “جئتُ من ديار أبي، عبرتُ عتمَ الليل وبردهْ، من بيتي من بوّابة الأبد”.

ثمّ ما لبث أن نادى الشاعرُ المسيحَ قائلًا: “يا معلّم”، وكأنّه لم يستطع رؤية عذاباته وجراحاته، مدهوشَا بالصبر العظيم الذي تحلّى به، مقتنعًا بمرارة هذه الحياة، حاملًا صليبه بنفسه: “صليبكَ حملتَه.. أخبرني .. فكيف به طويتَ الدرب كلّه؟!.. إن فوق كتفي حطَطْتَ ظلّهْ- فهبني صليبك”…فما أجملَ أن نحمل صليبَ مَن افتدانا بدمه!

عناصر الطبيعة الأربعة

وما لفتنا خلال قراءة الديوان، ذكره المتكرّر لعناصر الطبيعة الأربعة: النار، الماء، الهواء والتراب. وكأنّ الطبيعة بكامل عناصرها تصلّي معه، وتشعر بعذابات المسيح، وتسمع تأوّهاته، وتحمل صليبه على ذاك الطريق: “دموعًا وهواء، للطير للسماء، النار، البحر والرياح، نور يديه على المياه”.

كما استعان الشاعر ببعض مشاهد الإنجيل، كالمرأة النازفة (ولا كفّ الصبيّة النازفة… لولا الرداء)، ودعوة الأطفال إليه (إنّهم كوارة الشمس ومرساة الحياة، أتركوهم- ما مرّ في أيّامي حتى الآن مثل رائحة الطفولة). وهذا من أروع ما نقرأ عن براءة الطفولة والحنين إلى شذاها الغابر. وفقدان الطفولة هو حزنٌ بذاته: “في العصر يمشي أهلها فُرادى، حزانى حزانى، ما بينهم أطفال، مدينة بلا أطفال”. أضف مشهد التلاميذ وهم يلقون الشباك طلبًا من المسيح، فيكون الحصاد وفيرًا: (أنزلوها واذهبوا فيها إلى العمق وإن الله يؤتيكم بها صيدًا عجيبًا).

ونلحظ أيضًا الأمل الذي يرافق الحزن؛ فنحن، وإن أضعنا درب الربّ، يبعث إلينا بنسمة من نسَماته: “وأنت إنْ ضيّعتَه يأتي إليك بنسمة كي تسمعهْ”.ىومن تعاليم الأمل أن لا شيء مستحيلا، يكفي فقط أن نصلّي، ونصلّي، لنرثَ الحياة: (وليس هذا الوقت لي الوقت أن نصلّي، وأن نصبّ كلّ خمر العمر هذا في صلاة… الوقت أن نرثَ الحياة).

رجاء، وأمل

هو ديوان صلاة، ورجاء، وأمل. كلماته تشعل فينا إيمانًا (امسحني وابنني من جديد).

وهناك روعة في وصف مريم العذراء، عليها السلام، وأتى مشهد لحظة ولادتها، والنّعم التي فاضت عليها: (ولدتِ في الصبح، وكان الشهرُ شهرَ العنبِ…أخرجتكِ من حضن حنّةَ حينها، رحنا إلى حضن النجوم – راح النور يحفر جبهتي وتملأني النِّعَمْ).

إنّ نهاية الديوان تحملنا إلى قرية مديغورييه حيث تتمّ ظهورات العذراء، وحيث سبق للشاعر أن زارها. أراد أن تكون حياته صلاة، محبّة، ولادةً جديدة وتسامحًا (حياتي صلاة، في كلّ يومٍ

أولدُ…أقاتل البُغضَ.. أصارع الغضبَ، وخصومي.. لا ما تبدّلوا.. لكنّني كنتُ… وصرتُ جديدا، فأحبّهم في شوكهم وصخورهم).

الحياة التي يتوق إليها الدكتور كابي الفغالي ليست بمستحيلة، لأنّ الإيمان هو سلاحنا الوحيد، والمحبّة رايتنا المضيئة في قلوبنا. هي أشبه بالمدينة الفاضلة التي تكلّم عليها أفلاطون، وبالجنّة التي أرادَ دانتي بلوغها. وتجربة الشاعر الروحية في مديغورييه أثمرت من دون أدنى شكّ، هذه التجربة الأدبيّة التي بين أيدينا، وهي تحت عنوان “المعلّم والوردة”.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s