لماذا نكتب؟

 Nathalie-ok

د. ناتالي الخوري غريب

لماذا نكتب؟! ونحن نعلم في أعماقنا أنّ الكتابة ثرثرة مواويل في حناجر حبلى بالضجر!

لماذا نكتب ونحن نعلم أنّ العبث يتحكّم بالصوت والصورة والصدى؟ّ!

هل لأنّنا نريد أن نميت ذاتًا لنحيي أخرى؟ أم لأنّنا نريد أن نكذب على أنفسنا في توسيع فضاء صار يضيق أحلامنا؟

هل لأنّنا نريد أن نخلق حياة أخرى، حياة لا تشبهنا، ونشتهيها لأنّها كذلك؟

ام لأننا نريد أن نبني على أطلال عالمنا ما يرادفه بصورة معدّلة لا تمسّ بأعمدته ولا سقفه، بل تغيير موقع نوافذه فقط؟

هل تكون الكتابة حقًّا فعل هروب؟! أم فعل مصالحة؟! أم فعل حشر في زاوايا وبيوت بلا نوافذ؟!

هل هي موعد مع الموت أم مع الحياة؟! فيتكرّر السؤال عينه بصيغة أخرى، هل نكتب لنميت ما كان فنخلعه من رقاب ذكرياتنا، أم نكتبه لنحييه في دفاترنا؟ وكأنّ في التكرار فعل إلحاح لإيجاد جواب يناسبنا!

هل يصبح المكتوب خارجًا عنّا؟ أم تراه يتغلغل أكثر في دواخلنا؟

هل يتوقّف الأمر على ماذا نكتب؟ أهي معاثرنا في درب الهذيان؟ أم مآثرنا كي لا تبقى مسبوقة ب”كان”؟!

لمن نكتب؟ لنا أم للآخرين؟ لنعرفَ أنفسنا؟ أم لنعرّف الآخرين عنّا؟ ومن هم الآخرون غير ذات في مرآة تهجرها الغيوم يومًا وتسكنها أيامًا؟

ما الحبر؟ أهو غير الشوق الذي ما عادت شرايين الروح تحمله فترميه خارج مسامات الأنا؟

ما الورق؟ أهو غير الجسد الذي ابتلي بمعاصي عطش الرغبة وفورة العصيان؟

ولماذا ننشر ما نكتبه؟ أيكون النشر بوح ضمائرنا أمام الملأ؟! أم تراه يكون صراخًا بحجم سماء ضاقت بها الأقلام والأوراق؟ لماذا ننشر ونحن نعلم أنّ المكتوب سيلقى أحد مصيرين: سلّة الإهمال، أو جارور الوثائق المخبّأ عند مفارق الخطأ ليعلن إدانة التحوّل في مسيرة الفكر؟

لماذا ننشر ونحن نعلم أن المكتوب حين يُنشر يصبح عرضة للنقد والأخذ والردّ والتحليل والقال والقيل والإعلاء أوالتحقير؟

لماذا ننشر والنشر ملول مما يعاد، والفكر زهوق مما يبسط على واجهات التسطيح؟

نحن نكتب لأنّنا نقنع أنفسنا أنّ الكتابة رئتنا الثالثة، وأنّها شهيق وزفير، في استمراريّة الحياة، وأنّها لنا عين ثالثة، حين يتغاضى البصر عن الرؤية.

نكتب لأنّنا نواسي ذواتنا بأنّ الكتابة نزهة ضرورية في مساء خريفي، بعد يوم عمل طويل،  الغد مؤجّلة أعماله، والماضي مكدّسة همومه، واللحظة مقدّسة عيشها.

نكتب لأنّ الكتابة كلذّة العين بعد طول بكاء وقد اغتسلت مما أحرقها حبسًا في مقلة.

نكتب لنستردّ حريّتنا، ربّما، أو لنجاهر بها، ولو كان ذلك ممّا بُحّ صوته والصدى…

هل من الأجدى أن نسأل، لماذا نقرأ؟ هل لنجد ذواتنا التي أضعناها يوما في سطور منسيّة في كتاب أغلق على صفحة طويت من دون أن نُسأل…

لمن نقرأ؟ نقرأ لمن يشبهنا ومن لا يشبهنا؟ نقرأ لنؤكّد لأنفسنا ما نعرفه؟ نقرأ ليصبح لدينا ما نتحدّث به؟ أم ترانا نقرأ لنجد من يقرأ ما نكتبه؟

بين القراءة الكتابة فعل أخذ وعطاء. نظّن بأنّنا نقتل الوقت بهما، لكنّه هو القاتل، نظنّ بأنّنا بهما نقضي على العبث، والعبث ينظر إلينا ويسخر.

لماذا نكتب؟ سيبقى ذلك السؤال الدهري الذي يقلق من يمارس حرفة الحياة، والإجابات تتحكّم بها فوضى الأمزجة والفصول آن الاعتراف بإفلاس الذات والإقرار ببطولة العبث…

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s