المُواطنَة وإشكاليّات الطّائفيّة السّياسيّة

phoenix_fire_by_artisticpuppy-d38hu12_zps9953a1ba

د. نسيم شلهوب

لنُظهرَ في آن ٍ معًا محاسنَ المُواطنةِ  ومساوىء إشكاليّات التطيّف، سنُجري مُقارنة ً سريعة ً بين ما كان عليه لبنانُ المُواطنة في التّاريخ، وما هو عليه لبنانُ الطوائف الآن.

ذاكَ الذي وردَ ذكرهُ مرّاتٍ في كتاب الله:

وطنُ أدونيس وعشتار وإيل

وطنُ الحَرفِ ، رائدُ التّجارةِ

وطنٌ علّمَ أبناؤه العالمَ العومَ وركوبَ البحار

وطنُ الفينيق المُنبعثِ دائمًا منَ الرَّمادِ، يتجاوزُ عينَ العاصفة، يحتلُّ حدقة الشّمس.

ذلك الوطن العريق المُتجذّرِ في التّاريخ، ما عابهُ انحسارٌ في المساحةِ، وما أعاقتهُ قلّةُ السّكان.

ذاكَ اللّبنان عاشَ المُواطنة، فارتفعَ شأنًا، ازدهرَ اقتصادًا، نشرَ العلومَ في أصقاع الأرض.

يومها لم يكنْ للطّائفيّةِ بكلِّ أشكالها مكانٌ، كان حبُّ الوطنِ جامعًا والانتماءُ إليهِ اعتزازٌ.

الطّائفةُ الواحدةُ كانت المُواطنّة، والهدفُ الأوحد كان إعلاءُ شأن الوطن ورخاءُ عيش بنيهِ .

وما المُواطنةُ إلاّ تلكَ الحالةُ الوجدانيّة ُالتي تشدُّ الجميع إلى أرضٍ فيها وُلدوا، على دروبها درجوا. تجمعُهم بأهل ٍ يُشاركونهم الحبَّ بعيدًا عن التمييزِ والتّفاضُلِ، تسودُهم الثقة ، يُوحّدهم إيمانٌ مَفادُهُ أنَّ في اتّحادهم قوّةٌ وفي تفرُّقهم دمارٌ وذِلة ٌ.

وللمُواطنةِ أعمدةٌ أربعة :

أوّلُها – ارتباطٌ لا يُدانيهِ شكٌّ ولا يشوبُهُ تقوقعٌ ولا يعتريهِ خوفٌ منَ الأخ في الوطن.

ثانيها – ثقةٌ بالجماعةِ وبقوّةِ اتّحادِها بعيدًا عن الأنانيّات العصبيّةِ والمصالح الآنيّةِ الضيّقة .

ثالثُها – مُساواةٌ تُزيلُ الشّعورَ بالغبن والخوف، تحولُ دون الانعزال والفرديّةِ .

رابعُها – شعورٌ يدفعُ الأفرادَ والجماعات المُتآخية إلى التّساؤل: ما الذي قدّمناهُ لوطننا وما يُمكنُنا بعدُ تقديمه، لا ما الذي قدّمَهُ الوطنُ لنا وما يُمكنُنا بعدُ أخذَهُ؟

مع هذه الأعمدة الأربعة يكتملُ البناء وتفتقرُ الطائفيّة ُ على أنواعها إلى موطىء قدم ٍ وإلى رئةٍ بها تتنفس، عندها فقط تختنقُ وتتلاشى .

هكذا كان  لبنانُنا  في  التّاريخ .

هذا ما لم نستطعْ الحفاظَ عليه .

ولسوء حظّنا نحنُ أبناءُ الألفيّةِ الثالثة وما سبقها في التّاريخ القريب نشأنا في بلدٍ نسيجُهُ مُتلوِّنٌ مُتنافرٌ، خيوطهُ تنتمي إلى ثماني عشرة طائفة، يسودُها خوفٌ، تحكمُها عصبيّة ٌ، تدفعُها إلى التقوقع، وفي كثيرٍ منَ الأحيان إلى الاعتداءِ على مَن تظنُّ فيهِ تهديدًا لمصالحها وانتقاصًا من امتيازاتها، ممّا أدّى إلى حروبٍ داخليّةٍ وفتنٍ أهليّةٍ شكّلتْ رمحًا مُنغرسًا في قلب الوطن وخاصرته.

هنا سنتكلمُ عن إشكاليّاتِ الطائفيّةِ السّياسيّةِ : لنقول إنّها أكثرُ من “إشكاليّات”، وأظنُّ أنَّ مَن أرادَ أن يستعملَ هذه الكلمة المُهذّبة ليصفَ حالة ً مُزرية ً تسبّبَ بها وباءُ الطائفيّةِ السّياسيّةِ ، شاءَ تخفيفَ وطأةِ التطيُّف الوجداني الذي يحملُ لواءهُ ذووا صفةٍ وأصحابُ مصالح جعلوا شعورَ الانتماءِ الطائفيِّ حصانَ طروادةٍ لبلوغ أهدافهم وتحقيق مآربهم وتعزيزِ سلطانهم القابض على أعناق مؤيّديهم من المَهدِ إلى اللّحد.

نحن اليوم في ظلِّ نظام ٍ تجاوزَ الطائفيّة َ إلى المذهبيّة التي أشعلتِ الوطنَ، زرعتِ الحقدَ مكانَ الحب، أحلّتِ التباغضَ بدلَ الإلفةِ والتّآزر .

رُبَّ سائل: إذا صحَّ كلُّ هذا في وصفِ مفاسدِ هذا النّظام السّياسيِّ القائم على الطّائفيّة البغيضةِ والمذهبيّةِ الحاقدة، فلماذا إذًا نستمرُّ في اعتمادِه وتبنّيهِ بكلِّ مَساوئهِ؟

في الإجابةِ على هذا التّساؤل نقول: لا يُعالَجُ وجعُ الرّأس بقطع الرّأس!

ومع اعترافنا بمساوىء هكذا نِظام ورغبتنا في استبداله بما هو أفضل، لا يسعُنا إلاّ أن نعترفَ له ببعض ما يُقدّمُه من ضماناتٍ لأقليّاتٍ مَذهبيّةٍ قد تذوبُ وتختفي في بحر أكثريّةٍ طامحةٍ دائمًا إلى الهيمنةِ والاحتكار.

لذلكَ نقول: حتى الآن وقبلَ أن نُعِدَّ نِظامًا بديلاً، لا يزالُ نِظامٌ سيّءٌ أفضلُ من فراغ ٍ قد يحلُّ مكانهُ، وقد يكون سببًا لمِحَنٍ أكثرَ أذًى وأشدَّ ضراوةً .

علينا إذًا أن نُسرعَ ونعملَ على نشر ثقافةٍ سياسيّةٍ إجتماعيّةٍ جديدةٍ تأخذُ مكانَ ما نشتكي منهُ وما نعتبره سببَ مآسينا، تُعدُّ مُجتمعًا يرفعُ شأنَ المُواطنة فوق كلِّ اعتبار، يُزيلُ الفوارقَ التي زرعتها الطائفيّة البغيضة ُ، روتها الهيمنة ُالعدديّة ُ، ورعاها التسلط ُ، يُساوي بين أبناءِ الوطن الواحدِ، يدخلُ إلى وجدانهم يؤاخي بينهم .

عندها فقط نرى الطائفيّة َوالمذهبيّة َبكلِّ آفاتهما قد زالتا منَ الوجود ليحلَّ مكانَهما نظامٌ حضاريّ ٌ أعمدتُهُ مُواطنة ٌ، مُساواةٌ، عدلٌ ، محبّة ٌ وتآخ ٍ.

فلنبدأ إذًا، اليومَ قبل الغد، في إعدادِ جيل ٍ مُحبٍّ لوطنهِ بعيدٍ عن كلِّ انتماءٍ آخر.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s