رواية “صندوق الأسرار”

الأب د. سميح رعد وغلاف رواية "صندوق الاسرار"
الأب د. سميح رعد وغلاف رواية “صندوق الاسرار”
الأب د. سميح رعد

صدرت عن  دار سائر المشرق-بيروت رواية صندوق الأسرار لسليم طانوس عنتوري.

بيروت وشوارعها وأزقّتها وطرقات أبلح وساحتها وغيضتها، في زمن الأتراك، في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات العشرين، هي مسرى الرواية.

في أبلح، يعثر معلّم البناء مخول على صندوق يضمّ عددًا كبيرًا جدًّا من البرقيَّات مخبَّأ في جدارٍ كان يهدمه ببيت كرم بن نعمان. هنا بدأتْ تنكشف للحفيد عبدالله  ابن الخمسة والستين عامًا حقائق بقيت غامضةً منذ اختفاء جدّه نعمان قبل خمسين سنة. ومنذ أخذ نعمان على عاتقه تنشئة عبدالله بن كرم، كان يروي له قصّة أميرة هاجرت مع والديها، ويحدّثه بالتفاصيل عمّا يحصل معها في بلد الغربة. وتبيّن للحفيد، الذي قرأ البرقيَّات أنّ جدّه نعمان كان يروي قصّة يعيش وقائعها. فقرّر أن يخبر تفاصيل وقائع هذه القصة، التي تَجري في أبلح زمن الدولة العثمانيّة، في زقاق البلاط ببيروت المحروسة، بدءًا بتخرُّج نعمان من الكلّيّة الإنجيليّة السوريّة ونيله شهادة الدكتوراه من جامعة برنستون وعودته وعمله في القنصليّة الاميركيّة القريبة من مرفأ بيروت، أو كما كان يعرف حينها أسكلة بيروت، في بدايات عصر الإتصالات البرقيّة.

يتزوّج نعمان حلا، لكن المهاجـِرة رند ساكنة قلبه وعقله، كما تسرد البرقيات التي تبادلاها، واستند إليها الحفيدُ لكتابة التاريخ الوجدانيّ لجدّه. ويُرزق نعمان بكرم، وكرم بعبدالله، الذي سيروي قصّة جدّه. هذا الجدّ الذي لازمتْ قلبه وعقله أمنيتان، الأولى هي استعادة المهاجرة بعدما عثر عليها، والثانية هي زوال السلطنة العثمانيّة التي أرغمتْ قوانينُها أهلَ أميرته على الهجرة هربًا من أخد عسكر أو الخدمة العسكريّة الإلزاميّة كما كان يعرف أيام العثمانيّين. وقبيل الاحتفال بعيد ميلاده الخامس والسبعين، يتلقّى نعمان من رند برقية أخبرته فيها أنّها على وشك الرحيل، فاتخذ قرار السفر للقائها. وحينما استيقظ أهلُ البيت صباح اليوم التالي ولم يجدوا نعمان في سريره، بدأت الحكاية…

هذا النعمان الممزّق بين حبّين حبّ زوجته حلا وحبّ طفولته وشبابه الأوّل رند، حاول أن يعيش إخلاصًا ووفاءً على طريقته. هذا الحبّ وهذا الوفاء جعلا من زوجته أميرته ومن حبّه لرند ملاكه الحارس الحاضر أبدًا، ما حمله على أن يشتري بيت أهلها ويرمّمه لكي يرسّخ ذكراها في بلدته أبلح. وللقبض على ذكرياته مع رند رمّم الأنطش ومدرسته. فبقيت هذه الذكريات عبقًا من رائحة الحبيبة وعائلتها التي تعيش وراء البحار.

لا تنتهي القصّة بخاتمة، بل بأفق مفتوح بعيد يترك القارئ يحلم مفتّشًا عنها في خياله.

أسلوب الرواية شيّق وممتع، فيه من الكلام حلوه وغزله وليّنه. يمتلكك نصّها كما تمتلك يدك الكتاب الذي لا تتركه قبل أن تعرف ماذا سيجري في الصفحة التالية، والتالية تدعوك لما بعدها، وتغفو مع الكتاب حالمًا مسافرًا. وتحدّثك كلمات الرواية أكثر من الكلمات… ظاهرها جمال وباطنها كنوز.

سليم الروائي المخفي ككنز مثل صندوق كنوزه. هو وعدٌ، كلامه عطر وذوق وبهاء… كلماته كحبّات لؤلؤ منقّاة للذوَّاقة، وحبّات وعود من كلمات العشق رسمها رواية ولا أجمل!

هذه الرواية هي إطلالة على تاريخ بيروت وعاداتها وتقاليدها ومدارسها وعلى البقاع وأبلحه وصولًا إلى الشام شام الياسمين والنور والذهب… إلى أميركا حيث سافر الحبّ.

حتمًا ستجد نفسك في جيل من أجيال الرواية الأربعة، ولكن هل ستجد الذي والتي اللذين استعملهما الراوي مرّة واحدة لا غير في الرواية كلّها؟

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s