من جمعة الى جمعة

عودة إلى صراع السلاطين والقياصرة؟

 

inauguration_putin

حسان الخوري

هل سيرفع  إسقاط تركيا سوخوي – 24  الروسية منسوب الصراع الإقليمي و الأممي المتعدد الوجوه في سوريا، وينقله إلى مرحلة أكثر خطورة تضع الأطراف المعنيين قي مجابهة مباشرة؟

أبعاد الحادثة لا يمكن حصرها بخرق الأجواء التركية كما تدعي أنقرة، وهذا ما تنفيه موسكو، وإنما ينبغي ردها إلى الإختلاف الجوهري في وجهات النطر بين القوى المتصارعة، فروسيا تعتبر أن كل التنظيمات المسلحة المعارضة لنظام الأسد، وضمنًا الثوار التركمان الذين تدعمهم تركيا، إرهابية.  الأطراف الأخرى تحصر هذه التهمة بداعش والقاعدة. موسكو تعتبر أن مهمتها الأساسية محاربة الإرهاب.

الآخرون يعطون الأولوية  لإسقاط الأسد، ففي بعض جوانبه يبدو مشهد الحرب في سوريا مشهدًا سورياليًا: أعداء يجدون أنفسهم في خندق واحد، وأصدقاء يطعن أحدهم الآخر في ظهره.

من هذه المفارقات إستهداف كل من روسيا والائتلاف بقيادة الولايات المتحدة معًا البنى التحتية لداعش خصوصاً آبار النفط الخاضعة لسيطرته، وتدر عليه مليوني دولار يوميًا في الوقت نفسه تصر واشنطن على إسقاط الإسد،بينما تقوم موسكو في المقابل بدعمه، وتقصف الثوار الذين تدعمهم الولايات المتحدة.

putin-1 copy

عدو عدوي ليس صديقي

من المفارقات أيضًا و أيضًا قيام تركيا في شرق سوريا و شمال العراق بضرب الأكراد الذين يدعمهم الائتلاف و أثبتوا أنهم من أكثر المقاتلين كفاءة، و قد أصبحوا قاب قوسين و أدنى من عاصمة الخلافة الرقة ، بتعبير آخر و بكلام أكثر وضوحًا إن دولة عضوًا في الحلف الأطلسي تضرب حليفًا لبقية الأعضاء في الحلف، ففي سوريا ليس من الضروري أن يكون عدو عدوك صديقًا لك.

في هذا الإطار يمكن فهم رفض روسيا طلب المسؤولين الأتراك من السفير الروسي في أنقرة قبل 24 ساعة من إسقاط سوخوي-24 وقف قصف التركمان، فبالإضافة إلى الإختلاف في الرؤية، وعدم الثقة المتبادل بين الفريقين كانت الموافقة عليه تعني   قبولًا، وإن يكن غير مباشر بما دأب الأتراك يطالبون به منذ أيلول الماضي بإعلان الأجواء السورية منطقة منزوعة الطيران إذ حققت قوات الأسد تحت غطاء الحملات الجوية الروسية  بعض التقدم، وهو مطلب يتعارض مع المجهود الحربي الروسي في سوريا،

كذلك ربما أعتقد الكرملين أن الأتراك لن يتجرأوا على الرد، وليس من قبيل الصدفة أن سوخوي -24 قد سقطت في جوار المنطقة التي يسيطر عليها التركمان.

كيف ستتطور  الأمور

بعد إسقاط السوخوي؟

شبه المؤكد أن العلاقات بين روسيا والغرب سوف تشهد مزيدا من التدهور، وتلقي بظلها الثقيل على محادثات فيينا التي تناقش إيجاد حل سلمي للأزمة السورية، وتجمع فيها معًا للمرة الأولى من جهة، وكذلك مندوبو المعارضة السورية والنظام السوري من جهة أخرى، ما أعتبر خطوة متقدمة بإتجاه الحل، وكذلك على محاولة الرئيس أوباما توسيع الإئتلاف ضد الإرهاب بضم روسيا إليه.

الغموض لا يزال يلف تفاصيل عملية إسقاط سوخوي ? 24 نظرا لتضارب وتناقض الروايتين الروسية و التركية بشأنها.  القيادة العسكرية التركية أطلعت الملحقين العسكريين الروس في أنقرة على خرائط الرادار، وأعلنت أنها وجّهت 10 إنذارات على الأقل إلى طائرة  سوخوي – 24 من قاعدة القيادة في جنوب شرق تركيا، وأنها لم تكن تعرف هوية الطائرة عندما وجهت إليها هذه الإنذارات. موسكو من ناحيتها تؤكد أن الطائرة لم تخرق الأجواء التركية، وأن تركيا لم تحاول إجراء أي إتصال بها قبل إنطلاق طائرتي  أف 16 لضربها، وبدوره  نفى الطيار الروسي الذي تم إنقاده أن يكون قد تلقى أي إنذار سواء بالراديو أو بالعين المجردة، وقال:»كان بإمكانهم الطيران على خط مواز وإنذارنا لو رغبوا بذلك». الرئيس بوتين  وصف العملية بأنها جريمة وطعنة في الظهر، وإتهم القائمين بها أنهم متواطئون مع الإرهابيين. في اليوم التالي صعّد بوتين حربه الكلامية،فإتهم الرئيس أردوغان بأسلمة المجتمع التركي، وتمويل داعش بشراء النفط منه في السوق السوداء. وزير الخارجية الروسي  لافروف والمندوب الروسي إلى الإتحاد الأوروبي فلاديمير تشيزهوف ذهبا إلى أبعد من ذلك، فإتهما أنقرة بأنها خططت للهجوم بصورة مسبقة، فيما لمّح الأول إلى أن الولايات المتحدة قد تكون ضالعًة في العملية، حرص الثاني على التأكيد أن بلاده لن تشن الحرب على تركيا.

أسلمة تركيا

hagia_sophia

 تجدر الإشارة إلى أن « أسلمة تركيا» كانت موضع إنتقادات العديد من منظمات الحقوق الدولية في السنوات الأخيرة إلّا أن معظم الدول الغربية كانت تغض الطرف، لرغبتها بعدم إغضاب حليف أساسي في الشرق الأدنى.

حسّان الخوري
حسّان الخوري

ومن المآخذ الغربية الأخرى على أردوغان أنه غير قادر أو غير راغب بوقف الهجرة على خطين. هجرة اللاجئين السوريين عبر تركيا إلى أوروبا، وهجرة الشبان الأوروبيين الراديكاليين للقتال في سوريا،و تجدر الإشارة هنا أيضًا إلى أن زعماء الإتحاد الأوروبي قرروا في مطلع هذا الشهر منح تركيا 3،3 مليارات دولار لوقف الهجرتين و ضبط الحدود.

عمليًا إكتفت  روسيا- حتى كتابة هذه السطور- بإلغاء زيارة كان من المقرر أن يقوم بها وزير خارجيتها سيرغي لافروف إلى أنقرة، و بالطلب إلى رعاياها عدم التوجه الى تركيا حيث يحتل السياح الروس المرتبة الثانية بعد الإلمان بعددهم البالغ  4 ملايين، أي ما يمثل 12% من إجمالي السياح الأجانب. وبإيقاف الرحلات الجوية المدنية بين البلدين، وبقطع العلاقات العسكرية معها ، ونشر صواريخ جوية دفاعية بعيدة المدى في قاعدتها على  ساحل اللاذقية لضرب أية أهداف تتعرض لطائراتها الحربية، وتسيير طائرات قتالية مع طائرات القصف في جميع الطلعات فوق سوريا. إلى عقد جلسة إستثنائية للناتو  لكن هل تدور الأحداث دورة  إرتجاعية كاملة لنعود إلى صراع السلاطين والقياصرة؟

هذا السيناريو ليس شاعريًا ، أو وليد الخيال، فإنه من المعروف عن الرئيس بوتين كما عن الرئيس أردوغان أحلامهما الأمبراطورية.

لكن ما يدعو إلخشية أن سجل كل من بوتين وأردوغان يحمل الكثير من الدلالات التي تشير إلى أنهما يميلان إلى تصعيد المواقف، ويأملان بإستسلام خصومهم، وإذا لم يفعلوا إنقضا عليهم. هذا ما فعله بوتين على إمتداد 15 عامًا من حكمه.سحق تمرد الإنفصاليين  الشيشان.غزا جورجيا. إستولى على جزيرة القرم.أدان إنهيار الإتحاد السوفياتي. قضى على المعارضة الداخلية، وأعلن أنه حامي الإتنيات الروسية أينما وجد أفرادها.

أردوغان من ناحيته قام خلال 12 عامًا من حكمه بقصف أكراد العراق، ثم الأكراد في بلاده، وحاليًا يقصف أكراد سوريا. قلّص الحريات الصحافية  وسمح للتنظيمات المسلحة ضد الأسد بما فيها داعش بإستخدام بلاده كقاعدة خلفية لها، وكما يتهم بوتين بأنه يحّن إلى سيطرة الإتحاد السوفياتي على الدول المجاورة لروسيا، يتهم أردوغان بأنه يسعى إلى إستعادة نفوذ السلطنة العثمانية في الشرق الأوسط وأبعد من ذلك. ولكن بالرغم من إختلاف الرجلين في مجالات عديدة ( حرب الشيشان، سوريا، أوكرانيا)  إعتبرا نفسيهما دائمًا « شريكين إستراتيجين» وحافظا على تعزيز العلاقات الإقتصادية يبن بلديهما حتى لدى فرض الغرب عقوبات إقتصادية على روسيا جراء الاحداث في أوكرانيا، فمثلًا عندما طلب الإتحاد الأوروبي من بلغاريا عدم السماح لروسيا بعدم الموافقة على المشرع الروسي بمد خطوط أنابيب الغاز عبر أراضيها، عرضت تركيا أن تكون الدولة البديلة.  ومن المتفق عليه أنه ليس من مصلحة للجانبين حاليًا في تصعيد الموقف، فمثلًا ستواجه تركيا صعوبات بالغة إذا قرّرت التوقف فجـأة عن استخدام الغاز الطبيعي الروسي، كما أن روسيا قي المقابل ستجد صعوبات مماثلة إذا توقفت عن المرور في الدردنيل.

في هذه الإثناء لا يزال الغرب منشغلًا بموجة الإرهاب التي إنتقلت إليه أو ولدت في أحضانه، وزاد قلقه جراء عملية مالي وتونس، و في هذا المجال هناك

نقطة مهمة ينبغي الإشارة إليها هي أن الهجومات الإرهابية الأخيرة تستوحي داعش أو القاعدة، وتعتبرهما مثالًا تحتذيه، و قد يتوجه منفذوها إلى الشرق الأوسط للتدريب أو للمشاركة في القتال، لكن بذور الإرهاب موجودة داخل البلدان التي تتعرض لهذه الهجومات، ففيها تتكوّن وتنمو، ويعود وجودها إلى ما قبل إنشاء التنظيمين، وفي هذا الإطار يمكن إدراج على سبيل المثال لا الحصر، الحملة الارهابية التي شنّتها الجماعة الإسلامية المسلحة في فرنسا في العام 1995 ولعب فيها أحمد الكلكال الذي ترعرع  في فرنسا دورًا رئيسيًا، وأدّى تفجيرها محطة القطار في قوس النصر إلى مقتل 8 أشخاص وسقوط مئات الجرحى، وهناك العديد من العمليات التي أحبطتها القوات الأمنية قبل حدوثها ولم تعلن عنها، و يمكن القول بصورة عامة أنه بإستثناء خلية هامبورغ التي نفّذت عملية 9/11، وعملية تفجير قطارات مدريد، فإن معظم العمليات الأخرى كانت- إذا جاز التعبير- «إرهابًا أوروبيًا محليًا».

لقد حصل – في رأي بعض المراقبين – تحول جذري في إستراتيجية داعش وتكتيكاته وأسلوب عمله، فقد كان الإعتقاد السائد أن هدفه الأولي  السيطرة  على بقعة في الشرق الأوسط وإقامة الخلافة فيها، ومحاربة «العدو القريب»، وذلك  بخلاف القاعدة التي كانت تركّز على العمليات الخارجية ضد «العدو البعيد» كعملية 9/11 بهدف إسقاط الأنظمة الغربية.

لكن عمليات داعش الخارجية الأخيرة لا تعني أنه تبنى وجهة نظر القاعدة أو أخذ يسير على منوالها، فالفارق الجوهري بين هدفي التنظيمين لا يزال قائمًا.عمليات داعش تمت لإعتبارات مختلفة أبرزها ثلاثة:

1- ردة فعل على الضربات التي تلقاها. تفجير أنقرة جاء في أعقاب موافقة تركيا على إستخدام الولايات المتحدة إحدى قواعدها الجوية لقصفه،    وتفجير الطائرة الروسية للضربات الجوية التي يقوم بها سلاح الجو الروسي ضده، و تفجيرا الضاحية الجنوبية لقتال حزب الله إلى جانب الأسد، و هجومات باريس إلى خصوصية الموقف الفرنسي داخل الائتلاف الدولي، وهو موقف ينبغي التوقف عنده.

2- محاولة إضعاف الائتلاف المعادي وزرع الشقاق بين أعضائه بحيث قد يفكر البعض بإعادة النظر بموقفه، وربما بالإنسحاب كليًا منه كما فعلت إسبانيا في العراق، ومن يبقى سيتعرض للمزيد من الإعتداءات.

3- وربما هذا هو الإعتبار الأهم، وقد أشار اليه الباحثان سكوت أتران نفيس حميد بقولهما: «الصدمة التي انتجتها الهجومات المتناسقة في ما بينها، ومشهد سفك الدماء العشوائي و الإرهاب في الشوارع، ونقمة الرأي لعام على التطرف الإسلامي، وتعهد الرئيس فرنسوا هولاند بأن يكون بلا رحمة في القتال ضد برابرة الدولة «الإسلامية» هذا بالضبط ما سعت إليه داعش، فبقدر ما تزداد عدائية أوروبا للمسلمين، وبقدر ما يزداد تورط الغرب عسكريًا  في الشرق الأوسط بقدر ما يقترب داعش من تحقيق أهدافه، وهذه إستراتيجية مكنته من مجابهة قوى دولية متفوقة عليه وعززت شرعيته في أعين أتباعه «.

فرادة الموقف الفرنسي

من ناحية أخرى تحمل  هجومات باريس إلى قراءة متأنية للموقف الفرنسي من القتال في سوريا الذي يبدو بأنه يتفارق في بعض الجزئيات عن مواقف بقية الأعضاء في  الائتلاف، ليست خارجه، لكنها تغرد أغنية منفردة داخله، فمثلًا بدأت منذ 26 أيلول الماضي بشن حملات قصف جوي،فيما لم يقدم الأعضاء الأوروبيون الآخرون كبريطانيا والمانيا بعد على خطوة مشابهة، كما من المعروف أنها أكثر الأعضاء تشددًا في معارضة إعطاء الأسد أي دور في المرحلة الإنتقالية.

في تفسير الموقف الفرنسي تبرز 3 إعتبارات:

أولاً تريد فرنسا عبر تدخلاتها الخارجية في سوريا، والشرق الأوسط و أفريقيا (مالي مثلًا) تلميع تصورها الذاتي كدولة عظمى.

ثانيًا مواصلة، وبصورة أدق إستئناف لعب دورها التقليدي كالخيار الأنسب والبديل الافضل للسياسة الأميركية، ولعله من المفيد التذكير بهذا الخصوص أن الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك أبقى على علاقات العمل مع الرئيس صدام حسين بالرغم من العقوبات الإقتصادية التي فرضتها الأمم المتحدة، كما عارض غزو العراق في العام 2003.

ثالثًا تجد فرنسا في عدائها للأسد فرصة لتعزيز علاقاتها، خصوصاً التجارية، مع الدول العربية المعارضة له.

ما هو مؤكد اننا سوف نشهد في الأيام المقبلة أحداثًا مثيرة للإهتمام، وعادة ما تكون هكذا أيام غير سعيدة، بل مأساوية ودامية.

NAPO-Su-34-Dumb-Bomb-Drop-1S

hvkhoury@yahoo.com

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s