د. ناتالي الخوري غريب

“أزمة المطالعة في المرحلة الجامعيّة”

د. ناتالي الخوري غريب
د. ناتالي الخوري غريب

أزمة المطالعة، عنوان الندوة، اعتراف واضح وصريح أنّ ثمّة أزمة تستوجب حلّا، أزمة لا يمكن أن تُقرأ بمَعِزل عن الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والديني والنفسي، حيث لا يمكن أن نفصِل بين طبيعة الانتاج المعرفي وكيفيّة تلقّيه.

المطالعة
المطالعة

وغائيّةُ حديثنا اليوم عن أزمة المطالعة، هي  تأسيس أو تأصيل الانفتاح على الآخرين والاستنارة بمختلف أفكارهم ورؤياهم لخلق وعي جمعي، من أجل احتراف العيش في ظلّ التحديّات والإرباكات التي تطال مجتمعَنا.

هل أزمة القراءة  ناتجة عن طبيعة القارئ وتبدّل اهتماماته بتبدّل اهتمامات العصر في ثقافة أولويّات جديدة؟ أم على ضغوطات الحياة الاجتماعيّة وإيقاعها السريع؟ أم على نوعيّةِ الكتاب بحسب الموضوع الذي يناقشه وكيفيّته،( وهنا أحب ان الفت أنّ الكتاب الالكتروني ليس سببًا في الازمة بل على العكس)،  والنوعِ الأدبي الذي ينتمي إليه وأسلوب كتابته؟ أم هي أزمة يسبّبها الكاتب بالطريقة التي يقارب فيها موضوعاتِه؟ أم الإعلام الذي يهمّش الكاتب والكتاب فيؤسس بذلك لأحكام مسبقة عند الطلاب أو الناس بعدم فاعليته وتاليًا تهميش دوره.

ثلاثة أركان أساسيّة

وفي تفكيك سريع للمسألة،  نتناول من المطالعة ثلاثة أركان أساسيّة في ثلاثيات: عند الطالب الجامعي تحديدًا: أولا: طالب-قارئ، وثانيا: نصّ مقروء، وثالثًا: كاتب، ثلاثيّة تستوجب بحثًا في كلّ ركن ضمن ثلاثيّة أخرى: أولا: طالب- قارئ: أ-وقته، ب: ذوقه أو اتجاهه، ج: ما يجبر به.

أ‌-     وقت الطالب-القارئ:

نظرًا للحالة الاقتصادية، والى حاجة الطالب أن يعمل وفي الوقت عينه يدرس، نحن أمام حجج جاهزة تتذرّع بضيق الوقت لتقسيمه بين العمل والحضور الصفي، والعمل البحثي المطلوب للمقرّر. أين يكمن الحلّ؟

في إلغاء الأبحاث، تساهلا وتعاطفًا مع وضع الطالب، دفعٌ مباشر نحو استفحال الأزمة، على صعيد المستوى والقراءة والشهادة، وفي الإصرار عليها، دفع نحو قيام الطلاب بها على طريقة ال copy –paste. (هذا لا يعني أنّ الانترنت لا يقدّم مساهمة عظيمة في سرعة البحث إذ تكفي كسة زرّ في اقل من ثوان، لتكون مثلا أمام معجم لسان العرب وتاج العروس وغيرها من المعاجم وتحصل على ما تريد)الحلّ؟  في حدّه الأدنى؟ علينا كأساتذة أن نقنع الطالب أنّ القراءةَ في مرحلة الدراسة الجامعيّة ليست ترفًا، بل هي حاجةٌ وضرورة، حيث الـتأسيسُ والبناء، وهي حاجةٌ تنمويّة فكريّة لبناء ذهنيّة قادرة على الانتقاء بعد استعراض ما تكون اكتسبته، وزوّادةُ توعيةٍ تقيه السقوطَ في فخّ النقد غير المبني على أصالة الحسِّ العلمي، كي لا نصل إلى ذهنيّة إلغائيّة تهدم  المجتمع أو العكس، وسهولة غسل الدماغ.

ب‌-  ذوقه:

إذا أردنا التكلّم بعيدًا من كتب الاختصاص، للطالب، عن ذوقه في مطالعة ما لا يتعلّق باختصاصه، هل يقرأ؟ هنا علينا البحث أوّلا في كيفيّة خلق هذا الذوق. هل ينمو منذ الصغر مع الأهل وتوجيههم، أم مع المدرسة في مراحلها المتوسطة والثانوية حين يبدأ الجدل والنقاش في الموضوعات الفكرية والايمانية والعلميّة وسواها؟ أعتقد أن الأزمةَ هنا تبدأ مع طلّابنا في مرحلة ما قبل الجامعة، في تنمية الذوق. مع اقتراحي أو اعتقادي أنّنا إذا وجّهنا طلابَنا في هذ المرحلة الثانوية تحديدا إلى قراءة النصوص الفكرية-الاجتماعيّة المغلّفة بقالب سردي، التي تناقش إشكالياتٍ وجدلياتٍ وتحمل همًّا وجوديًّا وقلقًا معرفيًّا، أي تنميّ حسّ السؤال وتاليًا حسّ المعرفة عند الطالب. أين تتجه أذواق طلابنا في القراءة؟ تتجّه إلى ما يريد منها الإعلام والإعلان أن تتجه، لانها تستأثر به ضمن منظومة تسويقية لا قدرةَ له على مواجهتها.

ج- ما يُجبر به:

ثمّة مراجع ومصادر على الطالب الجامعي أن يكون مطّلعا عليها من أجل كتابة أبحاثه في المقررات، وبات معلوما أن المقررات في المناهج الحديثة ونظام ال LMD، ما عادت تعتمد على كتاب واحد للمقرّر، وعلى الطالب أن يقوم ببحثه بعد الاطلاع على عدد معيّن من المراجع، وهنا نحن نتكلّم على الحدّ الأدني من الكتب التي يجب البحثُ فيها. الحل؟ العمل على طموح الطالب في تعزيز ضميره، وفيما يتعلق بالامتحان الصفي، العمل على أسئلة تختبر الحسّ النقدي. مثلا، مادة الحضارات القديمة، يمكن أن تدرّس كسرد للمعلومات التاريخيّة، ويمكن أن تدرّس كحوار جدلي ضمن إطار المقارنات وتداخلها مع الفلسفات قديما وحديثًا…

لاّننا يجب أن نعي، نحن والطالبَ، أنّ ما يُبنى على رأي واحد، او ما ينطلق من منظور واحد، يؤدي الى أُحادية ستصطدم حتمًا برأي آخر مناقض، المهمّة هنا تأسيس جيل نقدي وبحثي وتربوي.

Nat-4

النصّ المقروء:

أ-موضوعه: لم الكتب الأكثر قراءة بين الطلاب هي كتب الابراج؟ هنا تكمن المشكلة في مجتمعاتنا القائمة على التوقّع لانعدام الثبات فيها، وهذا مؤشّر خطير في مجتمعاتنا عندما يصبح الثبات قائمًا على التوقّع. ليس مؤشرا خطيرا فحسب بل هو معيب، سرّا او علنا. وكأنّ القارئ-الطالب، ينتظر فعلًا  أن يؤمّن مستقبله أو نجاحه ويعرف ما غُيّب عنه وكشف لغيره. وهذا بحدّ ذاته مؤشّر خطير للذهنية التي تتحكّم بعقول الطلاب الجامعيّة. ولم التوجه الى الكتب الاكثر شهرة عالميا؟  وكي لا نقف هنا، في موقع الشاكي والباكي والمتفرّج، علينا مواجهة تحدّيات كبيرة كأساتذة بالتوجيه والتحفيز:

إذا أردنا توجيه الطلاب إلى كتب ثقافية تنمّي ثقافتَهم وفكرَهم من خارج الاختصاص، ما الكتب التي يجب أن يوجّهوا اليها:

برأيي، بعد معرفة توجّهاتهم وأذواقهم، واحترامها، يجب إرشادُهم إلى الكتب الفكريّة-الجدليّة التي تنمّي لديهم الانفتاح على الآخر، الكتبِ التي تعلي من شأن التعدّدية الثقافية والفكرية والدينية، والتنبيه على خطر الكتب التي تعزز الأصوليات، مع تزويدهم بالمراجعات الواضحة عن هذه الكتب.

-التوجيه الى الكتب التي تهتمّ باللغة وإشراقتها بعيدًا من الأخطاء الشائعة التي تؤسّس لمزيد من الأخطاء، وتكرسُّها.

– قد يكون القالبُ السردي أكثر تشويقا من كتب الفكر الخالص، والروايات من الكتب الأقرب الى ذائقة الطلاب من الاختصاصات كافّة، (وقد نكون الآن في زمن الرواية)، لذلك يجب توجيه الطلاب إلى اختيار ما يحمل مخزونًا معرفيًّا، يمكن ان يزيد من ثقافتهم، واختيار ما يحمل نقاشًا فكريًا يعوّدهم على أن ثمّة رأيًا ورأيًا آخر، وكيف تُبنى الجدليات وتسهم في بناء توليفة فكر جديد.

 

ب-التحفيز:

1-التحفيز الداخلي: يكون التحفيز الداخلي بخلق الشغف عند الطلاب، وأقصد بالشغف خلق حالة هوس معرفي ضمن موضوعات قابلة للقراءات المتنوّعة وهذا يخلق أمرين:

أ- تنمية حسّ المقارنات بين الحضارات أو الأديان والمجتمعات في عيشها وتطورها ونموّها.

ب- تنمية الشغف المعرفي الذي يدرك أنّ ثمّة أمورًا أكثر لم تُعرف بعد، غوصًا على مجهول قد يفتح آفاقا غيرَ متوقّعة.

ج- خلق حالة إدمان على الكتاب. وإذا كان الاستاذ شغوفا بالمعرفة، ولّد هذا الشغف عند الطلاب، وهنا نفتح مزدوجين، الطلاب الذين لديهم قابليّة لتلقي هذا الشغف المعرفي).

2-التحفيز المادي: بالإضافة الى التحفيز بالجوائز، يمكن تحفيز الطلاب بنشر ملخّصاتهم أو أبحاثهم أو مقالاتهم الادبية او قصصهم، في مواقع الكترونية أو جرائد أو التعليق عليها وجعل اكبر عدد من الاصدقاء يطّلعون عليها، وهنا ضرورة استثمار المواقع الالكترونية، ليشعروا بأهميّة ما يكتبون وما يقرأون، بالإضافة الى المشاركة في المسابقات والجوائز  وقد صار الاشتراك بها سهلا لما أتاحته سهولة الاعلان عنها مواقع التواصل الاجتماعي. (وهنا أودّ الإشارة إلى المرحلة الانتقالية التي تعيشها شرعيّة النشر الالكتروني، التي لم تتحقّق بعد كليًّا، لكن الوقت كفيل بذلك، وقريبًا).

ج: الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب:

ولنتّفق أوّلًا على  أن مصادرَ معرفتِنا بالإصدارات الجديدة نأخذها من منبعين: الإعلام،(المرئي والمسموع والمكتوب، ومواقع تواصل اجتماعي) ومعرض الكتاب،(نشاطات ثقافية وتوقيع كتب وعرضها وندوات عنها)، وهذا المعرض صار مكوّنا أساسيًا في الثقافة والمشهد الثقافي في لبنان.

بما أنّ الاعلام المرئي لا يخصّص حيّزا للثقافة والكتب إلّا فيما ندر، سأتكلّم على  الإعلام المكتوب، ودور الأستاذ كصلة وصل بين الإعلان عن المنتَج الثقافي والمتلقي، وأتساءل ما هو المطلوب من الصفحة الثقافيّة في أيّ جريدة، المسؤولة بطريقة ما عن تصوير مستوى الحركة النقديّة والثقافية والفكريّة المعاصرة.

لا تسهم الصفحة الثقافية في خلق منظومات فكريّة لكنّها تضيء عليها، هي ليست سجّلًا للتراث، لكنها ترصد هذا الامتداد من التقليد إلى الحداثة، قلبًا وقالبًا، إيجابًا وسلبًا في مختلف الاتجاهات، والأهم انها تضيء على الاصدارات الجديدة باتجاهاتها كافة، ادبًا وشعرًا ورواية وفكرًا سياسيًا واجتماعيًّا…

أي كتاب نختار؟
أي كتاب نختار؟

الكاتب

أ-هواجسه: علينا أن نستوعب أوّلا، كأساتذة، نفورَ الطلاب من كتب التراث، وهذا لا يعني الغاءها،(وبخاصة بدءا من المرحلة الثانوية) ولكن يجب التنبّه الى أن هذا النفور يصبح عامًا يشمل كلَّ الكتب اذا بقي الاصرارُ على إعطاء التراث كلَّ هذا الحيّز،(من دون الوقوع في تجديد إشكالية القدماء والمحدثين) وعلينا الاعتراف ايضًا أننا نعيش في عالم متغيّر يتطلب متغيراتٍ ادبيةً تشدّه، يريد الطالب أن يقرأ كتابًا لانسان يعيش معه الواقعَ المتغيّرَ المتخبطَ الذي يعيشه هو، الذي يعيش همومَه ومآسيه، يريد ان يعرف أن الكاتب ليس صورة وهمية منسيّة في كتاب التاريخ، بل شخص يعانى ما يعانيه… وموضوعاتٌ تحاكي عصرَه ومتغيراتِه ومتطلّباتِه، في قوالب غير جامدة، بعيدا من جفاف الفكر والإطالات غير المبرّرة، وجمودِ اللغة، والاهتمامِ بموضوعات يتمّ تناولُها بلغة معاصرة تحافظ على أصالتها، تنمّي القيم الأخلاق من دون أن تكون وعظيةً مباشرة، تنتج علما ومعرفة من دون أن تكون جافّة، على قاعدة أن الطعام الصحي لا يكون لذيذًا.

ب-علاقته بالقارئ: تنبع ضرورةُ تأمينِ لقاء أو تعارف ولو من بعد، بين الطالب الجامعي، والكاتب، تنبع من أهميّة هذا اللقاء في تمتين العلاقة مع الكتاب عبر كاتبه، أكان شاعرا او روائيا او مفكرا او فيلسوفا، والاحتكاكِ به  ومناقشتِه، وهنا للاستاذ الجامعي دورٌ في تأمين هذا التعارف. وتاليًا تمكّنُ من تصحيح صورة الكاتب النمطيّة الموجودة في ذهن الطلاب أنّ الكتّاب مزاجيون وبخاصة في الفضاء الادبي، مع ضرورة الاعتراف لمواقع التواصل الاجتماعي في إفساح المجال للنشر والتفاعل والتعارف. واعتقد انّ هذه المواقعَ كسرت حواجزَ المسافات والجغرافيا اولا، إلا أنّها لم تكسر بعدُ حاجزَ الجُرأة في الاعتراف بالآراء علانية ضمن منتديات جديّة للقراءة، بعيدًا من تعليقات المجاملات والكلمات الأكثر تردادا:”رائع، مميز، جميل”.  مع آمالِنا دائما بألا يعتزل المؤلفُ ويبتعد إما عبثًا او تعاليًا.

ج- عدّة الكتابة : لن أتفصّل في هذا الامر، فالمتفق عليه أنّ اللغةَ المترفة الانيقة والعمقَ الثقافي والمعرفي والبعدَ القيمي الهادف للنص وسلاسة الأسلوب هي  عدّةٌ حتميّة للكاتب في مختلف الميادين.

ختامًا، وعلى مستوى الإنتاج الأدبي والمعرفي، نستطيع القول إنّ الحالة الأدبيّة والفكريّة بخير، وأنّ ثمّة كتّابًا (شبّانًا وشابّات) يختزنون في أقلامهم إبداعات تستحقّ التوقّف عندها بما يشكّلونه من ظاهرة أدبيّة ونقدية سيكون لها شأن كبير، لذلك يجب على التعاون من أجل تعزيز منتديات القراءة، التي تضمّ أكثر من جيل، في مواقع التواصل أو خارجها، لقراءة كتاباتهم والتوقّف عندها، إيمانا منّا بأنّ كلّ عصر له لغة إبداع جديدة خاصّة به.

*مداخلة د. ناتالي الخوري غريب حول “أزمة المطالعة في المرحلة الجامعيّة” في الندوة التي نظّمها “النادي الثقافي العربي” و”اللجنة الوطنية للأونيسكو” في الأول من كانون الأول الجاري بعنوان “ندوة البيال: أزمة المطالعة في لبنان، في معرض بيروت العربي الدولي للكتاب في دورته الـ59”.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s