في هياكل العادة

 

د. ناتالي الخوري غريب
د. ناتالي الخوري غريب

د. ناتالي الخوري غريب

العادة قيد لا نراه، وسجن متى أدركنا بأنّا أسراه، أدمنّا على عتمته، وصرنا نهرب من الضوء اليه. فالعين التي لا ترى المدى، لا تعشق العبور إليه.

والحريّة تموت في هياكل العادة، كما تذوي الكرامة في معابد الضرورة، ووجع الخرافة كامن في جرح السطر الأخير، على حافّة الوعي.

العادة خبز الكسالى الذين استغنوا عن تبديل مصيرهم في أفياء الضمير المعلّب الذي  تتعبه التجارب الجديدة أو المغامرات الجديدة، خبزًا بائتًا لأيام مغايرة.

العادة درب تودي بالطامح الى مقبرة الشغف، حيث الحماس ملول، والتجدد تعوب، وحافز التغيير قد انتحر.

في طقوس العادة، مشانق التحديّ معلّقة، يُقتل بها كلّ استفزاز، ويُلغى كلّ تجاوز وتخطٍّ من قاموس الاستعمال، والأدهى أنّك على قاعدة “النحس اللي بتعرفو، أحسن من اللي تتعرّف ع غيرو”، في استقرار العيش، ما عدتَ تراها.

وفي فهم الحفاظ على العادة، وهمٌ مغلوطٌ في صون الأصالة، لأجيال، تغيّرت لديها مفاهيم الجذور وخلطت التربة بالسماء.

وحين تنافس العادةُ الإرادةَ وتغلبها، ترمي بها في حفر الجثث المتحرّكة، التي ما عادت تستطيب نكهة المختلف من الحياة. وتصبح طقوس العادة، شريعة المومياء، لا تعرف كيف تغار من الأحياء، بل تراها على مثالها…

وحين تتآمر عليك العادةُ، وتمارس الإقصاءَ والإلغاء في حقّ المبادرات الطالعة من رحم ثورتك، تصبح ذليلا لعاداتك، خاضعًا لها، ويصبح النضال موجّهًا الى الإبقاء على ما سئمت العيش في ظلاله، على قاعدة “يللي بيغير عادتو بتقلّ سعادتو”.  وإن تغلّبت الارادة عليها صار العكس، كما قال أمين نخله:”انتصار الإرادة على العادة حياة مستعادة”…

ان تعتد على الخسارة، وتعتد على وجوه العابرين الذين لن يمرّوا بعد إلّا في مواسم الذكرى، تكن قد جعلت من الخسارة جزءًا من كيانك… وفي كل خطوة  نقصان.

وان تعتد على الربح، يصبح الإدمان عليه ضربًا من الحاجة التي تجعلك تضحّي بالأغلى من أجل الحفاظ عليه.

وان تعتد على وجع الانتظار وقد سُلبتَ حقّ السؤال، تكن قد قرّرت الموت بسكتة اليقين.

وهل صدق من ردّد أنّ “كل شيء عادة حتى العبادة”؟ طبعا لا…

ومن قال إنّ العيد في معناه الأعمق عادة وليس خرقًا للعادة، وتمرّدًا على استعادة طقوسه؟! هو دعوة إلى الثورة على الذات كي لا تتصدّأ، لأنّ الحياة تستوجب ابتكارًا يوميًّا يلائم تبدلات جلدها..

علينا أن نتمرّد على ذواتنا العتيقة، لنتعلّم البحث عن أعماقنا في فوضى الحقائق، ولو غامرنا انسلاخا عن مسكن الاستقرار، وهدمنا معبد الأنا الذي صلينا فيه كل تاريخنا، وقررنا العبث مع الريح…

ومن قال إنّنا بالعبث مع الريح لا نخلق سعادة لها بصمة تجدّد ذاتها، في أثواب من دهشة،  احتفالًا بعيدٍ يولم يومًا للعاصفة، ويومًا آخر ينام في مهاجع النجوم؟

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s