فؤاد حبيش وزمن “المكشوف”…

أوّل دار للنشر ونهضة ثقافية

 

فؤاد حبيش بريشة الزميل الفنان الراحل جان مشعلاني
فؤاد حبيش بريشة الزميل الفنان الراحل جان مشعلاني

جوزف أبي ضاهر

هو فؤاد حبيش…

عائلته محافظة، طليعة مجتمع أكسبها من تاريخه عبرًا، وأكسبته من تاريخها حضورًا ألقًا في ميادين علم ودين ووطنيّة. رَبيَ بدلال. لأنه الوحيد الذي ستلقى على كتفيه عباءةٌ تركها والده، فيكمل إرث بيت طالما سمع: “مَن خلّف ما مات”.

غلاف كتاب «فؤاد حبيش وزمن المكشوف»
غلاف كتاب «فؤاد حبيش وزمن المكشوف»

ما اهتم لما سبق! ضجّت في داخله رياح مشاكسة. قليلها بَانَ في مرحلتي الولدنة والمراهقة، وزادت الفتوّة على هذا القليل حدّة وعزّة نفس. خرج من اللهو والمدرسة إلى الجنديّة مدفوعًا بتمنّيات أقربين سبقوه، لمعت «نجوم» على أكتافهم، فأبهرت.

الإبهار أسقطه التعامل بين الرئيس والمرؤوس، وغذّاه ضيق مساحة الحرّية الكانت تناديه خارج أسوار ثكنات “جيش الشرق”، المنتدب على وطنه.

تزاحمت الرياح المشاكسة في داخله حين فتح شباكًا على خارج رحبٍ، أغرته فيه تاء التأنيث: كلمة، امرأة، حرّية وصحافة… أشرقت في عينيه بشائر مستقبلٍ سيكون له فيه موقع صدارة.

أنزل النجوم عن كتفيه، ارتاح، وارتاحت هي لسقوطها في كفّيه، صار البدء كلمةً… افتتح بها زمنًا ذهبيًّا ستعرفه العامّة، وتَدخله النخبة مشاركةً في صنع مناخ، هو لاحقًا، باعث نهضة أدبية وصحافيّة في لبنان وجواره… وأبعد قليلاً.

***

“صاحبة الجلالة” استقبلت الآتي إليها من عشق وشغف. ضمّته إلى أسر تحرير أرقى مجلاّتها وجرائدها: محرّرًا، كاتبًا ورئيس تحرير حتّى امتلك أسرارها ومفاتيحها، فاستقلّ بجريدة، وأرادها مغايرة، ما ساعده في جذب قراء لها من مختلف الأعمار والمستويات.

أرادها “مكشوفة” خالعة عنها ثوب زيفٍ.

تسابقت الأيدي لشرائها سرًّا، وقراءتها سرًّا. أما من وضعها في الضوء فقيل فيه ما قيل فيها: خليعة وماجنة. تترجم تهتّك الغرب، وتقدّمه علانية لمجتمع يفعل فعل الغرب سرًّا ويستتر.

سنة واحدة كانت كافية لجعل جريدته “المكشوف” الأشهر بين صحف ومجلاّت لم تجرؤ واحدة منها على المغامرة، كما فعل، من دون أن يلبس ثياب الواعظ والمصلح في ما كتب، وما نشر.

سعى لإيضاح رؤيته إلى جيل يخاف التغيير والتحولات، ويخشى التطلّع في النور المبهر.

قيل في تصرفه نافرًا، بل زندقة غير مألوفة.

“ما همّ” ردّ، وأكمل بعفوية، ولو حذرة مرّات، إلاّ أنّها حقيقيّة، لا مواربة في إعلانها، ولا مداهنة في تسويقها كما هي.

تمسّك برأيه بلا خداع ولا تمويه. مشى وعينه على الغد: “لا تخافوا الخروج من الشرنقة، الريح لن تصيب غير ثيابكم، وأمّا الجسد فيصمد، ويتحرك… التمسّك بالماضي عن جهل يخسرنا الحاضر، وربّما المستقبل”.

بدّد عَالمًا رتيبًا غارقًا في التقليد والغش، وأكمل سعيًا.

بدأ مفردًا، وصار جمعًا، ممهدًا لفجر زمن شمل الشكل والمضمون والتوجّه، وبشيء من الجرأة القاسية أحيانًا، استطاع كسر مرآة الغبار.

جعل الشمس مرآته.

تطلّعوا، قال، ووقف في المقدمة، ولا التفاتة إلى الوراء.

أصوات تعالت، صرخت، هاجمت، اصطدمت بمداها القصير… وهوت.

سقطت… ومرّ الزمن فوقها.

الزمن يمشي دائمًا إلى الأمام. يرافق الحياة في تطوّرها. الجمود في المكان موت. موت للمكان بمن فيه وما فيه.

***

ما فعله فؤاد حبيش في «المكشوف» غلّفه بكتابة جاذبة، سليمة اللغة، غنيّة المعلومات، تجرأ بضعة كتّاب أدباء للانضمام إليها. وكوّنوا أسرة لفتت انتباه من كان خارجها، فأغراه الأمر، خصوصًا وان شهرة الذين كتبوا صار لها ألسِنَة.

بعضهم طالب “المؤسّس” بستر “مكشوفه”، وأبدى استعدادًا للمشاركة: تنوع الأقلام والمواضيع، يصنع من “الجريدة” بنت السنة، ما لم تصنعه السنوات في مثيلات لها.

زايد عليهم وقال: “استروها” أنتم.

… وبدأت “الأسماء” الجديدة، المشهود لمعظمها في المعرفة والعلم والثقافة والتاريخ، بحياكة “ثوب جديد” لها، زاد في حضورها إغراءً للعقل، من دون منعه عن الجسد “نَفَسًا” فيصبح بلا روح.

***

استقطب المضمون الجديد لـ «المكشوف» نخبة النخبة، والأقلّ قليلاً. تهافتوا على الكتابة فيها. من لبنان كانت غالبيتهم، بداية، والتحقت بها أسماء من: سوريا، العراق، مصر، الأردن، فلسطين… صار لما يكتبون الوقع المؤثّر على المناخ الثقافي العام. فلا ممنوعات تحجب أراءَ، ولا التزامات غير الأصول والقواعد تفرض حضورًا.

اتّسعت مساحة النقد وتبادل الأفكار والتطلّعات والنظريات في مجمل المواضيع الكانت تفتقر إليها صحافة العالم العربي… وأُعطيت “ساحة للملوك” الشعراء. بعضهم كتب في الفنون التشكيليّة، في الموسيقى وفي الفنون الأدبيّة. وخُصّت القصّة بالحصّة الكبرى لأنها الأرقى، حسب فؤاد حبيش: “تجتمع فيها مختلف الأداب وفنونها ولا تغضّ الشاعريّة في الوصف والخيال وجهًا عنها”. شجّع كلّ ذلك، وظلّ على اهتمام بدأ به في التراجم من لغات عالميّة.

مهّد للموهوبين دربًا، ومنحهم “شارة الانطلاق” عبر مسابقات وجوائز.

مَن كان أهلاً كتب وتسلّم جائزة ودخل ملكوتًا. ومَن لم يكن، وقف مكانه متفرّجًا على العابرين به.

خصّ الأصغر عمرًا بما لم يكن متوفّرًا. صار لهم في “المكشوف” صفحة، وأيضًا لمدرّسيهم وأساتذتهم. قبل أن يؤسّس لهم مجلّة كاملة تُعنى بشؤونهم، وكلّف أهل اختصاص للاشراف عليها: “المعرفة تبدأ من هنا، ويجب أن تكون صحيحة وسليمة”.

… وظلّ في نفسه حنين إلى الجنديّة.

أصدر لأفرادها، ومن هم أعلى رتبةً ومركزًا، مجلّة “الجندي اللبناني”، لتكون بابًا للثقافة الشاملة. “الجندي غير المثقّف خطر على نفسه وعلى بلده”.

بعد “المكشوف” جريدة (أو مجلّة)، أسّس أوّل دار للنشر ليحرّر الكاتب من همّين أساسيين: تأمين كلفة طبع المخطوط، وتأمين توزيع المطبوع. والأهم، الاشراف وانتقاء ما يَصلح لأن يكون كتابًا ويتصدّر المكتبات. وما لا… ينزل في سلّة مهملات واسعة: “الأدب الهزيل مرفوض”.

بعده صار النشر حرفة أدبيّة راقية. برز الوجه الراقي للكتاب. وصل إلى مريديه، وصار للناشرين اتحاد يُعنى بشؤونهم وشجونهم.

اتّسعت مساحة المكتبة العربيّة بالجيد المبتكر، بالفكر النيّر، بالأفكار والأحلام، بكتب التاريخ والاستشراق…. بالقص والتراجم… وأكثر.

***

غريبة كانت شخصيّة “الشيخ”، تجمع الأضداد. تآخيها بعضها ببعض، حتّى ليصعب وصفه بكلمة، أو وضعه داخل إطارٍ لصورةٍ واحدة.

متفلتًا من التقاليد؟ ظُنَّ به.

تفلّت من تحجّر بعضها وما تجرّه من سلبيات تحجب الرؤية الواضحة للحياة في وجوهها المختلفة: إنسانيّة، اجتماعيّة، فكريّة، ثقافيّة، فلسفيّة وحتّى دينيّة.

الوقوف في المكان ذاته والتشبت به، يمنعان التطور الذي سعى إليه بكلّ ما أوتي من همّة، وتجارب ومعارف اكتسبها من ثقافة واسعة شملت انتفاضات في الغرب، آخذ من بعضها مثالاً، ولم يضعف تمسّكه بخصوصية الشرق، وهذا ساعده على قبول التطوّر السريع المرافق لحياة لا تنتظر من يتأخر عنها.

***

فؤاد حبيش اصلاحي، حرق أصابعه في الكلام “المكشوف” على كلّ شيء، وعن كلّ شيء، وما حرق إيمانه الساطع بوطن، بحرية، باستقلال، بشموليّة فكر، بثوابت هي بعض سمعة طالما سعى ليظل في بهاءِ تاريخها العائلي المشيخي، من دون أن تلوّثها وحُول الانتقادات الطالعة من رواسب زمن عتيق عَفن.

كسر أصفاد أقلام كثيرة، وأطلقها عصافير كلام طغت أصواتها عن رتابة ما كان يقال همسًا، ويخشى ان طلع إلى الضوء أن يُسقط قائله.

زمن ما قبل “المكشوف” هو غيره زمن ما بعد “المكشوف” الصار مرآة لأفكار غيّرت وأثّرت، وأثْرت جيلاً بُني على العقل، لا على الغرائز.

***

في عشر من السنوات قبل غيابه تَردّدتُ إلى مكتبه، تعلّمتُ الكثير منه، وعرفتُ الكثير عنه.

في سيرته لم أدوّن سردًا تاريخيًا، ولو جاءت الأحداث في مسار متلاحق. هاجسي الوقوف قدر ما أتيح لي في ضيق المساحة أن التقط الشرارات من دون تركها تحرق أطراف الصور، وأن أشير إلى الضروري من الوصف لتكوين حكاية رجل هو ذاته الحكاية كاملة من دون حواشيها التي تتدافع بعضها وراء بعض لتكون حكاية ثانية، ترتبط بنَصّها الأزمنة والأمكنة، وبأعلام أسّسوا أو شاركوا في تحقيق مرحلة من أغنى المراحل الأدبيّة والثقافيّة والتحرريّة في أدبنا اللبناني خصوصًا، والعربي عمومًا.

كِتَابٌ عن فؤاد حبيش؟ بل كِتَابٌ لـ فؤاد حبيش هو فيه النصّ والصورة، وما وراءهما من خصوصيّة متفرّدة، ولزمن مختلف.

* المقدمة المدخل لكتاب «فؤاد حبيش وزمن المكشوف» الصادر حديثًا عن مؤسّسة الفكر اللبناني في جامعة سيّدة اللويزة في 366 صفحة من القطع الكبير مزيّن برسوم وصور لأعلام الثقافة في لبنان منذ النصف الأوّل للقرن الماضي إلى اليوم.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s